}

العلمانية ليست هوية

أوليفييه آبل 29 يوليه 2025
ترجمات العلمانية ليست هوية
طرد الدين من المدارس بعد قانون العلمانية بفرنسا (1905,Getty)

 

ترجمة: إسكندر حبش


تُعتبر العلمانية (اللائكية) –التي كان الهدف منها تنظيم تعددية الأديان والمعتقدات (*)– وبشكل متزايد، الأساس النهائي للهوية الفرنسية. من هنا، أصبحت هذه العلمانية الجديدة سلاحًا لإقصاء بعض الأديان، مقترنةً في ذلك، بأداة لتوحيد معايير المجتمع المدني. هذه هي "الفرضية المقلقة" التي نجدها في مقالة المفكر أوليفييه آبل [1]، المتخصص في بول ريكور، والذي يرى أن العلمانية لا ينبغي أن تكون نفيًا للاختلافات، بل على العكس، مبدأ للحياة يسمح في التعايش بين تعددية البشر وتقاليدهم ومعتقداتهم.

***

لم تعد العلمانية كما كانت! بالاستماع إلى كلام بعض الوزراء، الذين يريدون استعادة السيطرة على ما يسمونه "محمول العلمانية"، يتراءى لنا أنها أصبحت آلة إقصاء. من جهة، لإقصاء المحاورين الذين نريد تشويه سمعتهم من الساحة السياسية، باتهامهم بـ"الهويتيين [2] اليمينيين المتطرفين"، ولماذا لا يكونون "جماعيين [3] إسلاميين - بيئيين"؟ ومن جهة أخرى، لإذلال مختلف التقاليد والطوائف الدينية وقمعها من المجتمع المدني. المفارقة هي أن أصحاب هذه التصريحات هم أنفسهم من يعيدون تعريف العلمانية بأنها الهوية الفرنسية. في زمن حركة "العمل الفرنسي" [4]، جعل الملحد شارل موراس الكاثوليكية الهوية الحصرية لفرنسا: اليوم، حلّت العلمانية، سرّا، محلها كما في وظيفتها!

بيد أن العلمانية ليست هوية، ووظيفتها ليست الإقصاء. إنها تُجيب على سؤال صعب آخر: كيف نبني وحدةً مع الكثرة، من دون سحق هذه الكثرة أو تفكيك الواحد؟ العلمانية دائرةٌ متعددة، تدور حول مركزٍ فارغ. إنها ليست الركيزةَ الأحاديةَ لهوية الأمة، ولا أداةً للتحكم في النفوس وتشكيلها. ليس هدفها حصر الأديان في أعماق المواطنين. إن قول "لك أن تؤمن بما تشاء في منزلك، لكن لا تُعبّر عنه في الأماكن العامة" هو بالضبط ما قالته دولة لويس الرابع عشر المطلقة عندما سعت إلى تبني ديانات لا تتوافق مع العقيدة الملكية. يجب أن نضع هذا في اعتبارنا: كان البروتستانت يُمثلون ما يصل إلى ثلث سكان فرنسا، ولم تُصبح فرنسا دولة قومية إلا باضطهادهم ثم طردهم في النهاية (يُذكّر جول ميشليه بهذا في كتابه العظيم "تاريخ فرنسا"، الذي مهد الطريق بدقة لقانون عام 1905).

إنكار حرية الضمير، ومنع التعبير عن المعتقدات ومشاركة الأفكار بحرية، هو ما عارضته [حركة] التنوير في البداية. لنستمع إلى كانط: "يُقال إن حرية الكلام أو الكتابة قد تسلبنا من قوة عليّا، لكن حرية التفكير لا تسلبنا". لكن هل كنا سنفكر كثيرًا، ونحسن التفكير، لو لم نفكر، إن صح التعبير، على نحو مشترك مع الآخرين الذين يشاركوننا أفكارهم وننقل إليهم أفكارنا؟ وبالمثل، يمكن القول إن هذه القوة الخارجية التي تسلب البشر حرية التعبير عن أفكارهم علنًا تسلبهم أيضًا حرية التفكير. واليوم، يُزعم أن الدين شأن خاص: كل ما بذله عصر التنوير من جهد للتفكير في استقلالية المجتمع المدني بحاجة إلى إعادة نظر!

مع قانون عام 1905، اعتقدت الجمهورية أنها انفصلت عن هذا النموذج الملكي. لكن يبدو أننا نعود إليه. في هذا "اللاهوت السياسي" العمودي، حلّت الأمة مكان الله، ولكن من دون تغيير بنيتها. نشعر بالذعر عند أدنى هجوم على رسوخ الجسد الاجتماعي، الذي كان يُعبّر عنه سابقًا بالجسد المقدس للدين الملكي، والذي حلمنا به اليوم في لحظات المناولة، أو الذي تجلى في أمر "كن شارلي" [5]. ننسى أن الطلاق ممكن دائمًا في الديمقراطية: فنحن نبقى معًا ليس بدافع الالتزام، بل بتحالف حرّ، بعهد. ولأننا نستطيع فكّ قيودنا، والانفصال عن المساحة المشتركة، نستطيع أن نلزم أنفسنا بحرية. وقد حاول قانون عام 1905 تصوير هذا العهد، على الأقل كأفق حكيم للتوقع.

بول ريكور: "العلمانية تُعرّف بجودة النقاش العام، أي بالاعتراف المتبادل بحق التعبير عن الرأي؛ بل وأكثر من ذلك، بقبول حجج الآخرين"

 
لا شك في أن المشهد قد تغير منذ صياغة "الميثاق العلماني" عام 1905. أصبحت فرنسا مجتمعًا للمهاجرين، وهناك فجوة هائلة بين صورتها الذاتية وواقعها. ولذلك، يجب عليها تغيير نظامها التاريخي كما نظامها في التعايش. هذا أمرٌ دقيقٌ للغاية: يجب أن يُفسح في المجال لتنوع الذكريات، حتى ذكريات الأقليات، مع ضمان أن تُدرك الأغلبية (لنفترض أنها ما بعد الكاثوليكية بشكلٍ عام) نفسها في سردٍ مشترك لا يقتصر على بعض العبارات المبتذلة أو على ليبراليةٍ مُفرطةٍ في الآراء. يحتاج المجتمع، لكي يبقى على قيد الحياة بشكلٍ مستدامٍ إلى حدّ ما، إلى أن يروي لنفسه قصةً معقولة، وأن يتكامل من خلال نسيجٍ مشتركٍ من التجارب الماضية، ومن خلال نسيجٍ من التوقعات لمستقبلٍ مشترك.

كيف يُمكننا إعادة صياغة هذه الرواية المشتركة؟ في مواجهة مفهومٍ مُوحَّدّ للهوية الفرنسية، دعونا نُكرِّر أن حضارتنا لا تنبع من مصدرٍ واحد، بل من جميع "العلوم الإنسانية" والتقاليد واللغات والآداب التي امتزجت بها، من الفكر اليوناني والكتابات التوراتية، والتقاليد السلتية، والمؤسسات الرومانية والحياة الرهبانية، وعصر النهضة والإصلاح الديني، والباروك والتنوير والرومانسية، والتقاليد الجمهورية والاشتراكية، ولكن بالطبع أيضًا من التقاليد الناتجة عن موجات الهجرة التي أعقبت الحقبة الاستعمارية، والتقاليد المختلطة الرائعة القادمة من الخارج. فهذه التقاليد، مجتمعةً، تحمل وعودًا لم تُحقق.

في الماضي، بدا إيمانويل ماكرون الأقرب إلى ما أسماه ريكور في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان" بـ"الذاكرة الصحيحة" وكرم الضيافة السردية المتبادلة للذكريات: "لم يكن المشروع الوطني الفرنسي يومًا مشروعًا مغلقًا [...] ولهذا قلتُ إنه لا وجود للثقافة الفرنسية: لم تُبنَ قط في السعي الوهمي وراء جذور شعبية تُعرّف الثقافة الوطنية [...]، بل في الانفتاح على كلّ ما هو أفق واسع، وفي مواجهة مع الآخر. تترك الثقافة الفرنسية مساحةً هائلةً للآخر، وهذا ما يجعلها غنيةً للغاية: إنها في جوهرها ثقافة حوار، وترحيب، وفهم للعالم. الثقافة الفرنسية واحدة لأنها متنوعة، كما هو تاريخنا" (إيمانويل ماكرون، مقابلة في مجلة "التاريخ"، 2017).

كان بول ريكور يرى إن العلمانية تعني أمرين في آنٍ واحد، ويجب التفكير فيهما في آنٍ واحد. من جهة، الحياد "الأغنوسي" للدولة، بلا دين، الذي يمنع أي تقليد، حتى لو كان أغلبيًا، من ادّعاء تمثيل الهوية الفرنسية أو فرض "قانونه". إنها علمانيةٌ صارمةٌ في الامتناع، على المستوى الرأسي للدولة والفضاء الديمقراطي المُشكَّل حول مركزٍ فارغ. ومن ناحية أخرى، التعددية المُعترف بها في المجتمع المدني: هنا، كما قال، "يبدو لي أن العلمانية تُعرّف بجودة النقاش العام، أي بالاعتراف المتبادل بحق التعبير عن الرأي؛ بل وأكثر من ذلك، بقبول حجج الآخرين [...] فالمجتمع التعددي لا يقوم فقط على التوافق بالتداخل، وهو أمر ضروري للتماسك الاجتماعي، بل على قبول حقيقة وجود خلافات لا تُحل". هذا ما يُسميه "العلمانية المواجهة"، على المستوى الأفقي للمجتمع المدني.

في الختام، وبدون خوف من الحديث عمّا يُزعجني، لا أنكر وجود خيانة حقيقية لفرنسا لدى بعض الأوساط الإسلامية (ولكن ليس وحدها بالتأكيد)، تستدعي التعامل معها بصرامة. أقصد أولئك الذين انفصلوا، ولكن بخضوع لطاعات أخرى، وبدون السعي لتجديد عهد الولاء هنا. كما نود أن تتحلى العديد من الدول التي تُعلن إسلام الدولة وتنتقد فرنسا بالنزاهة لمنح أقلياتها الحريات التي يتمتع بها المسلمون هنا. لهذا السبب، عندما تردّ الحكومة، في ستراسبورغ، على تمويل مسجد ميلي غوروش الضخم (كاتدرائية عثمانية إمبراطورية حقيقية ستسحق الإسلام الألزاسي حرفيًا)، فإنّ دورها يقع ضمن نطاق مسؤوليتها. لكن رفضنا لمزيد من التنوع الاجتماعي، وعجزنا عن "التعاون" مع جميع الموجودين هناك، وطريقتنا في قمع الدين خارج المجال العام النقدي، يُشجّع على الانزواء الطائفي الذي نرغب في منعه.

وهكذا، بجعل العلمانية هوية، نفقد حياد الدولة، حيث نمهد الطريق للواجب المدني الدستوري، وتعددية المجتمع المدني، التي تتجلى تحديدًا من خلال نقل الثقافات النابضة بالحياة وإبداعها. هذان هما محورا العلمانية، وفقًا لريكور. باختصار، لقد أفرغنا العلمانية من معناها. ولهذا السبب يبدو أن العهد العلماني القديم، الذي كنّا متمسكين به بشدّة، على وشك الانهيار. كيف لنا أن نبقى معًا ونعود معًا، في حين أنه يمكن لنا أن ننفصل ونفترق؟ نعم، إن مسألة الانفصال هي بالفعل السؤال المشترك المطروح علينا جميعًا.

 

هوامش:

(*) نُشرت هذه المقالة في نيسان/ أبريل 2021 في مجلة L’Obs تحت عنوان "العلمانية ليست هوية، وليس لها وظيفة الإقصاء".

[1] أوليفييه آبل، من مواليد 15 أيار/ مايو 1953 في تولوز، هو فيلسوف فرنسي وأستاذ فخري للفلسفة والأخلاق في كلية اللاهوت البروتستانتي في مونبلييه.
[2] من هوية، والمقصود هنا أنصار فكرة الهوية.
[3] من جماعة.
[4]  l’Action française حركة "العمل الفرنسي"، حركة فكرية وسياسية يمينية متطرفة وقومية وملكية. تأسست في عام 1899، في ذروة قضية درايفوس، على يد هنري فوجوا وموريس بوجو بهدف إجراء إصلاح فكري للقومية. وقد نشأت في الأصل على أساس قومية جمهورية مناهضة لدرايفوس، وسرعان ما أصبحت ملكية بتأثير شارل موراس ومذهبه القومي المتكامل. خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، كانت الحركة من أشدّ حركات اليمين المتطرف ضراوة ضد الجمهورية الثالثة، وشاركت في أزمة 6 شباط/ فبراير 1934. وقد أدى إدانة الكنيسة الكاثوليكية المؤقتة لها بين عامي 1927 و1939 إلى تراجع أتباعها، مما ساهم في توسع حركات أخرى. بعد هزيمة عام 1940، انضمت حركة العمل الفرنسي إلى الثورة الوطنية التي قادها المارشال بيتان، متبعةً موقف "فرنسا وحدها". وقد أضعف استمرار معاداة السامية من قِبَل الدولة خلال فترة الاحتلال، والدعم الثابت للمارشال بيتان، الحركة خلال الحرب العالمية الثانية.

[5] في إشارة الى أحداث مجلة "شارلي إبدو" وما تبعها.

 

مقالات اخرى للكاتب

ترجمات
29 يوليه 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.