ولدت إستر يانسما (1958 - 2025) في أمستردام لأسرة فنية، لكن الموت سرق والدها مبكرًا في حادث مروّع وهي طفلة، ليصبح الفقدان لغتها الأولى. بدأت كتابة الشعر في سن الثانية عشرة من عمرها، ثم أغرمت بالفلسفة ودرستها قبل أن تتخصص في علم الآثار، لتصبح أستاذة لعلم تحديد أعمار الخشب في جامعة أوتريخت الهولندية. هذا التناقض الظاهري بين العلم والشِّعر سيكون جوهر تجربة إستر يانسما الشعرية والحياتية على حد سواء، هي التي تقول: "أحفر في الخشب لأجد حلقات الزمن/ وأحفر في الكلمات لأوقف الزمن".
لم يخسر المشهد الثقافي الهولندي برحيل إستر يانسما شاعرة استثنائية فحسب، بل خسر "نظامًا متكاملًا من اللغة والعلم والحكمة الإنسانية"، وفقًا للشاعر الهولندي بول ديمتس. ذلك لأن يانسما حملت ثلاث هويات في جسدها الضئيل، فكانت العالمة الأكاديمية المتخصصة، وكانت الأم التي دفنت طفلين وربت ابنة وحيدة، وكانت الشاعرة التي حوّلت حياتها في المختبر إلى عدد لا يحصى من القصائد. تقول عن موت ابنتها الرضيعة في إحدى قصائد مجموعتها الشعرية الثانية "زهرة، حجر" عام 1990: "هذه العظام الصغيرة التي لم تعرف الدفء/ صارت الآن متحفًا لعصر جليدي".
ولدت يانسما في أحد أحياء أمستردام العمالية في 24 كانون الأول/ ديسمبر 1958، وكانت ابنة لنحاتين هولنديين هما آدم يانسما ونيل فان ليث. عاشت طفولة محفوفة بالفقر والفن، حيث كانت التماثيل الطينية تطهى في الفرن نفسه مع الخبز اليومي. في السادسة من عمرها شهدت موت والدها بعد أن صدمته شاحنة وهو يعبر الشارع، هذه اللحظة التأسيسية ستلاحقها كشبح دائم في كل قصائدها. تقول في واحدة من مخطوطاتها المبكرة عام 1975: "الموت لا يأتي زائرًا/ إنه الجار الذي ينام في سريري/ ويأكل من صحني".
بعد موت الأب، عانت يانسما من سطوة أمها ونوبات جنونها وثوراتها، ولعل هذا هو السبب في أنها بدأت كتابة الشعر في سن مبكرة. تقول: "أردت أن أكتب شيئًا عن العالم، كنت أشعر أن ما أريد كتابته سيكون خطيرًا، لكنه سيكون جميلًا وعظيمًا أيضًا". درست يانسما الفلسفة أولًا، ثم تحوّلت إلى علم الآثار، وفي هذا التنقل بين التخصصات كمنت بذرة فلسفتها الشعرية. تقول: "علّمتني الفلسفة طرح الأسئلة، وعلّمني علم الآثار أن الإجابة قد تكون تحت أقدامنا مباشرة، بدون أن نراها".
ظهرت يانسما كشاعرة لأول مرة عام 1988، مع صدور مجموعتها الشعرية الأولى "صوت تحت سريري"، والتي حظيت بالإشادة النقدية لما تضمنته من "تنويعات شعرية غير مألوفة، عن أشياء نراها كل يوم بدون أن تلفت نظرنا"، وفقًا لما كتبه الناقد الهولندي كوين فيرخير. لم تكن قصائد هذه المجموعة تعويضًا عن فقدان الشاعرة المبكر لأبيها، بل مواجهة واعية مع الموت عبر أدوات علمية. تقول: "أبي يتحدث من تحت التراب/ كأنّ الموت مجرد غرفة أخرى"، وتقول في قصيدة "طبقات": "أحفر في ذاكرتي/ كأنني أمسح الغبار عن فخار/ كل شظية منه تكذّب رواية مختلفة".
قدّمت إستر يانسما في هذه المجموعة الشعرية الأولى ما يمكن تسميته بـ"الشعر الأركيولوجي"، حيث تصبح الذاكرة موقع تنقيب، والكلمات أدوات حفر. لكن المنعطف الحقيقي جاء مع مجموعتها الشعرية الثانية "زهرة، حجر" (1990)، والتي كتبتها بعد موت ابنتها الأولى في أثناء الولادة. هنا يتحول الحزن إلى مادة خام للفحص العلمي والشعري معًا. تقول: "الزهرة تذبل في يدي/ والحجر يخبئ دموع العصر الجوراسي". وفي قصيدة "شهادة وفاة"، تكتب: "يقول الطبيب: اختناق/ يقول العلم: توقف التنفس/ أما الشِّعر فيقول: لم تتعلّمين بعد كيف تتنفسين الزمن".
بهذا المعنى، احتلّ الموت والزوال جميع مجموعات يانسما الشعرية اللاحقة كموضوعين أساسيين. فبعد موت طفلتها الأولى عام 1988، سيطرت عليها حالة من الانعزال، لكنها واصلت دراستها للحصول على درجة الدكتوراه. تقول: "كان ذلك بالطبع نوعًا من الهروب، أصبحت مدمنة على العمل، تمامًا مثل زوجي الذي أصبح مهندسًا معماريًا في ذلك الوقت".
في عام 1993 توفي ابنهما الثاني البالغ من العمر تسعة أشهر بسبب خلل في الكروموسومات وعيب خلقي في القلب، وكأم شابة فقدت طفليها تباعًا، بدأت يانسما تغوص أكثر فأكثر في طفولتها الفقيرة والمحرومة من الحب، ليحتلّ طفلاها الميتان قصائدها القصيرة، كأنّ الشِّعر تحول إلى وسيلتها الوحيدة والأخيرة لإبقائهم على قيد الحياة.
ومن ثم سيطر شكل السيرة الذاتية على قصائد يانسما القصيرة، والتي خصصت الكثير منها للحديث عن فاجعتها في موت طفليها. نقرأ في إحداها متحدثة عن طفلتها الأولى التي ولدت ميتة: "آويها في أنسجة من الكلمات/ أريدها أن تتنفّس اللغة". لذلك رأى العديد من النقاد أن يانسما لم تكن تكتب عن الموت في هذه المجموعة الشعرية الثانية لها، بل من داخله، وهذا ما جعل بعضهم يصفها بأنها "أركيولوجية المشاعر". وكتب الناقد الهولندي مارتن مويسفات يقول: "يانسما لا تنعي ابنتها، بل تشرِّح فكرة الموت ذاتها".
في العقد الأخير من القرن العشرين، تحوّلت مآسي يانسما الشخصية إلى مادة شعرية مكثفة، ودخلت الشاعرة مرحلة غريبة كتبت فيها نصوصًا تخلط بين الواقعي والخرافي، ليصبح شعرها سجلًا أنثروبولوجيًا للألم. وتضمنت مجموعتها "دوامة الريح" (1993) قصيدة "الابن الذي لم أنجبه"، والتي أثارت عاصفة من الإعجاب حال نشرها. تقول في جزء منها: "كان وحشًا بفراء أبيض/ يعيش في قبو بيتنا/ عندما احتضنته للمرّة الأولى/ ضحك كالريح في أنابيب الصرف/ وأنا أتمنى لو يتوقف/ ها هو الآن يعيش في دولاب الملابس/ يأكل من ثيابي القديمة/ ويترك لي رسائل مكتوبة/ بأسنانه على أزرار القميص".
بعض النقاد رأوا في هذه القصيدة هروبًا من الواقع، بينما اعتبرها آخرون تجسيدًا لصراعها مع الذنب الأمومي، وأعمق تعبير عن الصدمة في موت طفليها. وكتب عالم النفس الهولندي كلاوس فان دِر فيين يقول: "يانسما تخلق كائنات أسطورية لتحتمي بها من الواقع، تمامًا كما يفعل الأطفال الذين يتعرضون للصدمات".
لكن تجربة يانسما الشعرية كانت على موعد آخر من العمق، الذي تجسد مع ظهور عملها "Picnic على الدرج الحلزوني" (1997)، وقد وصفته الشاعرة نفسها بأنه "رواية شعرية"، وقدمت فيه ثلاث شخصيات: الرأس رمزًا للعقل، الرومانسي (المتخيل)، والعجوز (الذاكرة)، في حوار فلسفي حول الزمن. تقول: "كم يدوم الأبد؟/ سأل الرومانسي/ الأبد يدوم إلى الأبد/ أجاب العجوز/ لكن من سيحسب؟/ تساءل الرأس". هذا المقطع الشعري أصبح يُدرّس في كليات الفلسفة كتعبير عن "النسبية الشعرية".
مع مطلع الألفية الثالثة، كانت يانسما قد أتمّت تحوّلها من شاعرة واعدة إلى صوت مميز في الشعر الهولندي. قدّمت في مجموعتها "ها هو الزمن" (1998)، والتي فازت بجائزة VSB الشعرية المرموقة، مفهومًا جديدًا للزمن في الشعر الهولندي. تقول في قصيدة "أركيولوجيا": "إذا كنّا لا نستطيع حفظ أنفسنا إلّا في الحاضر/ فلنخترع أنفسنا كل يوم/ بملابس مختلفة/ هذه الجوارب تعود إلى عام الحزن/ تلك القبعة من أيام الجنون/ وأنا الآن أرتدي ثوبًا من الضوء/ صنعته خصيصًا لهذا الصباح"، وفي مقطع آخر تقول: "الوقت لا يمر/ نحن من نعبره". وعلقت الناقدة مارجوت فيخمان على هذا المقطع قائلة: "يانسما تكتب بالضدّ من الخطّ الزمني الكوني، كأنها تصلح الزمن بكلماتها". أما الناقد الهولندي ريمكو إيكرس فكتب: "يانسما تمسك بتلابيب الزمن وتقلّبه بين أصابعها كما لو كان قطعة خشب قديمة، تبحث عن حلقاته المفقودة".
نشرت إستر يانسما 11 مجموعة شعرية وعددًا من الكتب في المقالة والمسرح والرواية، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، قبل شهرين من رحيلها، مُنحت وسام "الأسد" الهولندي برتبة فارس لمساهمتها القيّمة في الأدب والعلم. لذلك ينظر اليوم إلى تجربة يانسما بوصفها جسرًا بين التخصصات، فتُدرس قصائدها في كليات العلوم كمثال على تبسيط المفاهيم العلمية، فيما تُحلّل أبحاثها العلمية كشكل من أشكال الكتابة الإبداعية في كليات الآداب. وربما تكمن أهمية إستر يانسما الحقيقية في أنها لم تختَر بين أن تكون عالمة أو شاعرة، بل جعلت من هذا التناقض مصدرًا لإبداع جديد على الشِّعر نفسه. تقول في واحدة من آخر قصائدها: "كل شيء يختفي/ إلّا ما تخطّه اليد/ حين ترتعش من البرد/ تكون هذه الكلمات هي آخر ما سأفقده/ وأول ما تجده يدي".
في آخر مجموعاتها الشعرية "يجب أن نستمر ربما في التفكير" (2024)، والتي وصفتها هي نفسها بأنها "القطعة الأخيرة من مجمل أعمالي، مخيفة ومحفوفة بالمخاطر"، كتبت يانسما وهي تعرف أن الموت قادم، لذلك بدت المجموعة كما لو كانت وصيتها الشعرية، حيث تخلّت فيها عن كل الزخارف اللغوية، لتبقى الكلمات عارية. تكتب في قصيدة "العلاج الكيميائي": "علّمني السرطان/ أن الخلايا تموت بصمت/ لكن الكلمات تموت بصوت أعلى/ هذه القصيدة صرخة/ في سلّم موسيقي/ لا يسمعه أحد"، وتقول في أخرى: "القصائد تعرف أكثر من صانعيها/ هي أنظمة إنذار مبكر للروح".


تحميل المقال التالي...