}

حيث يتداخل علم النفس مع العلوم المعرفية والذكاء الإصطناعي

ديفيد كليف 26 نوفمبر 2025
ترجمات حيث يتداخل علم النفس مع العلوم المعرفية والذكاء الإصطناعي
مارغريت بودن (Getty)


ترجمة: لطفية الدليمي   
                             

في وداع مارغريت بودن

هل سمعتَ بأحد أوائل مختصّي العلوم المعرفية من الذين استكشفوا كيفية نشوء الوعي من التفاعلات الكيميائية الحيوية داخل الدماغ؟ سأخبرك القصّة.

مارغريت بودن Margeret Boden، التي توفّيَتْ مؤخّرًا، استكشفت ووسّعت فلسفة علم النفس والذكاء الاصطناعي، وقادت كلّ خطوات  إنشاء ونمو كلية العلوم المعرفية School of Cognitive Sciences بجامعة سسّكس Sussex University، وهي بوتقة متعددة التخصصات صاغت فيها مسيرة العديد من باحثي الذكاء الإصطناعي البارزين عالميًّا.

تمحورت أعمال مارغريت حول دراسة الظواهر العقلية، مثل: الإدراك Perception والتفكير Thinkikg والوعي Consciousness والإبداع Creativity، وكيفية نشوئها ممّا لا يعدو أن يكون تفاعلات آلية: إمّا تفاعلات كيميائية حيوية داخل الدماغ، أو أرقام ثنائية تتنقل في دوائر الحاسوب. ألّفتْ مارغريت 15 كتابًا، وشاركت في تأليف كتاب آخر، كما شاركت أيضًا في تحرير عدة مجموعات من المقالات. تُرجِمَتْ أعمالُها إلى 20 لغة.

نُقّح كتابها الأول "التفسير الهادف في علم النفس" Purposive Explanation in Psychology 1972، وتمّت توسعة نطاق موضوعه اعتمادًا على أطروحتها للدكتوراه Ph.D التي أعدّتها في جامعة هارفارد عام 1968. هناك طرحَتْ لأول مرة حُجّة جديدة مفادُها أنّ برامج الذكاء الإصطناعي يمكنُ اعتبارُها نوعًا من علم النفس النظري؛ الأمر الذي  يسمح بالدراسة الدقيقة للعمليات العقلية في الأنظمة غير الحيّة التجريدية، مع الهدف النهائي المتمثل في الكشف عن المبادئ التي يمكن أن تساعدنا على فهم المعالجة العقلية بشكل أفضل في الكائنات الحية الحقيقية.

رسّخ كتاب "الذكاء الاصطناعي والإنسان الطبيعي" Artificial Intelligence and Natural Man (1977) مكانة مارغريت كخبيرة في مجال الذكاء الإصطناعي. كان الكتاب مراجعةً وتحليلًا نقديًا متقنًا، مؤلفًا من 537 صفحة، لأغلب معطيات التقدم المُحْرَز في أبحاث الذكاء الإصطناعي حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، مُقدّمًا للقارئ بأسلوبٍ شيّق وغير تقني. يُشار إليه أحيانًا بأنه أول كتابٍ في العالم عن الذكاء الإصطناعي، والكتاب الآخر الوحيد الذي قد يُناقض هذا الادعاء ويضعه موضع المساءلة هو كتاب باتريك وينستون  Patrick Winston وعنوانه "الذكاء الاصطناعي"، الصادر في العام نفسه (1977). في الجزء الختامي من كتابها، استكشفت مارغريت مدى فائدة مختلف أنواع أنظمة الذكاء الإصطناعي في تعزيز فهمنا لعلم النفس البشري، وناقشت القضايا الفلسفية التي يثيرُها التقدمُ في مجال الذكاء الإصطناعي، وتأمّلتْ في الأهمية المجتمعية المُحتملة للإستخدام المُتزايد لتقنيات الذكاء الإصطناعي في مجالات تطبيقية مثل التعليم والقانون والرعاية الصحية، وفي الأعمال الإبداعية مثل تأليف الموسيقى أو كتابة القصائد - وهي جميعها موضوعات باتت معاصرة اليوم.

كانت مسألة الإبداع في الأنظمة الحية والإصطناعية موضوعًا عادت إليه مارغريت مرارًا وتكرارًا على مدار مسيرتها المهنية، موسّعَةً دراساتها وتحليلاتها النقدية البنّاءة في كتب نُشِرَتْ في أعوام 1990 و1994 و2010، ومرة ​​أخرى في كتاب "من الأصابع إلى الأرقام الثنائية: جمالية اصطناعية" From Fingers to Digits: An Artificial Aesthetic (2019)، الذي شاركت في تأليفه مع الفنان الرقمي إرنست إدموندز   Ernest Edmonds

تناولت كتب أخرى لمارغريت ملخصًا موجزًا ​​لأعمال عالم النفس السويسري جان بياجيه Jean Piaget (1979)، والعديد من الكتب حول الذكاء الإصطناعي كعلم نفس نظري، وحول النماذج الحاسوبية للعقل، وكتاب "فلسفة الذكاء الإصطناعي" The Philosophy of Artificial Intelligence (1990)، تلاه مجموعتها المُحَرّرة "فلسفة الحياة الإصطناعية"The Philosophy of Artificial Life  (1996)،  ومجموعتها الرائعة المكوّنة من مجلّدين "العقل كآلة: تاريخ العلوم المعرفية" Mind As Machine: A History of Cognitive Science 2006، والتي تمتد على ما يقرب من 1700 صفحة.

وكما أشارت مارغريت بصراحةٍ مُميزة في مقدمة كتابها "العقل كآلة"، فقد شرعت في كتابته كمقال تاريخي، لا كموسوعة، وأرادته أن يكون تمثلًا دقيقًا لوجهة نظرها الشخصية حول العلوم المعرفية كنسق معرفي واحد.

                                               *****



شرعت مارغريت في مسيرتها الأكاديمية عام 1959 مُحاضِرَةً في الفلسفة بجامعة برمنغهام. بعد أن قضت الفترة من 1962 إلى 1964 في الولايات المتحدة كزميلة هاركنس بجامعة هارفارد، انتقلت إلى جامعة سسّكس عام 1965 مُحاضِرةً في الفلسفة وعلم النفس، وأصبحت أستاذةً عام 1980، وهو المنصب الذي شغلته حتى عام 2002، عندما عُيّنت أستاذةً باحثةً في العلوم المعرفية، وهو اللقب الذي شغلته طوال حياتها.

في عام 1974، أطلقت مارغريت، وزميلها الفيلسوف آرون سلومان Aaron Sloman، وباحث الرؤية الحاسوبية ماكس كلويس Max Clowes، برنامج سسّكس للدراسات المعرفية CSP، وهو محاولة مبتكرة لجمع علماء النفس واللغويين والفلاسفة وباحثي الذكاء الإصطناعي للعمل معًا على "دراسة العقل". مع مرور الوقت، استقطبت وحدة CSP أكاديميين حرصوا على استكشاف أسئلة بحثية في حدود تخصّصاتهم، حيث تتقاطع مجالات خبرتهم مع تخصصات أخرى. 

مع حلول منتصف الثمانينيات (من القرن العشرين)، أصبح برنامج سسّكس للدراسات المعرفية CSP معروفًا على نطاق واسع كأحد المركزيْن الرئيسيين لأبحاث الذكاء الإصطناعي في المملكة المتحدة (المركز الآخر كان جامعة إدنبره). وبحلول ذلك الوقت كان برنامج سسّكس قد نما بشكل كبير حدّ أنّه أصبح في عام 1987 كلية العلوم المعرفية المستقلة المعروفة داخليًا "Cogs"، وهي أول كلية جديدة في سسّكس منذ إنشائها، وكانت مارغريت عميدتها المؤسِّسة.

صممت مارغريت على أن تواصل المدرسة الجديدة تقاليد مركز سسّكس للعلوم المعرفية، مع مجتمع شامل ومتعاون من الباحثين متعدّدي التخصصات. استوعبت الكلية لاحقًا قسم علوم الحاسوب في جامعة سسّكس، وأُعيدت تسميتُها (كلية العلوم المعرفية والحوسبة School of Cognitive and Computing Sciences). في عام 2003 قادت عملية إعادة تنظيم أخرى إلى تغيير اسم الكلية إلى (مركز سسّكس للعلوم المعرفية  Sussex Centre for Cognitive Science)، وهو ما لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا كمجموعة تضمُّ أكثر من 50 أكاديميًا ينتمون إلى تخصصات متنوّعة في كليات الجامعة الأربع.

انتُخبَتْ مارغريت زميلةً في الأكاديمية البريطانية عام 1983، وشغلت منصب نائب رئيس الأكاديمية خلال الفترة 1989-1991. في عام 1993 أصبحت زميلةً في الجمعية الأميركية للذكاء الإصطناعي، وفي عام 2001 مُنِحَتْ وسام الإمبراطورية البريطانية . (OBE) وفي عام 2017 حصلت مارغريت على جائزة ألِن نيويل Allen Newell من جمعية الآلات الحاسبة الأميركية ACM. أقام مركز ليفرهولم لمستقبل الذكاء Leverhulme Centre for the  Future of Intelligence التابع لجامعة كامبريدج وجامعة سسّكس محاضرات سنوية تكريمًا لها.

                                            *****

وُلدَتْ مارغريت في لندن، وكانت الطفلة الوحيدة الباقية على قيد الحياة لموظف حكومي، ليونارد بودن، وزوجته فيوليت (ني داوسون)، التي توفي طفلها الأول، كيث، وهو رضيع قبل ولادة مارغريت. من مدرسة مدينة لندن للبنات، التحقت مارغريت بكلية نيونهام Newnham College في كامبريدج، وتخرجّت عام 1958 بشهادة في العلوم الطبية بمرتبة الشرف الأولى، وهناك انطلق شغفها الدائم بالعقل والدماغ. اختارت مارغريت الدراسة في كامبريدج بدلًا من أكسفورد لأنها فضّلت ألوان كامبريدج الزرقاء الفاتحة!!.

خلال عطلاتها نشأ لديها شغفٌ طويل الأمد بجزر كوك Cook Islands، حيث كانت تقضي هناك ستة أسابيع سنويًا لما يقرب من 30 عامًا: أحبّت قرع الطبول والرقص، وكانت لفترة طويلة غواصة شغوفة. كما أصبحت باحثة بارعة في الحياة بجزيرة بولينيزيا الواقعة في المحيط الباسيفيكي (الهادي).

كانت مارغريت ذكية، شجاعة، متمردة على التقاليد، دافئة ومرحة، ذات شغف لا ينضب بالحوار والنقاش الفكري. كانت ترتدي اللون الأرجواني دائمًا تقريبًا، وتتزين بمجوهرات غير مألوفة، وكان اللون الأرجواني هو اللون السائد المستخدم في الكتيبات والتقارير الفنية وعباءات التخرّج الأكاديمية الرسمية في كلّ الكليات التي تولّت إدارتها.                               

أمضيتُ عقدًا من الزمن منذ عام 1987 في كلية الدراسات المعرفية والحوسبة، انضممت إليها كطالب دكتوراه وانتهى بي الأمر مُحاضِرًا فيها. كانت مارغريت داعمة للغاية؛ فقد وفّرت لي منصّة الانطلاق والصاروخ والوقود الذي مكّن المسارات الأكاديمية الناشئة من الإنطلاق. هذا، إلى جانب الحجج الثاقبة التي قدّمَتْها، سيبقى إرثها المهني الخالد.

تزوّجت مارغريت من الكاتب والناشر جون سبايرز John Spiers عام 1967، وانفصلا عام 1981. تركت وراءها ابنها، رسكين، وابنتها، جيهان، وأحفادها، بايرون، وأوسكار، ولوكاس، وألينا.

 

قائمة بالأعمال المنشورة لمارغريت بودن:

  • Purposive Explanation in Psychology (Harvard University Press, 1972)
  • Artificial Intelligence and Natural Man (1977/1987: 2nd edn., MIT Press)
  • Piaget (Fontana Modern Masters 1979; 2nd edn. HarperCollins, 1984)
  • The Case for a Cognitive Biology, with Susan Khin Zaw, 1980)
  • Minds and Mechanisms (Cornell University Press, 1981);
  • Computer Models of Mind: Computational approaches in theoretical psychology (Cambridge University Press, 1988)
  • Artificial Intelligence in Psychology: Interdisciplinary Essays (MIT Press, 1989)
  • The Philosophy of Artificial Intelligence, ed. (Oxford Readings in Philosophy, Oxford University Press, 1989/90)
  • The Creative Mind: Myths and Mechanisms (Weidenfeld/Abacus & Basic Books, 1990; 2nd edn. Routledge, 2004)
  • Dimensions of Creativity, ed. (MIT Press, 1994)
  • The Philosophy of Artificial Life, ed. (Oxford University Press, 1996)
  • Artificial Intelligence : Handbook of Perception and Cognition, 2nd Ed, (Academic Press Inc., 1996)
  • Mind As Machine: a History of Cognitive Science, (2 volumes )( Oxford University Press, 2006)
  • AI: Its Nature and Future (Oxford University Press, 2016)

الكتاب الأخير مترجم إلى العربية تحت عنوان "الذكاء الإصطناعي: مقدّمة موجزة جدًّا". الكتاب متاح للتحميل المجاني الرسمي المسموح به في موقع هنداوي. (المترجمة)

(*) ديفيد تي. كليف David T. Cliff: استاذ علم الحاسوب في جامعة بريستول البريطانية. يعمل مديرًا لمختبرات النظم الذكية Intelligent Systems في الجامعة. (المترجمة)

(**) الموضوع أعلاه منشور في صحيفة "الغارديان" البريطانية بتاريخ 1 آب/ أغسطس 2025. العنوان الأصلي للموضوع باللغة الإنكليزية هو:

Margaret Boden obituary

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.