قبل مائة عامٍ (20 نوفمبر/ تشرين الثاني من 1925)، ولدت مايا بليستسكايا، إحدى أشهر راقصات الباليه في التاريخ (توفيت في 2 مايو/ أيار 2015).
في هذه المناسبة، تحتفل الأوساط الفنية الروسية على أوسع نطاق: تقارير تلفزيونية، وأفلام وثائقية، وكتب جديدة. الأهمّ من بين كلّ تلك الفعاليات، حفلان أقيم أحدهما في قصر المؤتمرات في الكرملين، وآخر في مسرح البولشوي.
طوال حياتها، كانت مايا بليستسكايا تحبّ الاحتفال بالمناسبات، سواءٍ كانت سنوية، أو حتى نصف سنوية، وسواء كانت الذكرى تخصّ أمورًا حياتية، أو مهنيّة. علاوة على ذلك، كانت مايا تحبّ أن تشارك شخصيًا في تحضير الأمسيات، لتتوّج الحفل دائمًا بتقديم العروض الأولى لأعمالها، حتى الصغيرة منها. ستكون كل حفلة عظيمة بلا شكّ لا تشبه ما سبق وقدّمته: فزوجها، الموسيقار روديون شيدرين، يعرف تمامًا الهديّة التي عليه أن يقدّمها لزوجته بمناسبة عيد ميلادها، عروض الباليه! التي كان آخرها باليه مستوحاة من رائعة تشيخوف "السيدة والكلب"، التي قدمتها مايا عام 1985 وهي في الستين من عمرها، من تصميم موريس بيجار، مصمّم الرقصات الرئيس لعروضها الأولى والمتأخرة. استطاعت مايا بصعوبة بالغة حفظ لحن "البوليرو" (رقصة إسبانية) الذي ألّفه. وأعادت كتابته بما يتناسب وذوقها، وتمكنت، بعد معارك خاضتها مع المسؤولين من الوصول به إلى مسرح البولشوي بمناسبة مرور 35 على انطلاق مسيرتها الفنيّة. رضخ مصمم الرقصات، الذي لا يتهاون مع "الارتجال"، فكان أداء مايا يضاهي أفضل العروض الكلاسيكية. واصل بيجار العمل مع راقصة الباليه التي لا تعرف الاستسلام، ولكن فقط بتقديم عروضٍ خاصّة لها: "كوروزوكا"، (التي لم تعرض في روسيا)، و"إيسيدورو". في الواقع، توفيت بليستسكايا في خضم الاستعدادات للاحتفال بعيد ميلادها التسعين، بعد أن كتبت السيناريو، وأشرفت شخصيًا على الجانب الإبداعي للمشروع. بعد عشر سنواتٍ، اتضح أنّ هذه الاحتفالات التي لا تنسى لم تكن مبنية فقط على كاريزما راقصة الباليه العظيمة وحدها، بل أيضًا على إبداعها، وعلى طاقتها التي لا تنضب.
كان الحدث الرئيس لاحتفالات الذكرى المئوية لراقصة الباليه العالمية يفتقر إلى شيءٍ ما: فقد كان تقليديًا حتى في أدق التفاصيل. كُرِّس كلا العرضين للعلاقة الرومانسية والإبداعية بين الزوج الملحّن والزوجة راقصة الباليه. ولكن لم يعرض فيهما أي مقطع من إنتاجهما المشترك. ولم يفكّر أحدٌ حتى في إعادة بناء أيّ شيءٍ من اللقطات المصورة، وهي كثيرة للغاية. أطلق على حفل الكرملين "مايا.. جناح الحبّ"، بينما سمي حفل مسرح البولشوي ببساطة بـ"مايا وروديون". في كلا الحفلين، تجسّد الملحّن على خشبة المسرح. في حفل الكرملين، كان روديون شيدرين حاضرًا على خشبة المسرح بشكلٍ شبه دائم، وكان يجلس من حينٍ لآخر إلى البيانو ليربط بين فقرات الحفل. أمّا في مسرح البولشوي، فقد هيمنت على المشهد صورٌ للزوجين عرضت على شاشة ضخمة في الخلفية، وهنا لم يظهر المؤلف الموسيقي إلا مرةً واحدة.
قدّم مصمم الرقصات، باتريك دي بانا، ذو الشعر الرمادي، والمولود قبل ستة عقود، لأمٍّ ألمانية وأبٍ نيجيري، عرضه الجديد "إهداء إلى مايا وروديون" على أنغام "أداجيتو/ Adagietto" للموسيقار مالر، بمشاركة راقصة الباليه في مسرح البولشوي، إيفا سيرجينكوفا (22 عامًا). كانت الحكمة من هذا الأداجيو بخطوطه العربية التقليديّة جليًة، غير أنّ لمسات روديون شيدرين "الوقورة" على "مايا" الشابة المنعزلة روحيًّا لا تزال غامضةً، بل ربما أكثر من ذلك.
في كلا الحفلين، أدّت راقصات مختلفات أدوار مايا المميزة، وكان ذلك قرارًا كارثيًّا في حدّ ذاته. بالطبع، لم يشاهد أحدٌ من الحضور مايا بليستسكايا ترقص، ولكنّ لقطات الفيلم، وصور راقصة الباليه المعروضة في الخلفية، أعطت فكرة واضحة عن الفجوة الهائلة بين مايا بليستسكايا، وبين راقصات اليوم. الأمر لا يتعلق بالجسد وحده بالطبع، فراقصات اليوم يتمتعن بأقدامٍ أفضل، وخطواتٍ أطول، وسيقان أكثر بروزًا. تكمن المشكلة أنّ معظمهنّ لا يرقصن، بل يعملن، من دون أي متعة، أو براعة فنيّة ظاهرة. وهكذا، بدلًا من الأدوار، تظهر راقصات اليوم سلسلةً من العناصر، كان منها ما نفّذ بشكلٍ جيد، في حين نفّذ بعض آخر بشكلٍ سيء. في إمكاننا، على سبيل المثال، تفضيل الأميرة المسحورة أوديت/ أوكسانا كارداش، التي تشبه بارونة أرملة انحطت إلى مستوى متواضع من النبالة، على راقصة الباليه الرئيسية في مسرح البولشوي، إلينا كوفاليفا، التي بدت كفتاة ريفية في سنّ الزواج (كان هدف الغنج الذي أظهرته الراقصة يستهدف الجمهور، ولا يستهدف الأمير سيغفريد المستهتر الذي جسّده على المسرح الراقص ديميتري فيسكوبينكو). وقد يكون العكس صحيحًا، إذ يمكن أن تمثل رقصات كوفاليفا المزدوجة ميزة نتجاهل معها الجانب السلبي، والدورانات الكارثية بين يدي شريكها. على أيّة حال، لم يكن لهذه الإبداعات المصطنعة أيّ قواسم مشتركة تذكر المشاهد بفنّ الباليه.
كانت الأدوار الكلاسيكية، بما تحمله من إرثٍ طويل خلفته في الماضي راقصات بارزات، تثقل كاهل بليستسكايا نفسها، إذ كتبت لأخيها أرزاي ذات مرّة: "طوال حياتي، كنت منشغلة بتكرار أدوار لعبها الآخرون، واليوم لا أرغب في تكرارها من جديد".
على عكس مايا، التي طالما ابتكرت تفسيراتٍ فريدة لأدوار "الآخرين"، فإنّ راقصي اليوم، بنسخهم العملية لباليه "رايموند"، وللبجعات المحتضرات، و(كيتري من باليه دون كيشوت)، لا يخجلون إطلاقًا من "التكرار". بالطبع، هنالك مفاجآت: في حفل الكرملين، كانت رقصة كارمن الأصلية للراقصة آنا تيخوميروفا هي الأبرز، حيوية، وبسيطة، وجريئة، ولكنّها لا تضاهي إطلاقًا (كارمن) بأداء بليستسكايا. ومع ذلك، يبقى أداء تيخوميروفا حيويًا. وعلى الرغم من العيوب التي شابت تصميم الرقصات، فقد صمّمت جميعها خصيصًا للراقصين. في الكرملين، كانت باليه "مايا، جناح الحبّ" من تصميم إيكاترينا كريسانوفا، وفلاديسلاف لانتراتوف، الثنائي الوحيد في كلا الحفلين الذي تميّز بذات "الكيمياء" التي تسمح بتسمية أداجيو عادية كـ"ثنائي الحبّ". في مسرح البولشوي، تمّ تقديم العرض المصغّر "الروح" لبافيل جلوخوف بواسطة الراقصة ديانا فيشنيوفا، راقصة الباليه التي تعرف قيمة الحركة الخاطفة والقادرة على إعطاء أهميةٍ حتى لأبسط الخطوات على خشبة المسرح.


تحميل المقال التالي...