}

هل نعيش زمن "ثورة النُخب"؟

أرجون أبادوراي 12 أغسطس 2025
ترجمات هل نعيش زمن "ثورة النُخب"؟
خوسيه أورتيغا إي غاسيت


ترجمة: إسكندر حبش

انتهى عصر الثورة الجماهيرية؛ وحان وقت ثورة النُخب، هذا ما يُعلنه عالم الاجتماع الهندي أرجون أبادوراي (*)، في مقالته هذه (**). فهو يرى أنه من دونالد ترامب إلى أردوغان، ومن مودي إلى بوريس جونسون، يكتسب القادة الجُدد السلطة، بشنّ ثورتهم على النخب الراسخة، على الرغم من أنهم ينحدرون منها. ثورة على الديمقراطية وقيمها وإجراءاتها. لكنها ثورة تُشن باسم الشعب، الذي يُعلق عليه هؤلاء القادة الأمل في أن الرخاء هو نتاج الكراهية والاستياء.

***

المقالة

يُعتبر خوسيه أورتيغا إي غاسيت واحدًا من مفكري القرن العشرين الذين لَفَهم النسيان اليوم إلى حدّ كبير، وهو فيلسوف إسباني أصيل، عبّر في عمله الرائد في العلوم الاجتماعية "ثورة الجماهير" عن خشيته من عالم يختفي فيه الأفراد الليبراليون لصالح "الإنسان الجماهيري".

بالنسبة إلى أورتيغا، لم يكن يقصد بالإنسان الجماهيري جموع الفقراء أو المحرومين أو البروليتاريا، بل جموع الناس العاديين، الذين تتشابه أذواقهم وميولهم وقيمهم، أكثر من كونهم يتشابهون بسبب حرمانهم من ممتلكاتهم. بهذا المعنى، يكون أورتيغا أقرب إلى الأميركيين الذين يستهدفون الرجال "الذين يرتدون بدلات رمادية" منه إلى نقاد مدرسة فرانكفورت فيما يخص مجتمع الجماهير. ومع ذلك، كان من أوائل من رأوا في هذه الجماهير، أيًا كانت عليه، حركة تمرد على أفكار القرن التاسع عشر الليبرالية.

أعود إلى أورتيغا اليوم لأنني أعتقد أن القرن العشرين قد استنفد الأشكال الرئيسية للثورات الجماهيرية، وأننا دخلنا عصرًا جديدًا، عصر "ثورة النخب". هذه النخب الثائرة هي التي تدعم، وتحيط، وتشجع، وتتملق الأنظمة الاستبدادية الجديدة، مثل ناريندرا مودي، ودونالد ترامب، ورجب طيب أردوغان، وجايير بولسونارو، وبوريس جونسون، وفيكتور أوربان، وغيرهم الكثير، الذين هم أساس ما يمكن أن نسميه "الشعبوية من الأعلى"، والتي يُستخدَم فيها الشعب كأداة انتخابية للتخلي عن الديمقراطية بشكل جماعي.

إنهم يثورون في المقام الأول على جميع النخب الأخرى التي يحتقرونها ويكرهونها ويخشونها: النخب الليبرالية، ونخب الإعلام، والنخب العلمانية، والنخب الكوزموبوليتانية، ونخب "هارفارد"، ونخب البروتستانت الأنكلو- ساكسون، ونخب النماذج الاقتصادية القديمة، والمثقفين، والفنانين، والأكاديميين (هذه الفئات تُشكل مصدرًا يختار منه الشعبويون القوميون المختلفون المصطلحات الوطنية والثقافية المناسبة). وبالتالي، فهي نخبة تُخفي نخبويتها خلف خطاب معادٍ للنخب.

ثانيًا، هذه الثورة موجهة ضد كل من يُعتقد أنهم خانوا النخب الحقيقية واستولوا على السلطة بطريقة غير شرعية: السود في الولايات المتحدة، والمسلمون والعلمانيون في الهند، واليساريون ومجتمع الميم في البرازيل، والمعارضون والمنظمات غير الحكومية والصحافيون في روسيا، والأقليات الدينية والثقافية والاقتصادية في تركيا، والمهاجرون والعمال والنقابيون في المملكة المتحدة. هذه الثورة يُدبّرها أولئك الذين يعتقدون أنهم يُشكّلون النخبة الحقيقية ضد من يعتبرونهم مغتصبين أو نخبًا زائفة.

أما في المقام الثالث، فتهدف ثورة هذه النخب الجديدة إلى كسر القيود التي حاصرتهم في عصر الديمقراطية الليبرالية. إنهم يكرهون الحرية والمساواة والإخاء، إلا لأنفسهم. يكرهون الضوابط والتوازنات، التي يرونها تفرض قيودًا غير مشروعة على حريتهم في التصرف من دون قيد أو شرط. يكرهون أي نوع من التنظيمات، وخاصةً تلك التي تتعلق بامتيازات الشركات، التي يرونها مؤامرةً ضد الرأسمالية، التي يعتبرونها حكرًا عليهم. وفوق كل شيء، يكرهون المداولة والعقلانية الإجرائية، لأنها تعني الإنصات والصبر والالتزام بالعقلانية الجماعية. كما أنهم لا يؤمنون بفصل السلطات، إلا عندما يسيطر أصدقاؤهم على السلطتين التشريعية والقضائية.

وهذا يعني ببساطة أن ثورة النخب الجديدة تُعارض الديمقراطية، ولكن باسم الشعب. بمعنى آخر، انفصلت فكرة الشعب الحديثة تمامًا عن فكرة الديمقراطية والشعب. إنها ثورة - بمعنى أن الانتفاضات التي تهدف إلى الاستيلاء على السلطة هي دائمًا ثورات - ولكنها ليست ثورة تهدف إلى تغيير النظام السياسي أو الاقتصادي الأساسي. هذه الثورة هي ثورة نخبة تسعى إلى استبدال أخرى.

قد يبدو كل هذا عامًا ومألوفًا تاريخيًا بشكل مفرط إذا لم نطرح بعض الأسئلة الاجتماعية. ما طبيعة هذه النخبة الجديدة؟ من يحدّد شروط انضمامها؟ من يمثلها؟ ما أصولها الاجتماعية؟ هذه الأسئلة تقودنا سريعًا إلى مجتمعات ودول محددة.

في قلب هذه الشبكة من النخب، التي لا جذور ثقافية لها ولا مكانة ولا تاريخ واضحًا، تكمن شبكات سرية مثل "الجمعية الفيدرالية"، المرتبطة بجماعات دولية مثل "أوبس داي". يجمعهم الانتهازية والجشع والربح (Getty)


في حالة الولايات المتحدة، تنحدر النخبة التي يمثلها دونالد ترامب والتي يخاطبها من نفس خلفيته: فهي ليست مثقفة تعليمًا عاليًا، بل تتكون من رواد أعمال وسياسيين، وهي على رأس مجلس الشيوخ الجمهوري، والجمهوريين في البيت الأبيض، وعلى جميع المستويات السياسية حيث يمكن لحركة "حزب الشاي" أن تُسمع صوتها. كما تضم بين صفوفها أكثر قادة الأعمال جنونًا بالعظمة والفاشية الجديدة (من بينهم كبار رجال الأعمال في وادي السيليكون مثل بيتر ثيل)، والغالبية العظمى من وسائل الإعلام التلفزيونية والإذاعية، بالإضافة إلى شبكة هائلة من القساوسة والكنائس والمانحين الإنجيليين العنصريين المتعطشين للربح. ويُضاف إلى ذلك أيضًا المرتزقة الانتهازيون الذين يزدهرون في مراكز الأبحاث اليمينية الرئيسية.

في قلب هذه الشبكة من النخب، التي لا جذور ثقافية لها ولا مكانة ولا تاريخ واضحًا، تكمن شبكات سرية مثل "الجمعية الفيدرالية"، المرتبطة بجماعات دولية مثل "أوبس داي". يجمعهم الانتهازية والجشع والربح من دون أي روابط أو قيم تقليدية أخرى.

يمكن رسم صورة مماثلة لنخب النظام الحالي في الهند، التي تتجاهل علنًا كل مؤسسة ديمقراطية باستثناء الانتخابات. تتألف هذه النخبة من صغار الاقتصاديين، والانتهازيين عديمي الضمير، وكبار رجال الأعمال الفاسدين الذين يعملون من خلال الاحتكار وجماعات الضغط والرشوة الصريحة، وطبقة جديدة من السياسيين والمشرعين المجرمين عديمي الحياء. ثورة هذه النخبة موجهة ضد أي فرد أو جماعة مرتبطة بالاشتراكية والعلمانية والتعددية  "النهروية" (من نهرو).

تعتقد هذه النخبة أن اليمين الهندي (معقلهم) هو مُنقذ التاريخ الهندي، مُستيقظًا من سباته الطويل الذي أغرقه فيه المغول والبريطانيون وحزب المؤتمر. إنه تحالفٌ شُكِّل في بوتقة الأيديولوجيات والسياسات والمذابح المُعادية للمسلمين.

هذه النخبة المتمردة لا تدين بوحدتها إلا لإفلاتها من العقاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ومثل شركاء ترامب من هذه النخبة، تستغل هذه النخبة الانتهازية بتجاهلها للمؤسسات التشاركية أيًا كان نوعها.

أنا لا أعرف ما يكفي عن الأصول الاجتماعية ومضايقات فريق أردوغان، أو فريق بوتين، أو فريق بولسونارو، أو فريق دوتيرتي، ولكنني على استعداد للمراهنة على أن كلّ واحدة من هذه النخب المتمردة تقدم صورة مماثلة: الاستياء تجاه النخب الثقافية والاجتماعية التقليدية، وازدراء الإجراءات الليبرالية، وكراهية المثقفين والأكاديميين والفنانين والناشطين والاشتراكيين والنسويات، والإعجاب بالرأسمالية طالما يتم تنظيمها لصالحهم فقط، وكراهية الديمقراطية المرتبطة بإغراء مستمر للناخب (بدلًا من الشعب).

لقد أكد أوربان سلطته الأبدية والمطلقة في المجر، وطالب ترامب بطباعة اسمه على شيكات الإغاثة العائد لـــ فيروس كورونا، وتولى جميع السلطات في حالة الطوارئ الصحية. أما مودي، فقد أعلن نفسه فوق الدستور الهندي تقريبًا، وانحاز علنًا إلى بولسونارو وترامب ونتنياهو، واستغل أزمة كوفيد-19 لتوسيع نطاق سياسة حظر التجول، وعنف الشرطة، والسجن التعسفي، والقمع الشامل، كما حدث في كشمير، ليشمل جميع أنحاء الهند. في كل هذه القرارات، يعتمد هؤلاء القادة على شبكة من المتعاطفين والمتعاونين الذين يعتقدون أن بإمكانهم الارتقاء بمسيرتهم المهنية من خلال الخضوع للمرشد الأعلى.

إذا كانت النخب التي تميز العديد من الأنظمة الاستبدادية الشعبوية الجديدة هي "شعبوية من الأعلى"، أي النخب التي تثور ضد النخب القديمة، وضد الديمقراطية الليبرالية، فماذا عن المتعاطفين معهم، وناخبيهم وقاعدتهم، "الشعب"، الذي باسمه، وبموافقته الحارة، يقومون بإلغاء العديد من الهياكل والقيم والتقاليد الديمقراطية؟

هناك إجابات معروفة لهذا السؤال الإشكالي. أحدها أن هؤلاء المستبدين يفهمون ويستخدمون العواطف (مشاعر الحب والفقد والتضحية والكراهية والغضب)، بينما يغرق خصومهم في بحر من الجدل شبه الأكاديمي حول المفاهيم والمعايير والمنطق الذي فقد كل جاذبيته الشعبية. ثانيًا، لقد خلقت التقنيات الجديدة نوعًا من الرغبة على نطاق عالمي (مع الإعلانات، والسلع الاستهلاكية، وعبادة المشاهير، والعوائد المالية غير المتوقعة للشركات)، مما جعل الطبقات المحرومة والتابعة لا تتسامح مع بطء العملية التداولية الديمقراطية. ما يريدونه الآن هو الرخاء والكرامة، وهذا ما يعدهم به هؤلاء القادة.

علاوة على ذلك، تشعر الطبقات الدنيا بغضب شديد إزاء الإقصاء والإفقار والإذلال، وتُحمّل حكامها الجشعين (الذين لا يأخذون منها إلا ما يريدون)، مما يجعلها أكثر ميلًا من أي وقت مضى إلى الانغماس في كراهية الأعراق (ضد المسلمين، واللاجئين، والصينيين، والغجر، والمهاجرين... إلخ). وتبدو كل هذه الحجج منطقية في سياقات وطنية معينة.

من هنا، تُعدّ مساهمة أورتيغا إي غاسيت هنا مثيرة للاهتمام للغاية، إذ تُظهر لنا أننا في بداية عصرٍ تُختطف فيه ثورةُ الجماهير، وتُستدرج وتُهجّر على يد ثورة النخب. أكثر ما يُثير القلق في هذا الاختطاف، وما يكشفه احتفاظ هؤلاء المستبدين بالانتخابات، هو أن الجماهير (مهما كانت تركيبتها) قد أصبحت تعتقد أن ثورة النخب الجديدة هي في الواقع ثورتها الخاصة، وأن كل ما عليها فعله هو تشجيع (وإن أمكن تقليد) قادتها الشيطانيين، الذين يُمكنهم أن يُقدّموا لها حلًا أسرع بكثير من محاولة شعبية أو ثورية حقيقية لتغيير نظام الأمور.

باستخدام مصطلحات معينة، يمكن القول إن الجماهير الانتخابية الجديدة بدأت تشعر بأن منافع افتراس قادتها ستنتقل إليهم قريبًا. والنتيجة الرئيسية لهذا التسرب هي أن الطبقات المحرومة والتابعة تستطيع الآن قتل وتشويه وإذلال كبش فدائها الأضعف من دون عقاب. ولا تزال منافع التسرب المتمثلة في المزيد من المزايا اليومية - الوظائف، والرعاية الصحية، وتحسين الأجور، والمدن الأكثر أمانًا - تتطلب صبرًا لا حدود له من أولئك الذين يقعون في قاعدة الهرم. لكنهم يعيشون على أمل أنه إذا تسربت إليهم الكراهية، فربما يحذو الرخاء حذوها.

(*) أرجون أبادوراي: عالم اجتماع وأنثروبولوجي هندي (التاميل)، متخصص في العولمة، ومؤلف كتاب "الوضع الإنساني العالمي"، الذي يتناول فيه أساليب العيش في مجتمعاتنا المحفوفة بالمخاطر. يُدرّس أبادوراي الإعلام والثقافة والاتصال في جامعة نيويورك. من كتبه التي أثارت النقاش أيضا، "المستقبل كحقيقة ثقافية: مقالات حول الوضع العالمي".

(**) ظهرت هذه المقالة في مجلة The Wire في نيسان/ أبريل 2020 تحت عنوان "نشهد ثورة النخبة".

  

مقالات اخرى للكاتب

ترجمات
12 أغسطس 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.