}

حديث الضوء في تصاوير غراسيلا إيتوربيدي

أثير محمد علي 23 يوليه 2025
تغطيات حديث الضوء في تصاوير غراسيلا إيتوربيدي
غراسيلا إيتوربيدي

يقيم "البيت المكسيكي" في مدريد معرضًا يحمل عنوان "حينما يتحدث الضوء". ويضمّ الصور الفوتوغرافيّة الأكثر تمثيلًا للمصوّرة المكسيكيّة غراسيلا إيتوربيدي (1942-)، الحائزة على جائزة "أميرة أستورياس" للفنون (2025) التي تمنحها الحكومة الإسبانيّة.

بعد أن أنهَتْ إيتوربيدي دراسة الإخراج السينمائي، اشتغلت مع المخرج والمصوّر مانويل ألباريث برابو (1902-2002)، ورافقته في رحلات عملٍ تصويريّة في أرجاء المكسيك وأميركا اللاتينيّة. وإليه تدين بمعنى المعلّم في الفنّ والحياة. فبصحبته تعرّفت على حيثيات حقل الصورة، والصبر في أثناء انتظار اللحظة المواتية لالتقاطها، فضلًا عن الشعر المنبث فيها. الأمر الذي مارس تأثيرًا حاسمًا في احترافها التصوير الضوئي بالأبيض والأسود.

أنجزت إتوربيدي تعبيراتها الفنيّة في الفترة اللاحقة على قافلة الفنانات الشهيرات اللاتي عشنَ في المكسيك مثل كاتي هورنا، وتينا موديتي، وليونورا كارنغتون، وفريدا كالو... ولإرثهن تعود بعض الدلالات "السورياليّة" في صورها (مثل استخدام المرايا والحيوانات، وتأليف المناخات الحلميّة، والتقارب بين الهيئة البشريّة وتضاريس الأرض).

بدايةً، اقتفَتْ إيتوربيدي أثر جماعة الصيادين الرحّل في شمال غرب المكسيك، وعكست هويتهم الثقافيّة المتعشّقة بالبيئة الطبيعيّة، وأظهرت للعلن شعائرهم الدينيّة وتقاليدهم وعاداتهم الأنثروبولوجيّة. وسرعان ما نالت تصاويرها المكسيكيّة شهرة عالميّة، فدعيت للعمل في العديد من البلدان مثل كوبا وألمانيا والهند ومدغشقر والمجر وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية... إلخ.

في حقيقة الأمر، تتيح موشوريّة منجز إيتوربيدي، إجراء مقاربات وفق مناظير متنوعة، سواء من حيث "الصورة الشعريّة"، أو تقنيّة "النسبة الذهبيّة"، أو الأبعاد الجندريّة، أو موضوعة الموت، أو كيفيّة تجلي الكائنات الحيّة فيه، أو الأماكن التي التقطت فيها الصورة، وغيرها. ولكن السطور التالية ستركز على بعض المرتكزات في ممارستها الفنيّة.

يقيم "البيت المكسيكي" في مدريد معرضًا يحمل عنوان "حينما يتحدث الضوء". ويضمّ الصور الفوتوغرافيّة الأكثر تمثيلًا للمصوّرة المكسيكيّة غراسيلا إيتوربيدي 


اتسمت أعمال إيتوربيدي بشعريّة خاصة بها. فقد شدَّدت على الحضور المَخبوء الذي لا يُرى في الصورة، وعلى فلسفة التورية والمناورة الجماليّة التي تقوم على (الكشف- الحجب) و(السفور- التستّر). الأمر الذي جعل الباب مشرعًا على تعدد القراءات والتأويل. ولعل لصلاتها الحواريّة مع مانويل ألبريث برابو والشاعر أوكتافيو باث أثرٌ في ذلك، تحديدًا الحوار حول "الصورة الشعريّة"، أو "الشعر البصري".

إلى جانب التأكيد على مفردة إبداع إيتوربيدي، يقود التأمل في منجزها إلى القول بأنّها كانت تقيم بالتصوير سجالات غير مباشرة، مع مصورين عالميين من مقام الفرنسي هنري كارتييه بريسون، والمجري جوزيف كوديلكا، والبرازيلي سيباستاو سالغادو من بين آخرين. بيد أنّ ثمّة علامات في تصاويرها تشير إلى سجالٍ مع مواطنها الروائي والمصوّر خوان رولفو. بمعنى أنّ مجموعة الصور التي التقطها الكاتب المكسيكي، إضافة إلى روايته "بدرو بارامو" (التي تجوب أحداثها في مقامات الموتى)، تتبدى في الحفريات الأعمق لصور إيتوربيدي. وبمراجعة السيرة الذاتيّة لكلّ منهما، يُعثر على عروة وثقى بينهما. ففي عام 1978، عندما كان رولفو رئيسًا للأرشيف الاثنوغرافي في "المعهد الوطني للسكان الأصليين"، تم تعيين إيتوربيدي للعمل فيه، وطُلب منها أن تستمر بما كان قد بدأه رولفو من توثيق فضاءات المكسيك، خاصة السكان الأصليين، بالصورة الضوئيّة. ومعنى "الاستمرار" هنا، يدلّ على تقديم رؤية جماليّة فاعلة للمكونات الهوياتيّة، في مقابل هيمنة السرديات الاستعماريّة التي حصرت ما هو مكسيكي (التابع) في نمطيّة غرائبيّة جوهرانيّة، وجعلته يرضخ للقول المتعالي للنموذج الاستعماري. وعليه، انطلقت إيتوربيدي في رحلة الكشف، وقدمت رؤيتها للكون المكسيكي، كما أبصرته وتبصّرته، بكل تنوعاته، خاصةً "التابع"، الغائب والمغيّب. من هذا المنطق، يعتبر فعلها الفني مقاومة وتحرر من تصوّر النموذج الاستعماري، ومن المنطق الأكاديمي والفولكلوري السياحي كذلك.

من جانب آخر، بفعل الخصوصيّة المكسيكيّة، لم تصوّر إيتوربيدي الواقع المحلي، والاجتماعي، والعرقي العياني فقط، بل أوغلت كذلك في تصوير العوالم المحايثة له، سواء كانت غيبيّة أم فانتازيّة أم أخرويّة حتى عوالم الجنّ والمنامات والأموات الذين يحضرون في الحياة الدنيا حتى الدقائق اليوميّة. ومن الملاحظ أن ثمة إلحاحًا على موضوعة الموت في الكثير من تصاويرها. وبهذا الصدد تصرّح أنّها تتفق مع مقولة جان كوكتو "بأن التصوير الفوتوغرافي هو الوسيلة الوحيدة لقتل الموت"، إضافة إلى أنّها تعيش في بلد تقوم مكوناته الهوياتيّة على اللعب مع الموات والاحتفاء به في تفاصيل الحياة (هجست بتصوير تمثيلات الموت بالأقنعة، ومختلف التعابير القبريّة المكسيكيّة، وكذلك نعوش الأطفال الموتى...). لذلك يتعشّق في صورها الزمان السرمدي والمواقيت الدهريّة مع الأوان العابر والتوقيت اللحظي. من الواضح أنها تشترك كذلك مع خوان رولفو في هذه الرؤية وفي الكثير من الأمور الجماليّة الأخرى، مثل النظر إلى الصور على أنّها ذاكرة ثقافيّة، بل بمنزلة أرشيف بصري يحتفظ بحيوات الجماعات البشريّة، ويحرص على مواصلتهم التنفس في العمل الإبداعي، خاصة تلك المهددة بالزوال، أو تعاني كوارث الانقراض الثقافي والعنف المجتمعي. إلى كلّ ذلك، لم تغفل إيتوربيدي عن تصوير الحالات الفرديّة، فقد حرصت على إظهار ذاتيّة كل شخصيّة سلطَت عليها الضوء.

صور حمام فريدا كالو: تتبدى كما لو أنّها ذاكرة جسد الفنانة الراحلة


من جانب آخر، عمّقت إيتوربيدي البعد الجندري والدور الاجتماعي في مكوّنات صورها. فقد اهتمت بالنساء من وجهة نظر نسويّة، واقتربت من فضاءاتهن الإثنيّة الحميميّة. ورفضت النظر إليهن كضحايا وذوات سلب، وعملت على عكس كيانهن في الصورة كذواتٍ مقاومة وفاعلة في مجتمع ذكوري، بدون أن تفارق الجمالي آن تأسيس الصورة بأيّ حال من الأحوال. فبين عامي 1979 و1988 قامت بتصوير المجتمع الحضري في جنوب شرق المكسيك، وتحديدًا حضارة ثابوتيكا Zapoteca، التي تعتبر من أقدم الثقافات وأكثرها تقدمًا في المكسيك قبل وصول كريستوفر كولومبوس "للعالم الجديد"، ثم أضحت مركزًا لنضال الجماعات الأصليّة ضد تسلط المستعمر القديم. وعليه، تعقبت إيتوربيدي بالصور الدور الرئيسي الذي تلعبه المرأة كذات فاعلة في مجتمع خوتشيتان في ولاية أواكساكا، ورصدت احتفاظهن بأداء الأدوار الحيويّة المطرياركية، الاجتماعيّة الاقتصاديّة ما قبل الاستعماريّة، سواء في إدارة شؤون العائلة الماليّة أو مصاريف البلديّة (التجارة والقرارات الاقتصاديّة). حتى أنّ بعض ذكور هذا المجتمع يتنكرون بسيمياء أنثويّة، في إشارة منهم إلى هوية جندريّة في ثقافتهم المطرياركيّة الأمّ، زيادة على ذلك كي يتمكنوا من أداء الأدوار الحيويّة للجماعة. وأسفرت مجموعة تصاويرها هذه عن ألبومها الشهير "خوتشيان النساء" Juchián de las mujeres. كذلك تقصَّت إيتوربيدي الكيفيّة التي عمد فيها السكان الأصليون إلى إدراج تعابير دينيّة خاصة بكاثوليكيّة المستعمر الاسباني في طقوسهم، كفعل نجاة ومقاومة. بمعنى أنّهم جادلوا خطاب المستعمر بأدواته الثقافيّة الروحيّة في سبيل البقاء، فيما لو اعتمدنا هنا تنظير هومي بابا المعاصر. وعليه، ظهرت صور القديسات الكاثوليكيّات مكللات بهالات من العناصر والأحياء الطبيعيّة، أسوة بالبائعات الريفيات اللّاتي يحملن على رؤوسهن الكائنات الحيّة والفاكهة في طريقهن إلى السوق، الممنوع على الرجال على سبيل المثال. بمعنى أنّ عدستها تعاملت مع الشخصيّة الهامشية والمهمّشة، وصيّرت صورتها أيقونةً تتمتع بطاقة بصريّة، وقدرة على تحفيز التجربة الشعوريّة للمتلقي.

وفي عام 2004، بعد مرور نصف قرن على وفاة فريدا كالو (1907-1954)، دعيت لالتقاط شهادة بصريّة، والقيام بجلسات تصويريّة للحمامين اللذين يحتويان حاجيات الرسامة الشخصيّة في "البيت الأزرق". ومن المعلوم أنّ زوجها الفنان دييغو ريبيرا كان قد أوصى بإغلاقهما، وعدم الكشف عن محتوياتهما إلا بعد خمسين عامًا من الزمن. وانجلت سلسلة تصاويرها هذه عن ألبوم "حمام فريدا كالو" (2009).

إضافة لتوثيق فضاء استحمام الفنانة المكسيكيّة بصريًّا، قامت إيتوربيدي بفعلٍ تسجيليّ كونته من بواقي أشياء المرأة الراحلة: الأطراف الصناعيّة (بترت رجل فريدا في أواخر حياتها)، والمشدّات الحازِمة للجذع، الأربطة، والعكازات، والأدويّة، والحيوانات المحنطة، وملصقات ستالين (فريدا كما ريبيرا كانا من المعارضين لستالين لصالح نصرة تروتسكي فكريًّا). ومن خلال هذه المقتنيات الشخصيّة أقرّت إيتوربيدي بمعاناة مواطنتها الرسامة. فلم يكن ما وجدته في الحمّام محض تذكار، بل كان دالًا ماديًّا على مدلول المعاناة وفحوى المقاومة. إلى جانب ذلك، تسبر الصور القِيعان الحميميّة لفريدا، وتفتح باب الحمّام على احتمالات تعدّد قراءة وتأويل الأشياء المصوّرة. فقد تلاعبت إيتوربيدي على الحضور المرئي للشيء المادي الذي تصوّره، في الحين الذي لمّحت فيه إلى الحضور غير المادي المخفي، الذي يُحدس به. وعليه، يمكن القول إنّ طريقة تسجيل مقتنيات فضاء استحمام كالو، جعلت الصورة تُومئ إلى صورة ضمنيّة محجوبة، كذلك إلى صور أخرى خارجيّة تنبثق من الذهن... حسب ثقافة المشاهد البصريّة. وعليه من بين التداعيات الكثيرة التي تراود المخيلة، أقتصر على القول بأنّ صور حمام فريدا تتبدى كما لو أنّها ذاكرة جسد الفنانة الراحلة. ومن مقلب آخر، تذكّر الصور بسورياليّة لويس بونويل في فيلمه "تريستانا"، أو تستحضر في الذهن صور دمى الألماني هانس بيلمر التي تعدّ نقيضًا للنموذج المثالي الآري النازي، وهي التي، بالرغم من نقصها وتشوهاتها وأوصالها المقطعة، تنضح بالإثارة الشبقيّة.

بآلية مواربة، وفيما لو أخذنا بعين الاعتبار نظرية الفعل الأيقوني التي نظّر لها مؤرخ الفنّ هورست بريديكامب، فإن سلسلة صور حمام فريدا الأيقونيّة تشعّ بطاقة تدفع المشاهد إلى أن يركب ذهنيًّا وشعوريًا المقاومة الأنثويّة، وقدرة فريدا على جعل الجاذبيّة تنزّ من جسدها، رغم قول التشوه والمباعدة عن نموذج جسد الأنثى المثالي الكامل.

في الختام، لا بد من القول إنّ إيتوربيدي تعتبر نفسها شريكة للأشخاص الذين تصورهم بحبّ، وتتماهى مع أدوارهم في مساحة الصورة. وهي تفضّل التصوير بالأبيض والأسود، ولطالما اتفقت مع أوكتافيو باث الذي قال: "إنّ الواقع أكثر واقعيّة باللونين الأبيض والأسود". كما أنها ترفض التصنيف الذي يحصر منجزها الفني في توجه أكاديمي مغلق. وتشدد على أنّ الدافع الأساسي الذي يحفّزها لالتقاط الصورة هو الدهشة.

من أعمال الفنانة:



الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.