عام 1935، نشر الفيزيائي النمساوي إرفين شرودنغر مراجعة نقدية نوعًا ما من ثلاثة أجزاء لما أسماه "الوضع الحالي" لنظرية ميكانيكا الكم الحديثة نسبيًا. في معظمها، مراجعة شرودنغر، المكتوبة بالألمانية، جافة وتقنية، وليست من نوع الأشياء التي قد تستوقف أي شخص خارج عالم فيزياء الكم الأكاديمي الضيق. لكن، في فقرة واحدة قصيرة، مكتوبة بسخرية واضحة، أطلق شرودنغر العنان لتصوّر لا يزال، بعد تسعين سنة، يتردد صداه في الثقافة الشعبية. تتعلق هذه الفقرة بقطة شرودنغر التي تحمل اسمه. فكيف أصبحت مناقشة غامضة حول نظرية فيزيائية معقدة رياضيًا ومحيرة نوعًا ما مترسخة في الوعي العام بوصفها استكشافًا استثنائيًا للنفس البشرية؟ هذه المقالة تروي القصة.
هذا ما كتبه شرودنغر (وترجمه إلى الإنكليزية جون دي. تريمر):
"يمكن حتى ابتكار حالات سخيفة تمامًا. قطة تُحتجز في حجرة فولاذية، مع الجهاز الشيطاني التالي (الذي يجب أن يؤمَّن ضد أي تدخل مباشر من القطة): عداد غايغر يحتوي كمية قليلة من مادة مشعة، صغيرة للغاية بحيث إنه ربما خلال ساعة واحدة إحدى الذرات [المشعة] قد تتحلّل، لكن أيضًا، وباحتمال مساوٍ، قد لا تتحلل أي ذرة؛ إذا حدث ذلك، يفرّغ أنبوب العداد شحنته وعبر مرحلة كهربائية يطلق مطرقة تكسر قارورة صغيرة من حمض الهيدروسيانيك. إذا تركنا هذه المنظومة بأكملها من دون تدخل لمدة ساعة، يمكننا القول إن القطة لا تزال على قيد الحياة إذا لم تتحلل أي ذرة في هذه الأثناء. فالتحلل الذري الأول كان ليسمّمها. [دالة الموجة الكمومية] للمنظومة بأكملها تعبّر عن هذا بكونها تحتوي على القطة الحية والميتة (اعذروني على التعبير) مختلطتين أو منتشرتين بشكل متساوٍ".
لم تكن هذه سوى تجربة "فكرية"، لكن، مع هذا، كان مقدّرًا لمفارقة قطة شرودنغر أن تنضم إلى كلب بافلوف في مجموعة قصص حيوانات العلم الغرائبية.
لفهم ما كان يقصده شرودنغر، نحتاج إلى القيام بالقليل من تفريغ المحتويات. طبيعة "الجهاز الشيطاني" عند شرودنغر ليست مهمة في الحقيقة لمناقشته هذه. الغرض منها ببساطة هو تضخيم حدث على مستوى ذري - تحلّل ذرة مشعة- ورفعه إلى المستوى المألوف أكثر الذي يتضمن قطة حية، محبوسة داخل صندوق فولاذي. والنظرية التي تصف الأشياء والأحداث التي تحدث على مستوى الذرات والجزيئات دون الذرية مثل الإلكترونات هي ميكانيكا الكم. لكن، في هذه النظرية، الذرات والجزيئات دون الذرية لا توصف كأشياء صغيرة جدًا مستقلة بذاتها تتحرك عبر الفضاء. إنها بالأحرى توصف على أنها دالات موجة كمومية، وهو ما يلتقط جانبًا غريبًا تمامًا من سلوكها الملاحَظ. في ظل ظروف معينة، هذه الجزيئات قد تتصرف أيضًا كموجات.
لا يمكن لهذه السلوكيات المتعاكسة أن تكون أكثر وضوحًا، أو أكثر تنافرًا ظاهريًا. للجزيئات كتلة. إنها، بطبيعتها، "هنا": إنها ذات موقع محدد في الفضاء وتبقى ذات موقع محدد وهي تتحرك من هنا إلى هناك. ارمِ العديد من الجزيئات في فضاء صغير و، مثل دُحل (كرات زجاجية صغيرة)، سوف تتصادم، وترتد واحدتها عن الأخرى في اتجاهات مختلفة. الأمواج، من ناحية أخرى، تنتشر عبر الفضاء؛ إنها "غير محلية". أقحمها عبر شق ضيق وعندها، مثل أمواج في البحر تمر عبر فجوة في جدار ميناء، سوف تنتشر متجاوزة ذلك الشق. يسمّي الفيزيائيون هذا "الحيود". اجمع حزمة من الأمواج المختلفة وسوف تندمج لتشكّل ما يدعوه الفيزيائيون التراكب. تتجمع قمم وقعور الأمواج المختلفة كلها. عندما تلتقي القمة بالقمة، تكون النتيجة قمة أكبر. عندما يلتقي القعر بالقعر، تكون النتيجة قعرًا أعمق. وعندما تلتقي القمة بالقعر، يتضاءل كلاهما و، إذا صادف أن يكونا من ذات الارتفاع والعمق، يلغي كل منهما الآخر كليًا. يدعو الفيزيائيون هذا "التداخل".
بحلول عام 1935، كانت الصياغة الرياضية لميكانيكا الكم ناضجة نسبيًا، ومعترفًا بها من قبل معظم الفيزيائيين بوصفها كاملة. لكن النظرية لا تقول أين يُفترض بكل الغرابة الكمومية أن تتوقف. عندما تُطبّق على الذرة المشعة، تقول نظرية الكم إنه، بعد ساعة، تُمثَّل دالة موجة الذرة كمزيج متساوٍ - تراكب- من الذرات المتحللة وغير المتحللة.
يمكننا أن نختار التوقف هناك، لكننا نعلم أن التفاعل بين الذرة والجهاز الشيطاني يجب أيضًا أن يوصف باستخدام ميكانيكا الكم، على الأقل في مراحله الأولى. إذا اخترنا أن نأخذ النظرية حرفيًا، فإن توسيع نطاق معادلاتها لتشمل كامل الجهاز يعني أن دالة الموجة تتطور إلى تراكب ذرة متحللة وجهاز مفعّل، وذرة غير متحللة وجهاز غير مفعّل. في مراجعته، صاغ شرودنغر تعبير "التشابك" ليصف هذه الحالة. الذرة المشعة تصبح متشابكة مع الجهاز.
إذا وسّعنا نطاق هذا التشابك منطقيًا خارج الجهاز ليشمل القطة، سنصل، كما شرح شرودنغر، إلى دالة موجة، والتي هي تراكب ذرة متحللة، جهاز مفعّل وقطة ميتة، وذرة غير متحللة، جهاز غير مفعّل وقطة حية. القطة الحية والقطة الميتة بالتالي تظهران "مختلطتين أو منتشرتين بشكل متساوٍ".
إذًا، هل القطة ميتة أو حية؟ ما من طريقة لمعرفة ذلك قبل أن نفتح غطاء الصندوق وننظر. إذا التزمنا بنظرية الكم الموسعّة لتشمل القطة، من المفترض أنه عند نقطة فتحنا للغطاء "تنهار" دالة الموجة، ونجد أن القطة حية، أو ميتة. لكن ثمة مشكلة صغيرة هنا ذات عواقب كبيرة. في الصياغة الرياضية لميكانيكا الكم، لن نجد أي معادلة تصف هذا الانهيار. يُترك لنا افتراض أنه يحدث.
حسنًا، لكن هل يمكن لنا على الأقل أن نتنبأ بمصير القطة قبل أن نفتح الغطاء؟ نظرية الكم تقول: لا، لا نستطيع. ووفقًا للتفسير المعتمد، تراكب إمكانيتين يعكس الاحتمالات النسبية بالوصول إلى إحداهما أو الأخرى. لكن هذه الاحتمالات لا تُترجم إلى نتائج فعلية إلا عندما يُفترض أن دالة الموجة قد انهارت، عندما يتحول تراكب إمكانية والأخرى إلى فعلية أو الأخرى. ويبدو أن فعل النظر حرفيًا يقتل القطة، أو لا يفعل.
هذا أمر هام. إنه ليس شبيهًا برمي عملة "نزيهة"، والحصول على طرّة أو نقش باحتمال متساوٍ. فنحن لن نختار عادة أن نصف العملة على أنها تراكب طرات ونقوش بينما هي تدور في الهواء، رغم أنه من حيث المبدأ ما من شيء يمنعنا من فعل هذا. نحن لا نفعل هذا لأننا نعرف بالطبع أن كلا جانبي العملة يظلان من غير تغيير بينما نرميها في الهواء، وبينما هي تدور وتسقط على الأرض. لكن، ليست هذه طريقة عمل ميكانيكا الكم. ثمة اليوم العديد من التجارب الكمومية التي توضّح أن افتراض وجود أشياء مثل الذرات أو الإلكترونات بحالة ما قبل أن تُلاحظ يمكن أن يقود إلى تنبؤات تتعارض مع نظرية الكم ومع نتائج التجارب. ببساطة، لا يمكننا الاستغناء عن التراكب، أو الاحتمالات. نحن بحاجة إلى الغرابة.
رغم أن معظم الفيزيائيين على ما يبدو قد قبلوا المناقشة القائلة بأن ميكانيكا الكم تقدم نظرية كاملة للأشياء والأحداث الكمومية الفردية، كان ثمة بعض المعارضين الجديرين بالذكر. على سبيل المثال، لم يكن ألبرت أينشتاين يومًا مرتاحًا لتداعيات نظرية الكم على قانون السبب والنتيجة (قانون السببية)، واللجوء إلى الاحتمالات، معلنًا في جملته الشهيرة أن الله "لا يلعب النرد". وقد كان أينشتاين وزملاؤه في جامعة برينستون، بوريس بودولسكي وناثان روزن، قد نشروا عام 1935 ورقة بحثية مفصلية تناقش أنه لا يمكن اعتبار ميكانيكا الكم نظرية كاملة. كان ثمة شيء عميق ينقصها. ورغم اختلافهما على التفاصيل، تشاطر أينشتاين وشرودنغر قضية مشتركة، وقد ألهمت مراسلاتهما خلال صيف 1935 شرودنغر ليطور مفارقة القطة خاصته.
فهم شرودنغر أنه لا يمكن تحت أي ظرف اعتبار قطته حية وميتة في الآن ذاته. حسب رأيه، مفارقته كشفت العبثية الواضحة لنظرية الكم، وهي لم تفعل ذلك باقتراح أن "نظرية الكم تقول" إن تراكبًا يتألف من قطة حية وميتة هو إمكانية حقيقية، بل باقتراح أن ما لا تقوله نظرية الكم يمكن أن يؤدي إلى عبثية منطقية. وعلى ذلك ردّ أينشتاين: "... قطتك تظهر أننا متفقان تمامًا".
| |
| ثمة اليوم العديد من التجارب الكمومية التي توضّح أننا لا يمكننا الاستغناء عن التراكب، أو الاحتمالات (Getty) |
وهكذا حُسمت المسألة، مؤقتًا. اقتصرت مفارقة القطة على فقرة واحدة في مقالة مراجعة طويلة، ولم يكن لرأي شرودنغر المخالف تأثير يذكر على معظم الفيزيائيين، بمن فيهم أولئك الذين أمضوا زمنًا وهم يتأملون في معنى نظرية الكم. صمدت القطة في المراسلات بين أينشتاين وشرودنغر حتى بدايات الخمسينيات، وعادت إلى الظهور عام 1957، خلال مؤتمر للفيزيائيين والفلاسفة أقيم في بريستول، إنكلترا.
في مناقشة ظهرت في محاضر جلسات المؤتمر، بعث الفيزيائي الأميركي ديفيد بوم الحياة في قطة شرودنغر. وبحلول هذا الوقت، كانت المفارقة قد تطورت وصارت مبنية على فوتون واحد ("جسيم" ضوئي) يمرّ (أو لا يمرّ) عبر مرآة نصف عاكسة (أو "أحادية الاتجاه"). مثل الذرة المشعة، فرصة الفوتون بالعبور عبر المرآة أو الانعكاس عنها هي 50/50. ومرور الفوتون يفعّل آلية شيطانية تُقتل فيها القطة بمسدس.
ظهرت المفارقة مرة أخرى عام 1965، في مقالة للفيلسوف الأميركي هيلاري بُتنام حملت عنوان "فيلسوف ينظر في ميكانيكا الكم". الفوتون والمرآة نصف العاكسة بقيا، لكن الآلية الشيطانية باتت تتضمن صعق القطة بالتيار الكهربائي (أو عدم صعقها). وقد استنتج بُتنام أنه: "لا يوجد اليوم أي تفسير مُرضٍ لميكانيكا الكم".
ما حدث لاحقًا كان مذهلًا بالفعل. أثناء إجرائها بحثًا حول نظرية أينشتاين الخاصة عن النسبية لكتاب كانت تؤلفه في وقت ما من عام 1972، صادفت كاتبة الخيال العلمي الأميركية أورسولا لي غوين إشارة إلى قطة شرودنغر. وعلى حد تعبير الفيلسوف روبرت كريس في مقالة كتبها عام 2024، باتت لي غوين على الفور "مبهورة بحالات عدم التيقن المضمَّنة وأعجبت بالطبيعة المذهلة للصورة التي وضعها شرودنغر". لكن، لا يمكن أن نكون متأكدين من الأحداث والتوقيت الدقيقين، لأن لي غوين كانت تقرأ بشكل واسع جدًا لكنها لم تكن تدون ملاحظات بشكل منهجي، غير أن هذا هو "أفضل تخمين" لجولي فيليبس التي تعمل على كتابة سيرة ذاتية معتمدة للي غوين لتنشر في نيسان/ أبريل عام 2026. وبما أن شخصية هذه السيرة طلبت إليها أن "تنقذني من النسور" (النقاد والكتاب الذين قد يشوهون إرثها)، أجرت فيليبس عدة مقابلات معمقة مع لي غوين قبل وفاة الكاتبة عام 2018. واتفقتا أن تُنشر السيرة الذاتية بعد وفاة لي غوين.
في قصتها القصيرة "قطة شرودنغر" (1974)، تقدم لي غوين نسخة بوم من المفارقة التي تتضمن الفوتون، المرآة نصف العاكسة والمسدس. في حوار بين الراوي مجهول الاسم وكلب يدعى روفر، كتبت لي غوين:
"... لا يمكننا التنبؤ بسلوك الفوتون، وبالتالي، ما أن يسلكه، لا يمكننا التنبؤ بحالة المنظومة التي حدّدها ذلك. لا يمكننا التنبؤ بها! الله يلعب النرد مع العالم! لذلك يُوضَّح لنا على نحو جميل أنه إذا كنت ترغب باليقين، أي يقين، فعليك أن تخلقه بنفسك!"
"كيف؟"
"بفتح غطاء الصندوق، بالطبع،" قال روفر...
هنا، انفتحت الأبواب على مصراعيها. فمن هذه النقطة فصاعدًا، بدأت قطة شرودنغر تظهر بانتظام في الأدب. ليس الخيال العلمي فحسب، بل مجموعة واسعة من القصص القصيرة والروايات، الأفلام، المسرحيات، البرامج التلفزيونية، القصائد، والموسيقى. كما أن التطورات التي كانت تحدث في الفيزياء في بدايات الثمانينيات أثارت كذلك اهتمامًا متزايدًا بالكتب غير التخييلية الشعبية مثل كتاب جون غريبين "بحثًا عن قطة شرودنغر" (1984).
تكمن الجاذبية الثقافية للقطة في أسئلة الـ "ماذا لو" التي تثيرها. إنها تشجعنا على تأمل عواقب خياراتنا الإنسانية ذاتها. ماذا لو اخترنا ألا ننظر؟ وإذا لم ننظر، هل يمكن القول إن القطة موجودة قط؟ إن قرارنا بفتح الغطاء يشبه كثيرًا وقوفنا أمام مفترق طرق. نختار طريقًا. ومثل الشاعر الأميركي روبرت فروست، قد نختار الطريق الأقل ارتيادًا. لكن ماذا لو أخذنا الطريق الآخر؟ يقدّم فيلم "أبواب منزلقة" (1998) قصتين متوازيتين، تتكشف إحداهما عندما تفوّت هيلين كويلي (غوينيث بالترو) قطارها في مترو أنفاق لندن، وتتكشف الثانية عندما تتمكن من اللحاق به. تأخذ حياة كويلي منحى مختلفًا للغاية، وفقًا للحاقها بالأبواب المنزلقة للقطار قبل أن تغلق وتمكنها من صعوده أو لا. وأن تكون مثل "لحظة الأبواب المنزلقة" البسيطة تلك قادرة على تغيير مجرى مستقبلنا بشكل كبير هو أمر مقلق للغاية.
ثمة المزيد. كما لاحظت لي غوين ذاتها في قصتها القصيرة، يبدو أنه ليس ثمة شيء مميز في فعل فتح الغطاء، وميكانيكا الكم لا تتطرق إلى مسألة النقطة التي تتوقف عندها الغرابة في سلسلة الأحداث. كتبت لي غوين: "لكن لماذا يُرجع فتح الصندوق والنظر المنظومة إلى احتمال واحد، إما قطة حية أو قطة ميتة؟ لماذا لا نصبح جزءًا من المنظومة عندما نفتح غطاء الصندوق؟ ألا يمكن لنا أن نكون مثل القطة تمامًا، إنما محبوسين في صندوق أكبر بكثير ندعوه الواقع؟ وإذا كنا كذلك، من يقوم بفعل النظر؟ وماذا سيحدث عندما يفتح الغطاء؟
إذا لم يؤدِ فعل النظر داخل الصندوق إلى انهيار دالة موجة المنظومة، عندها منطقيًا يجب على الملاحظ أن يصبح بدوره متشابكًا في التراكب". "عندها"، كما كتبت لي غوين، "سننظر إلى قطة حية، و... ننظر إلى قطة ميتة". وإذا كنتَ أنت الشخص الذي يقوم بالنظر، سيكون هنالك عندها تراكب آخر يتضمن نسختين منك.
عند هذه النقطة، قد يكون مغريًا لنا أن نحاول الوصول إلى تفسير مختلف كليًا لميكانيكا الكم. إذا كانت الرياضيات لا تفسر انهيار دالة الموجة، لماذا نفترض أنه يحدث أساسًا؟ لماذا لا نفترض أنك، كما اقترحت لي غوين، تصبح متشابكًا مع المنظومة عندما تفتح الغطاء؟ فبما أنه ما من أحد قط اختبر الشعور الغريب بوجوده جنبًا إلى جنب مع نسخ متعددة من ذاته، تشهد كلها أحداثًا مختلفة، يمكننا كذلك أن نفترض أن فعل فتح الغطاء "يقسم" الكون إلى نسختين متوازيتين. في أحد الكونين، تلاحظ نسخة منك قطة ميتة. وفي الكون الآخر، تلاحظ نسخة أخرى منك قطة حية. وليس ثمة شعور غريب لأن هذين الكونين المختلفين تشعّبا، وأنت غير مدرك بتاتًا للنسخ الموازية الأخرى منك.
هذا هو ما يدعى تفسير "العوالم المتعددة"، الذي اقترحه الفيزيائي الأميركي هيو إيفرت الثالث عام 1957. إنه يمنحنا كونًا متعدد الإمكانيات المتوازية. والكون المتعدد يتيح مجموعة من الـ"ماذا لو" أوسع بكثير وأكثر تعقيدًا تتجاوز الأسئلة الثنائية من نوع حية/ ميتة المتعلقة بلحظة أبواب منزلقة. ماذا لو كانت نتائج خياراتك تتراكم عبر الوقت وتتواطأ لا لتغير ظروفك المستقبلية فحسب، بل شخصيتك برمتها؟
في كون متعدد من الاحتمالات، هل ثمة تعدد نسخ مختلفة جدًا منك تتصرف بطريقة مختلفة للغاية وتعيش حيوات مختلفة؟ ربما تكون في أحد هذه الأكوان إنسانًا وعطوفًا إنما متشردًا، وصلت بك الحال إلى حد التسول عند زوايا الشوارع. لكنك في كون آخر ملياردير في مجال التكنولوجيا يفتقر إلى التعاطف، ويهدد بتقويض النظام العالمي المتّبع. مثل تلك الأسئلة تستكشفها بطريقة مؤثرة للغاية رواية "المادة المظلمة" (2016) لبليك كراوتش التي تم تحويلها إلى عمل تلفزيوني وإذاعي السنة الماضية (2024) على منصة آبل تي في بلس (Apple TV+).
تغذّي نسخة الثقافة الشعبية من قطة شرودنغر رغبتنا البشرية الفطرية بالغموض وتجيز لنا ضروب تحليق جامحة في عالم الخيال تساعدنا على استكشاف ما يجعلنا "ما نحن عليه". واللافت للنظر أنها تزعم فعل هذه الأشياء باسم العلم، لأن هذا ما "تقوله نظرية الكم". فمن كان يعتقد أن الفيزياء يمكن أن تكون ممتعة إلى هذا الحد؟
للأسف، يتبنى معظم الفيزيائيين منظورًا أكثر رصانة. ففي العشرينيات والثلاثينيات، ظلت مشاكل التفسير هذه تزعج مؤسسي ميكانيكا الكم ووصلوا إلى حلول اعتبرها الكثيرون مرضية، رغم أن بعضهم (مثل أينشتاين وشرودنغر) اعتبروها غير مرضية على الإطلاق.
ما الذي يمثّله حقًا التراكب، أو بصورة أعم، دالة الموجة الكمومية؟ وفق أحد الآراء، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفيزيائي الدنماركي نيلز بور والمعروف عمومًا باسم "تفسير كوبنهاغن"، هذه مجرد أجهزة حسابية لا يجب أن تُؤخذ حرفيًا. إنها ليست حقيقية: إنها رمزية بحتة. فالتراكب ببساطة يمثّل ما نعرفه عن منظومة القطة في صندوق، ونستخدم معادلات ميكانيكا الكم لحساب احتمالات نتائج متوقعة عديدة.
بالتالي، عندما نتحدث عن كون القطة في حالة تراكب حياة وموت، لا يعني هذا أن القطة حرفيًا حية وميتة في الآن ذاته. في الحقيقة، نحن لا نعلم ما هي حالة القطة حقًا، ولا كيف نصف وضعها المادي الحقيقي، لأنه لا يمكننا أن نحدد على وجه اليقين متى ستتحلل الذرة المشعة، أو فيما إذا كان الفوتون سيمر عبر المرآة أو ينعكس عنها. لكن إذا مثلّنا هذه المنظومة كتراكب، سندرك أن بوسعنا وضع تنبؤات ستثبت أنها متسقة مع المعطيات التجريبية. معظم الفيزيائيين، على الأقل أولئك الذين يمكن أن يتكبدوا عناء التفكير بمثل هذه الأشياء، يتبنون هذا الرأي. وقد يكون هذا هو السبب في أنه قلما تتم دعوتهم إلى الحفلات.
في النتيجة، لا يهم أين بالضبط تتوقف الغرابة في سلسلة الأحداث التي نعلنها. لا يهم أين نضع "الحد الهايزنبيرغي"، المسمى على اسم الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبيرغ (المشهور بمبدأ عدم اليقين)، النقطة التي نتوقف عندها عن استخدام ميكانيكا الكم ونبدّل إلى نظريات فيزيائية مألوفة أكثر نُشرت قبل أكثر من 300 سنة من قبل إسحاق نيوتن. عند هذه النقطة نفترض أن دالة الموجة تنهار، ونستبدل بالـ "و" الخاصة بالتراكب الكمي الـ"أو" الخاصة بالنتائج الفعلية.
كان هايزنبيرغ عضوًا في مجموعة بور، رغم أنه في بعض تصريحاته حاد جوهريًا عن فلسفة بور. ومن وجهة نظره، لا يهم أين نختار وضع الحد. لكن القطة ليست ذرة مشعة، ولا فوتون. فمن الواضح أنها لا تنتمي إلى الحيز الكمومي، ومعادلات ميكانيكا الكم، حتى إن فُسّرت رمزيًا، لا يجب أن تطبّق عليها. هكذا، فضّل بور أن يضع الحد عند نقطة "فعل التضخيم غير القابل للعكس" المرتبط بالمراحل الأولى من الجهاز الشيطاني. وكوننا لا يمكن أن نكون محددين حيال أين ومتى بدقة تتوقف الغرابة في هذه العملية لا يدحض الخلاصة القائلة بأن هذا يحدث قبل وقت طويل من وصولنا إلى القطة.
ينهي شرودنغر مراجعته المكتوبة عام 1935 بالملاحظة القائلة:
"الإجراء البسيط المعتمد لهذا... قد لا يكون في آخر الأمر سوى خدعة حسابية ملائمة، لكنه إجراء بلغ اليوم، كما رأينا، مستوى غير مسبوق من التأثير على موقفنا الأساسي تجاه الطبيعة".
نحن أمام خيار. بوسعنا أن نفهم أن ميكانيكا الكم - بكل غرابتها- هي إطار رمزي بحت للتنبؤ بالنتائج المحتملة لتجاربنا. إنها في الواقع خدعة حسابية، لا يجب أن تؤخذ حرفيًا، وهي تتيح لنا بعض القدرة على فهم ما هو من دونها عالم ذري ودون ذري لا يسبر غوره.
أو يمكننا أن نفهم (مع أينشتاين وشرودنغر) أن نظرية الكم هي على أقل تقدير غير مكتملة، وغير مرضية إلى حد بعيد. بالتالي، يجب أن يكون بالإمكان وجود نظرية قادرة على سبر غور العالم الذري ودون الذري، إذا كانت لدينا الإرادة للبحث عنها، والفطنة لنجدها.
هذا مفترق طرق. فأي طريق ستختار؟
(*) جيم باغوت: كاتب علمي بريطاني (1957-). حاصل على دكتوراه في الفيزياء الكيميائية من جامعة أوكسفورد. يكتب في العلم، تاريخ العلم وفلسفته، وقد ألّف العديد من الكتب عن ميكانيكا الكم منها: "الواقع الكمي: البحث عن المعنى الحقيقي لميكانيكا الكم"(2020)، "قصة الكم: تاريخ في أربعين لحظة"، وآخر كتبه "الدراما الكمومية: من جدل بور وأينشتاين إلى لغز التشابك" (2024). حاصل على ميدالية مارلو من الجمعية الملكية للكيمياء عام 1989.
رابط النص الأصلي: https://aeon.co/essays/no-schrodingers-cat-is-not-alive-and-dead-at-the-same-time


تحميل المقال التالي...