}

كيف اختفى الأخ غير الشقيق لهتلر في هامبورغ؟

ترجمات كيف اختفى الأخ غير الشقيق لهتلر في هامبورغ؟
أدولف هتلر وأخوه غير الشقيق ألويس هتلر
ترجمة: عارف حمزة


في مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1945، تلقّت شرطة هامبورغ في مقرّها بساحة غينزه ماركت رسالةً أثارت على الأرجح كثيرًا من الفضول. كاتب الرسالة هو ألويس هتلر الابن، الأخ غير الشقيق لأدولف هتلر، وقد صاغ طلبه بأسلوبٍ متواضع، لكنه ملحّ للغاية:
"أتقدّم بهذا الخطاب إلى سيادة العقيد، قائد شرطة هامبورغ، برجاء تغيير اسم عائلتي من هتلر إلى هيلر".
وبرّر ذلك بقوله إنّه بات "من المستحيل بالنسبة لي الاستمرار في حمل اسم هتلر، إذ يجعل هذا الاسم من الصعب عليّ ممارسة عملي، ويمثّل عبئًا في التعامل مع الآخرين".
كان ألويس حينها في الثالثة والستين من عمره، وأكد في رسالته أنه لم يكن عضوًا في الحزب النازي، ولا في أيّ من منظماته، أو فروعه.

الموافقة على تغيير الاسم خلال ثلاثة أسابيع
صدّقت السلطات في هامبورغ رواية الرجل الذي كان يرتدي نظارات بإطارات معدنية، بشعر مفروق جانبيًا بعناية. وبعد ثلاثة أسابيع فقط وافقت السلطات على طلبه، كونه "مبرّرًا"، وسمحت له بتغيير حرف "ت" في لقبه إلى "ي"، ليصبح "هيلر" بدلًا من "هتلر".
مقابل رسم إداري قدره 50 رايخ مارك (وهي كانت العملة النقدية لألمانيا في ذلك الوقت) تحوّل هتلر رسميًا إلى هيلر في جميع وثائقه، بما في ذلك سجلّ المعمودية النمساوي. ومنذ ذلك الحين عاش ألويس هيلر مع زوجته هيدفيغ، ومع ابن أخيه (الذي غيّر اسمه هو الآخر) وزوجته، في منزل متواضع في حي فولسبويتل شمالي هامبورغ.
وحين لاحظت الصحافة المحلية القصة وطلبت من الشرطة ترتيب لقاء مع الأخ غير الشقيق لهتلر، رفضت السلطات الطلب بحجّة أن الرجل "يعاني من اضطراب نفسي شديد"، ويجب أن "يُجنَّب أي إثارة جديدة أو ضغوط".
"من منظورنا اليوم يبدو أمرًا عبثيًا تمامًا أن شرطة هامبورغ في ذلك الوقت لم تدرك حقًا من كان الرجل الذي تتعامل معه، وأنها صدّقته ببساطة من دون أن تتحقّق من ماضيه"، يقول الباحث في تاريخ الحقبة النازية هانس ـ بيتر دي لورنت (1) في حديثٍ مع هيئة الإذاعة الألمانية (إن دي آر) قبل بضع سنوات. ثم يضيف أنه عثر مصادفة في أرشيف الدولة أثناء بحوثه حول نظام التعليم في هامبورغ خلال فترة النازية على ملفات تتعلّق بـ ألويس هتلر الابن. ويقول بدهشة: "قبل ذلك لم أكن أعلم حتى أن أدولف هتلر كان له أخ غير شقيق يعيش في هامبورغ".

الأخ غير الشقيق، المجرم الصغير، لا يُناسب أسطورة "الفوهرر"
في ظل الدولة النازية، قدّم أدولف هتلر نفسه بوصفه "قائد الشعب الألماني"، محاطًا بعبادة شخصيةٍ جنونيةٍ لا مثيل لها. كان يحرص دائمًا على إخفاء حياته العائلية عن العامة، بما في ذلك وجود أخيه غير الشقيق ألويس، الذي لم يظهر علنًا في أية مناسبة.
وقبيل انتحاره، في نهاية الحرب العالمية الثانية، أمر أدولف هتلر بإحراق جميع الوثائق العائلية، في محاولةٍ منه لمحو كل ما يمكن أن يربطه بماضيه العائلي، أو يكشف عن أصوله الحقيقية.
لم تُكشف علاقات القرابة داخل عائلة الديكتاتور إلا بعد سنوات طويلة من عمل عدد من الباحثين والمؤرخين. وكما يوضح المؤرخ هانس ـ بيتر دي لورنت، الذي أجرى لاحقًا بحثًا شاملًا عن حياة ألويس هتلر الابن في هامبورغ: "كان الأخ غير الشقيق، بسجله الإجرامي الصغير، وحياته الفوضوية، لا ينسجم إطلاقًا مع الأسطورة التي صنعها أدولف هتلر لنفسه؛ أسطورة القائد الإلهي المعصوم، الذي أراد أن يحاط بهالة من القداسة والتفوق المطلق".

ابن من الزواج الثاني للأب
كانت مدينة هامبورغ بالنسبة إلى ألويس هتلر الابن محطة من بين محطات كثيرة في حياته المتقلبة. فقد وُلِد في 13 يناير/ كانون الثاني 1882 في فيينا، ابنًا لـ ألويس هتلر الأب وزوجته الثانية لاحقًا فرانتسيشكا ماتسيلسبرغر. في عام 1883، وُلدت أخته أنجيليكا، لكن الأم توفيت في العام التالي. أما الأب ألويس هتلر فلم يلبث أن تزوّج للمرة الثالثة في عام 1885 من كلارا بولتسل، التي أصبحت لاحقًا أمّ أدولف هتلر، المولود في عام 1889.




عاش ألويس الابن نحو سبع سنوات إلى جانب شقيقه أدولف، لكن علاقتهما كانت متوترة للغاية، فقد كانت الأم تفضّل أدولف بوضوح، بينما كان ابن الزوجة السابقة، ألويس، مرفوضًا ومهمّشًا. بينما الأب، الذي كان سريع الغضب، يلجأ إلى العنف وضربهم غالبًا من دون تفضيل لأي منهما على الآخر.
وعند بلوغه 14 عامًا، غادر ألويس البيت العائلي. وكما تشير المصادر، كان يكسب رزقه من أعمال مؤقتة صغيرة، وسرقات متفرقة، كما أنه بدأ تدريبًا مهنيًّا لكي يصبح نادلًا، ولكنه لم يُكمله.

السجن والابن الإنكليزي
بعد قضائه خمسة أشهر في سجن لينتس (في النمسا)، هاجر ألويس إلى دبلن، حيث اعتمد على الاحتيال مصدرًا للعيش. وعندما انكشف أمره مرة أخرى، فرّ إلى ليفربول، حيث تزوج حبيبته الأيرلندية، وأنجب منها ابنه ويليام باتريك هتلر. غير أن ألويس كان مدمنًا على الكحول، ويقامر في سباقات الخيول، ويُعتقد بأنه كان يضرب زوجته وطفله بشكل متكرر.
في عام 1915، هجر عائلته وغادر إلى هامبورغ بحثًا عن انطلاقة جديدة لحياته، حيث عمل في بيع شفرات الحلاقة، وتربية الدواجن، ونادلًا في مطعم. وبعد فترة قصيرة زوّر وثائق شخصية، وتزوّج من جديد، وأنجب ابنًا آخر أسماه هاينريش.

زواج مزدوج ومهنة في الدولة النازية
في عام 1924، عندما اكُتشف أنه ما يزال متزوجًا من امرأة أخرى ولديه ابن في إنكلترا، وُجّهت إليه تهمة الزواج المزدوج. ومع ذلك، لم تتابع زوجته الأولى الدعوى، وحُكم عليه بستة أشهر مع وقف التنفيذ، فنجا نسبيًا من العقاب. بعد ذلك، غادر هامبورغ وانتقل إلى برلين، حيث عمل كنادل وعامل مؤقت.
عندما وصل أخوه غير الشقيق أدولف هتلر إلى السلطة في عام 1933، توسعت أمامه الفرص المهنية. ففي العام نفسه اشترى حانة صغيرة في برلين ـ شارلوتنبورغ، وفي عام 1937 استحوذ على مطعم في ساحة فيتنبرغ من مالك يهودي سابق، بدعم محتمل من كبار أعضاء الحزب النازي. سمّى المطعم باسم "ألويس"، وبدأ بذلك أول عمل مربح حقيقي في حياته، وهو إدارة مطعم في ظل الدولة النازية.
بعد انتهاء الحرب، كان ألويس هتلر الابن في هامبورغ يُصرّ على أن نشاطه التجاري حصّله بمجهوده الخاص. وأكد بأنه لم يلتقِ أبدًا بأخيه غير الشقيق أدولف، وبأنه لم يكن له أي انخراط في أنشطة النازيين. لكن ما يُعرف اليوم يُظهر صورة مختلفة تمامًا لما كان يدّعيه.

مطعم "ألويس": ملتقى كبار النازيين
قال الباحث في تاريخ النازية هانس ـ بيتر دي لورنت: "كان مطعم ألويس نقطة التقاء لكبار المسؤولين النازيين". إذ كان المالك، المعروف بسحره الشخصي، يشبه أخاه أدولف، ليس فقط في الشارب المصقول، بل أيضًا في الملامح العامة. وقد خصص غرفة في الطابق الأول لاستقبال رجال الـ "إس آ"(2)، والـ "إس إس"(3). وفي مناسبات مثل عيد ميلاد "الفوهرر"، كان ألويس هتلر الابن يُزيّن واجهة المطعم بزهور "قدم الأسد"، وصور هتلر، وفي أعياد الميلاد يقدم للموظفين أيضًا صورًا للدكتاتور.




كان المطعم منجمًا للربح. رغم عدم الإعلان عن القرابة مع أدولف، "استفاد ألويس بشكل هائل من صلة القرابة"، كما يوضح دي لورنت. وكان أي طلب له، مثل زيادة حصة التبغ، أو إنشاء حديقة أمامية، يُنفَّذ بسرعة، على عكس الطلبات السابقة التي كان يُقدّمها المالك السابق. وفي وثيقة رسمية، نجد أن ألويس طلب الاستفادة من غرف إضافية في المبنى، وهي الغرف التي كان يشغلها آنذاك سكان من اليهود، متوقعًا أن يفرغوها من ساكنيها قريبًا.

من برلين إلى هامبورغ بعد سقوط الرايخ الثالث
بعد انهيار النظام النازي، أصبح الوضع في برلين صعبًا على ألويس هتلر الابن. فهرب مع زوجته هيدفيغ في شاحنة تابعة لـ (إس إس) إلى هامبورغ، حاملًا بعض الممتلكات والطعام، إذ ظن أن في هامبورغ ما زال يوجد القليل ممن يعرفهم.
وبصفته ألويس هيلر، ملأ عام 1947 استمارة التبرؤ من النازية، مُخفيًا عضويته في الحزب النازي، وتم تصنيفه في البداية ضمن الفئة (فاو)، كـ"مُخفف من المسؤولية".

قصص مؤثرة في صحافة هامبورغ
لكن عندما أدلى شهود من برلين بشهاداتهم للجنة نزع (أو اجتثاث) النازية عن أنشطة ألويس في مطعمه، اضطر إلى الرد. اتصل بالصحافة التي نشرت مقالات عاطفية عنه، مشيرةً إلى أنه "لم يكن له أي علاقة بأدولف هتلر"، وأنه لا يريد تذكيره بأخيه. ونقلت صحيفة "فوخن إند" في أكتوبر/ تشرين الأول 1949: "السيد هيلر قدّم استمارة نقية تمامًا، وأثبت بشكل مقنع أنه لم يهتم بالسياسة كما اهتم بالقهوة الجيدة والبيرة الصالحة للشرب". بحلول ذلك الوقت، كانت لجنة نزع النازية قد أعادت تصنيفه، بناءً على روايات الشهود، في الفئة الثالثة، باعتباره "مجرمًا أقل خطورة".

مطعم في دامتور
خلال جلسات الاستماع، قال هيلر إنه كان، وما زال، يعاني من اضطراب وفقدان في الذاكرة، ولذلك ملأ بعض النقاط في الاستبيان بطريقة غير صحيحة من دون قصد.
وبعد شدٍّ وجذبٍ بين المحامين، قررت لجنة نزع النازية في نيسان/ أبريل من عام 1950 إعادة تصنيفه في فئة "غير الملوَّثين". وبذلك سُمِح له بالعودة إلى العمل في القطاع الخاص، فافتتح مطعمًا صغيرًا قرب محطة دامتور، كما يذكر الصحفي فولفغانغ تسدرال في كتابه "آل هتلر".
ويُقال إن هيلر عاش في هامبورغ حياة هادئة لا تلفت الانتباه، غير أنه كان أحيانًا، ولإرضاء بعض السيّاح الذين عرفوا من يكون في الحقيقة، يوقّع لهم صورًا لأخيه أدولف مذيَّلة بتوقيعه "هتلر"!
في 20 مايو/ أيار 1956، توفي ألويس هتلر الابن في هامبورغ، ودُفن في مقبرة أوهلسدورف، غير أن قبره أُزيل لاحقًا، وسُوّيت أرضه، فلم يبقَ له أي أثر يُشير إلى مكان دفنه اليوم.

هوامش:
1 ــ هانس ــ بيتر دي لورنت (1949) هو مُعلم ومؤرّخ وسياسي ألماني من حزب قائمة البديل الأخضر، وعضو سابق في برلمان ولاية هامبورغ.
2 ــ إس آ (شتورم أبتايلونغ) وحدة العاصفة، أو الفرقة الميدانية. وكانت ميليشيا شبه عسكرية أسسها الحزب النازي في عشرينيات القرن الماضي، وكانت مهمتها حماية اجتماعات الحزب، وإشعال أعمال الشغب ضد المعارضين، وترهيب الخصوم السياسيين قبل وصول هتلر للسلطة. وكانوا يرتدون الزي البني المميز. ولذلك كان يطلق عليهم أحيانًا "القمصان البنية".
3 ــ إس إس (شوتستستافيل) الفرقة الحامية، أو الحرس الشخصي. وكانت منظمة أكثر انضباطًا وتنظيمًا، بدأت كحراسة شخصية لهتلر، ثم تحولت إلى قوة الدولة الداخلية، وكانت مهمتها الإشراف على الأمن الداخلي والمخافر الخاصة بالمعارضين ومعسكرات الاعتقال، وتنفيذ سياسات الإبادة الجماعية أثناء الحرب. وكان أعضاء الفرقة يرتدون الزي الأسود، وكانوا رمزًا للرعب والنفوذ داخل النظام النازي.
(*) نُشرت هذه المقالة في (إن دي آر)، ويمكن قراءة المقالة الأصلية على الرابط التالي:
https://www.ndr.de/geschichte/chronologie/Wie-Hitlers-Halbbruder-in-Hamburg-untertauchte,hitler178.html

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.