}

هل يمكن للكتابة بدون إصدار أحكام أن تكون عظيمة؟

جوزيف إبستاين 9 يوليه 2025
ترجمات هل يمكن للكتابة بدون إصدار أحكام أن تكون عظيمة؟
تشيخوف
ترجمة: سارة حبيب

 

وأنا أقرأ في كتاب "حقائق قديمة وكليشيهات جديدة"، وهو مجموعة نشرت حديثًا من مقالات ومحاضرات الكاتب إسحاق باشيفيس سينغر، مررتُ بفكرة سينغر الاستثنائية القائلة بأن الناس الموهوبين "لا يمكن أن يكونوا ملحدين لسبب بسيط هو أنهم بحكم طبيعتهم ذاتها يجب أن يشتبكوا مع القوى العليا. قد يذمون الله، لكن ليس بوسعهم أن ينكروا الله". كذلك، في مكان آخر من الكتاب، يشير سينغر إلى أن "الله كاتب، ونحن الشخصيات والقرّاء في الآن ذاته"، وأن "الخوف من الموت ليس إلا خوفًا من الاضطرار إلى إغلاق كتاب الله". ويضيف أنه، إذا كان الله فنانًا، "فإنه ليس حداثويًا".

إن تقسيم الفنانين إلى أولئك الذين يؤمنون بالله وأولئك الذين لا يفعلون يقترح تقسيمًا آخر من تلك التقسيمات الثنائية بين الفنانين، الكتّاب على وجه الخصوص، متل تلك التي تفرّق بين البيض والهنود الحمر، الثعالب والقنافذ (كطريقتي تفكير)، الواقعيين والرمزيين، وغيرها. وبقدر ما هي التعميمات فضفاضة وخطيرة، فإن تعميم "الناس الموهوبون لا يمكن أن يكونوا ملحدين" يدق الجرس على نحو مدوٍ. لكن، ما مدى نسبة الحقيقة فيه؟ هل صحيح أن الفنانين العظماء لم يكونوا ملحدين قط؟ وكيف بوسعنا أن نحدّد إذا كان الأمر كذلك أم لا؟ ففي آخر الأمر، الكتّاب المتوفون لا يمكن أن يكونوا جزءًا من استطلاع حول مسألة معتقداتهم. كما أنه من غير المرجح أن يكون الكتّاب الأحياء تواقين لكشف أنفسهم فيما يتعلق بسؤال شخصي للغاية مثل هذا. كل ما يمكننا فعله هو أن نراجع أعمالهم، باحثين عن أيّ أثر للإيمان بالله عليها.

بوسعنا، بالطبع، تبديدُ تعميمِ سينغر بالإشارة إلى عدد من الكتّاب المتفوقين الذين أعلنوا إلحادهم أو حتى لا أدريتهم الشديدة. لكن أيًا من أولئك الذين أعلنوا إلحادهم في السنوات الأخيرة - ريتشارد دوكنز، سام هاريس، دانيال دينيت، كريستوفر هيتشنز- لم يكن كاتبًا إبداعيًا. فولتير، ديدرو، والكتّاب الآخرون من عصر التنوير حاولوا بشكل مباشر التخلص من الدين في كتاباتهم، لكن لم يكن أيٌّ منهم فنانًا متفوقًا. هل كان فلوبير ملحدًا؟ هل كان إميل زولا؟ هل كان سنكلير لويس؟ لا يمكنني القول على وجه اليقين. كل ما بوسعي قوله هو أنه لا يبدو أن الله، أو وجود قوة عليا، قد لعب دورًا كبيرًا في رواياتهم.

بقوله "الإيمان بالله"، لم يكن في ذهن سينغر بالضرورة الله الموصوف في الأعمال الدينية النمطية الخاصة باليهودية، المسيحية، الإسلام، البوذية. إيمانه الخاص، كما يصوّره في مقالة أخرى له، "لماذا أكتب كما أكتب"، كان بإله غير ذي وحي. وعن دينه، يكتب ما يلي:

"لقد جمعتُ، بطريقة غريبة، بين الوصايا العشر، الفلسفة الهيومية، الكتابة القابالية للحاخام موسى من قرطبة والقديس إسحاق لوريا، بالإضافة إلى الإيمان بالقوى الخفية عند فلاماريون، السير أوليفر لودج، والسير وليام كروكس". لكنْ، عندها، لم يكن ثمة أي شيء متعلق بالتمسك بالأعراف عند إسحاق باشيفيس سينغر. عند سؤاله إذا كان كونه نباتيًا قد أهّله ليكون ملتزمًا بالكوشر (الأطعمة الحلال حسب الشريعة اليهودية)، أجاب بأنه لم يصبح نباتيًا لأسباب دينية أو لينقذ نفسه بل لينقذ الدجاج. وعند سؤاله إن كان يؤمن بالإرادة الحرة، أجاب: "بالطبع أؤمن بالإرادة الحرة. أي خيار لديّ؟".

فكرة سينغر الاستثنائية القائلة بأن الناس الموهوبين "لا يمكن أن يكونوا ملحدين لسبب بسيط هو أنهم بحكم طبيعتهم ذاتها يجب أن يشتبكوا مع القوى العليا. قد يذمون الله، لكن ليس بوسعهم أن ينكروا الله"


يشترك تولستوي مع سينغر في الاعتقاد بأنه لا يمكن لفنان حقيقي أن يكون ملحدًا. في مقالة كتبها تولستوي حول ما اعتبره عيوبًا عند شكسبير، يشير إلى أن ما أسماه، أي تولستوي، "الجوهر الديني للفن"، هو حسب فهمه "ليس التلقين المباشر لأي حقائق دينية بقناع فني، وليس تبيانًا مجازيًا لهذه الحقائق، بل هو عرض لرؤية محددة للحياة تتوافق مع الفهم الديني الأعلى لزمن معين وهي، إذ تقوم بوظيفة دافع لتأليف الدراما، تنفذ، على حد علم المؤلف، عبر كل أعماله. هكذا كان الأمر دومًا مع الفن الحقيقي، وهكذا هو مع كل فنان حقيقي عمومًا والكاتب المسرحي خصوصًا". جورج بالانشين عبّر عن هذه الفكرة بشكل أبسط بقوله: "إن الموضوع الأول للفن هو حب الله".

أعلن بعض الكتّاب البارزين دينهم من خلال ممارسات دينية منتظمة. من بينهم ت. س. إليوت، إيفلين ووه، جي. إف. باورز، فلانيري أوكونور، وجون أبدايك. لكن، ليست الممارسة الدينية هي ما كان في ذهن سينغر عندما زعم أنه لا يمكن لفنان حقيقي أن يكون ملحدًا. بالأحرى إنه الإيمان، الواضح عند بعض الكتّاب أكثر من غيرهم، بقوة عليا تعمل بشكل حاسم في حياة البشر. هذه القوة العليا لا يمكن إنكارها أو تحديها من دون ثمن، رغم أنه يمكن مناقشتها. لماذا يمكن لإله مثل هذا أن يسمح بالهولوكوست، أو بحكم الاتحاد السوفياتي لاثنين وسبعين سنة، اللذين لم يجلبا سوى الحقد، المجاعة، والقتل الجماعي لملايين البشر؟ إذا كان الله، كما يؤكد سينغر، روائيًا، لماذا عساه يرغب بكتابة قصص رعب مثل تلك؟

إذا كان الله روائيًا، فالروائيون بمعنى ما هم آلهة مصغّرة. إنهم يبثون الحياة في الشخصيات، يعقّدون حياتها، يقودونها إلى النجاح أو الفشل، وأحيانًا يقتلونها. نشعر دائمًا بوجود الله في كتابات ويلا كاذر. وكذلك أيضًا في كتابات جوزيف كونراد، بوريس باسترناك، وألكسندر سولجنيتسين. وهذا الشعور هو ما يعطي ثقلًا لأعمالهم. كذلك أيضًا نجد الله في روايات ثيودور درايزر ووليام فوكنر. وينطبق الأمر ذاته على جيمس جويس. في "صورة الفنان في شبابه"، تقول شخصية كرانلي عن ستيفن ديدالوس: "إنه شيء غريب... كيف أن عقلك متشبّع بالدين الذي تقول إنك لا تؤمن به".

بطرق عديدة، أحد الاختبارات الحاسمة لتعميم سينغر هو أنطون بافلوفيتش تشيخوف، الكاتب الروسي الأكثر شهرة ربما للقصص القصيرة، والكاتب المسرحي الأكثر شعبية في أمته من دون شك. في أكثر من مناسبة، أعلن تشيخوف أنه ملحد. مع ذلك، لم يكن متعصبًا قط. يكتب البروفيسور الإنكليزي بوب بليسديل في دراسته الأخيرة "تشيخوف يصبح تشيخوف": "لم يكن يومًا متعجرفًا حيال إلحاده". كذلك، تجد الكثير من شخصياته أملها الوحيد في الدين، وتشيخوف لا يسخر أبدًا من هذا المنفذ إلى الأمل. بل يبدو الأمر تقريبًا كما لو أنه تمنى أن يجد ذلك الأمل، ذلك الإيمان، لنفسه، لكنه لم يستطع. في رسالة إلى الروائي والمسرحي إيفان. ل. ليونتييف شيغلوف، كتب تشيخوف أنه تلقى في طفولته ما أسماه تعليمًا وتربية دينية كئيبة وأضاف: "لا دين لدي الآن". ولاحقًا، سيكتب أنه "من الضروري الإيمان بالله وإذا لم يكن لدى المرء إيمان، فليس عليه أن يستبدل به الجعجعة، بل يسعى، يسعى، يسعى وحيدًا، وجهًا لوجه مع ضميره".

كذلك، كتب تشيخوف إلى سيرغي دياغيلي: "الثقافة الحديثة هي بداية محاولة، باسم مستقبل عظيم، محاولة ستستمر لعشرات آلاف السنين، من أجل أن تعرف البشرية، وإن يكن في المستقبل البعيد، الله الحقيقي، الفعلي، أي لا تخمنه، لا تبحث عنه عند دوستويفسكي (لم يكن تشيخوف معجبًا بعمل دوستويفسكي)، بل تعرفه بوضوح، تعرفه كما تعرف أن اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة". في ذلك الحين، كان تشيخوف ملحدًا، لكن ملحدًا ورعًا نوعًا ما، النوع الأفضل من الملحدين: ملحد من دون حماسة لمناقشة الآخرين من أجل إخراجهم عن دينهم؛ ملحد مبدأه الأول هو أن "على الناس ألا تتعرض قط للإذلال- ذلك هو الشيء الأساسي".

بين الكتّاب، كان تشيخوف من أقلية الرجال الجيدين بحق. "قُدس الأقداس عندي"، كتبَ، "هو الجسد البشري، الصحة، الذكاء، الموهبة، الإلهام، الحب، والتحرر المطلق- التحرر من العنف والزيف، أيًا تكن الطريقة التي قد يُظهر بها هذان الاثنان نفسيهما".
ولد تشيخوف عام 1860، كان الثالث من بين ستة أطفال، ولم يعش سوى 44 سنة. وقد أصبح، وهو شاب صغير جدًا، ربَّ أسرته، ومن خلال كتابته أمّن الإعالة المالية لأخوته، أخواته، ووالديه. جده اشترى انعتاقه من العبودية؛ والده، رجل قاسٍ ومحدود الأفق، فشل كصاحب متجر. أما تشيخوف كطبيب - المهنة التي لم تكن ذات مستوى عالٍ اجتماعيًا كما هو حالها في الغرب- فقد اعتنى بالفلاحين مجانًا وساعد في بناء المدارس، المكتبات، والمشافي. وقدّم النصيحة للكثير من الكتّاب الطامحين. 

تولستوي، الذي أحب تشيخوف على المستوى الشخصي، عاب عليه تعليقه للحكم


في رسالة كتبها عام 1889 إلى ناشره سوفورين، كتب تشيخوف عن نفسه: "امضِ واكتب عن شاب، ابن عبد وصاحب متجر صغير جدًا، صبي جوقة، طالب مدرسة ثانوية وطالب جامعي، تربى على احترام الطبقة الاجتماعية، تقبيل أيدي الكهنة، وتقديس أفكار الآخرين، وتقديم الشكر على كل لقمة خبز، يتعرض غالبًا للضرب بالسوط، يذهب إلى المدرسة من دون حذاء، يتشاجر، يعذّب الحيوانات، مولع بتناول العشاء مع الأقارب الأغنياء، ينافق أمام الله والناس من دون أي سبب، ما عدا وعيه بكونه غير ذي شأن- ثم أخبرْني كيف أخرج هذا الشابُ العبدَ من نفسه بالقوة قطرة إثر قطرة في كل مرة وكيف استيقظ في أحد الصباحات الجميلة ليجد أن ما يجري في عروقه ليس دم عبد بل دمُ إنسان حقيقي".

آمن تشيخوف بالتطور، لكنه كان بخلاف ذلك من غير معتقدات سياسية. "اكتسبتُ إيماني بالتطور عندما كنت لا أزال طفلًا"، كتب. "لم أستطع منع نفسي من الإيمان به، لأن الفارق بين الفترة التي جلدوني بها [والده وأساتذته] والفترة التي توقفوا فيها عن جلدي كان هائلًا". أما بالنسبة إلى معتقداته السياسية، فقد كتب في رسالة إلى الكاتب أليكسي بليشييف: "أنا لستُ ليبراليًا، لستُ محافظًا، لستُ من أنصار المبدأ التدريجي، لستُ راهبًا، لستُ لا تفريقيًا. أود أن أكون فنانًا حرًا ولا شيء آخر، وآسَفُ أن الله لم يمنحني القوة لأكون كذلك. أكره الكذب والعنف بكافة أشكالهما. وأعتبر العلامات التجارية واللصاقات التصنيفية متحيزة".

انتقد الكاتب إيفان شيغلوف تشيخوف لأنه كتب في قصته "أضواء" أنه "لا يمكنك أن تكتشف أي شيء في هذا العالم"، وعلى ذلك الانتقاد رد تشيخوف، غير متفق معه: "لن نلعب دور المشعوذين، وسنعلن صراحة أن لا شيء واضحًا في هذا العالم. وحدهم الحمقى والمشعوذون يعرفون كل شيء ويفهمون كل شيء".

نقل تشيخوف تلك الآراء إلى فنه. ردًا على نقد وجهه له سوفورين حول عدم الحسم في واحدة من قصصه، كتب تشيخوف: "ليس من المفترض أن يكون الفنان حكَمًا على شخصياته وعلى ما تقوله؛ عمله الوحيد هو أن يكون شاهدًا حياديًا... الوصولُ إلى خلاصات يعود إلى هيئة المحلفين، أي القراء. عملي الوحيد هو أن أكون موهوبًا، أي، أن أعرف كيف أميز الشهادة المهمة من غير المهمة، أن أضع شخصياتي تحت الضوء المناسب وأتحدث لغتها".

فهل مثل ذلك الانفصال الظريف - مؤلف يزعم أنه لا يصدر الأحكام على شخصياته- مستحسن؟ هل من المرجح أن يكون ناجحًا كفن؟ انظر مثلًا إلى قصة دالة لتشيخوف تُدعى "هجوم الأعصاب".

ثلاثة طلاب جامعيين - طالب طب، طالب في كلية الفنون، وطالب في كلية الحقوق- يذهبون لممارسة الجنس في حي البغاء في موسكو. هذه هي الزيارة الأولى من نوعها لطالب الحقوق، المدعو فاسيليف، الذي يُصدم بفظاعة المشهد وبؤس حياة العاهرات. تروى القصة بشكل رئيسي من وجهة نظره. "ما الذي في كل هذا الهراء الذي أراه الآن"، يفكر، "يمكن أن يغري رجلًا عاديًا ويثيره لارتكاب الخطيئة الفظيعة بشراء إنسان لقاء روبل"؟

يقال إن فاسيليف يمتلك "موهبة الإنسانية. لقد امتلك إحساسًا جيدًا مرهفًا على نحو استثنائي بالألم عمومًا". وهذا الإحساس يُثار إلى أقصى درجة أمام الحياة المنحطة كليًا للعاهرات اللاتي يقابلهن هو ورفاقه في المواخير التي يزورونها. إنه لا يستطيع تحمّل فكرة أن النساء عشن في مثل تلك القذارة الأخلاقية. وعند العودة إلى غرفته، يشعر باضطراب شديد بسبب هذه الفكرة ويحاول ابتكار طرق لإخراج أولاء النساء من حيواتهن المذلة بكل معنى الكلمة. واضطرابه يصبح أعمق وأعمق، تاركًا إياه على حافة انهيار عصبي.

في اليوم التالي، يعرّج صديقا فاسيليف، طالب الطب والفنان، عليه ويأخذانه إلى طبيب نفسي يجري مقابلة معه، يفحصه، ويقدم له دواء يشربه. ينقشع اليأس، "والحِمْل في قلبه يصبح أخف وأخف كما لو أنه راح يذوب". تنتهي القصة بالقول: "في الشارع وقف لفترة ومودعًا صديقيه، جرّ نفسه بوهن إلى الجامعة".
تقدم القصة صورة صادقة عن حياة العاهرات، أمّا عن خاتمة لإعياء فاسيليف الروحي فلا نعرف المزيد، لا شيء يُحل، وما من نهاية حقيقية تُقدم.

وهكذا هو الحال مع الكثير من قصص تشيخوف التي لا تنتهي بقدر ما أنها تتلاشى.

قصته "الفلاحون" تروي حكاية رجل يفقد عمله كنادل ويصبح مضطرًا للعودة إلى قريته الفلاحية مع عائلته. توصيف كليّ للتفاصيل الدنيئة للحياة الفلاحية - القذارة، ضرب الزوجة، الظروف الخانقة، القسوة العامة للحياة اليومية- يُعرَض. يموت الرجل بسبب التقنيات الطبية البسيطة. وتغادر زوجته وابنته القرية الفلاحية، من دون أي شيء سوى أملهما الديني المبهم بحياة أفضل. مادة رائعة تُترك مرة أخرى من دون حل.

لا شيء يُحل، وما من نهاية حقيقية تُقدم. وهكذا هو الحال مع الكثير من قصص تشيخوف التي لا تنتهي بقدر ما أنها تتلاشى


حتى في "السيدة صاحبة الكلب الصغير"، أشهر قصص تشيخوف ربما، لا يُقدَّم أي حل، وتنتهي القصة مع لقاء عاشقيها، آنا سيرجيفنا وغوروف، لآخر مرة في المسرح، ثم افتراقهما. "ضغطتْ على يده ونزلتْ بسرعة إلى الطابق السفلي، استدارت لتنظر حولها باحثة عنه، ومن عينيها كان بوسعه أن يرى أنها كانت تعيسة بحق. وقف غوروف لبرهة، مستمعًا، ثم، عندما أصبح كل شيء هادئًا، وجد معطفه وغادر المسرح". مرة أخرى: براعة في التصوير، تفاصيل، مشهد، قُدِّمت كلها من دون أي شيء شبيه بنهاية مرضية أو مرضية بالحد الأدنى. الطائرة تحلّق لكن لا تهبط قط.

في "تشيخوف يصبح تشيخوف"، يدافع بوب بليسديل عمّا يدعوه "انفتاح النهاية" في قصص تشيخوف. "لن يريحنا تشيخوف بتقديم جواب ليس موجودًا"، يكتب بليسديل. ثم يقتبس عن تشيخوف، من رسالة إلى سوفورين، مشيرًا إلى أنه "حان الوقت للكتّاب، لا سيما أولئك الذين هم فنانون، ليعترفوا أنه في هذا العالم لا يمكن للمرء أن يفهم أي شيء، تمامًا كما اعترف سقراط يومًا، تمامًا كما اعترف فولتير... وإذا قرر الفنان الذي يثق به الجمهور أن يعلن أنه لا يفهم أي شيء مم يراه- فهذا في حد ذاته يشكّل وضوحًا كبيرًا في مجال الفكر، وقفزة كبيرة نحو الأمام".

رأى تشيخوف أن مهمة الفنان هي "أن يصوّر الحياة بصدق وأن يُظهر بصورة عابرة كم أن هذه الحياة تحيد عن المعيار". ثم تابع ليزعم أننا لا نعرف حقًا ما هو ذلك المعيار: "نعرف جميعًا ما هو الفعل غير الشريف، لكنْ ما هو الشرف؟- لا نعرف". حقًا؟ أعتقد أننا نعرف، لكني أعتقد أيضًا أن مهمة الكاتب هي أن يُظهر، من خلال التعقيدات التي غالبًا ما تبديها الحياة، كم هو صعب أن نبلغ ذلك المعيار.

إن تشيخوف، رغم أنه كان بوسعه أن يسجّل الهواجس، يصوّر الحب والقسوة، ويضرب على الوتر الحساس في توصيفاته للطبيعة، وغير ذلك الكثير، اختار ألا يصدر الحكم على شخصياته. في قصته "في الوادي"، شخصية أسينيا أبراموفيتش، الغاضبة بعد إقصائها من وصية حماها، تسكب ماءً مغليًا على طفل المرأة التي تحلّ محلها في الوصية. هذه المرأة ذاتها، قاتلة الطفل، تمضي في القصة لتصبح "صاحبة سلطة" في قريتها، "جميلة وسعيدة، مع ابتسامة بريئة على وجهها... الجميع خائف منها في المنزل وفي القرية وفي مصنع الطوب". فهل يقول تشيخوف، أو على الأقل يلمّح، إن عالمًا بلا إله يسير على هذا النحو، مع بقاء الشر غالبًا بلا عقاب والخيّرين يُتركون للمعاناة؟

لم يكن تشيخوف بلا منتقدين. تولستوي، الذي أحب تشيخوف على المستوى الشخصي، عاب عليه تعليقه للحكم. لكنه أيضًا أثنى عليه: "إنه كاتب غريب. يلقي بكلماته كما لو جزافًا، ومع هذا، كل شيء في كتابته مفعم بالحياة. ويا له من فهم رائع! لا توجد عنده أية تفاصيل لا داعي لها، كل تفصيل عنده إما ضروري أو جميل". كذلك، كتب فيليب راف أن تشيخوف "آمن أن الحياة يمكن أن تعاش بفطنة وحب، من دون إكراه وزيف، كما ركّز في الوقت ذاته على إظهار أن تلك الحياة كما تعاش في الواقع هي حزينة ومملة"، واستنتج بمديح يشبه الذم أن تشيخوف كان "فنان أصالةٍ لا لبس فيها، رغم أنه لم يكن من كتّاب الدرجة الأولى".

لعلّ أقسى من حكم على تشيخوف كان دي. إس. ميرسكي الذي في كتابه "تاريخ الأدب الروسي" يكتب أن: "عزلة البشر منقطعة النظير واستحالة فهم واحدهم للآخر" هي الفكرة التي تقع في صلب "كل قصة من قصصه تقريبًا"، لكنّ "شخصياته كلّا على حدة تفتقر إلى الشخصية الفردية". مسرحياته، حسب زعم ميرسكي، أكثر سوءًا: "حتى أكثر ممَّا في قصصه، النبرة المسيطرة في مسرحيات تشيخوف هي نبرة غم، كآبة، ويأس". ("بقدر ما أفهم مجرى الأمور"، كتب تشيخوف، "الحياة مصنوعة فحسب من الأهوال، الشجار، والحماقات، مختلطةً معًا وبالتناوب"). ثم يتابع ميرسكي منتقدًا نثر تشيخوف ومعتبرًا أنه "ما من كاتب روسي بأهميته استخدم لغة مجردة من أي حيوية وجرأة بهذا القدر"، مضيفًا أنه "من بين كل الكتّاب الروس، هو أقل من يجب أن يخشى من خيانة الترجمة".

إن الورع ذاته المفقود في كتابة تشيخوف يضفي على التخييل هالة من الغموض، ثقلًا، تنوعًا وغنى يتعذر الحصول عليها من دونه. ومن دون احتمال وجود قوة عليا، تحدّد القدر، تنفّذ عدالة قصوى، تميل الشخصيات في الروايات والقصص إلى أن تصبح مسطحة، وتغدو مصائرها مجردة من التشويق. ربما حتى الأشخاص الموهوبون جدًا، كما رأى إسحاق باشيفيس سينغر، لا يمكن أن يكونوا ملحدين.

 

(*) جوزيف إبستاين: كاتب أميركي (1937-). له ثلاثين كتابًا وسبع عشرة مجموعة من المقالات وأربع مجموعات قصص قصيرة. حاصل على الوسام الوطني للعلوم الإنسانية وجائزة ريبالو للأدب. من أحدث كتبه: "الرواية: من يحتاجها؟" (2023)، "لا تقل أبدًا أنك عشتَ حياة محظوظة: خصوصًا إن كنت قد عشت حياة محظوظة" (2024).

 

رابط النص الأصلي:

https://www.commentary.org/articles/joseph-epstein/god-literature-chekhov/

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.