}

كيف قتلنا الراوي ولماذا نحن بحاجة إلى استعادته؟

مارغريتا فولباتو 18 أغسطس 2025


ترجمة: سارة حبيب

الحداثة قتلت الراوي العليم، وما بعد الحداثة فكّكت فكرة السرد ذاتها. أصبح الرواة غير الموثوقين هم المعيار المعتمد في الأدب والأفلام، من "لوليتا" نابوكوف إلى "نادي القتال" لديفيد فينشر. لكن هذا آخذٌ بالتغير الآن. والميتاحداثة تستعيد الراوي الموثوق بطرق مبتكرة وغير متوقعة.

يبدأ رولان بارت مقالته التأسيسية "موت المؤلف" (1967) بالتأكيدِ على أن الكتابة هي ذلك "الفضاء المحايد، المركّب، غير المباشر الذي تتلاشى فيه ذاتنا، النفي الذي تُفقَد فيه الهوية كلّها، بدءًا من هوية الجسد الذي يكتب". قد يبدو هذا الآن واضحًا لنا؛ نحن المستهلكين المعاصرين للسرديات ما بعد الحداثية وما بعد- بعد الحداثية. فنحن لم نعد معتادين على افتراضِ أن نصًا - سواء أكان فيلمًا، رواية، أغنية، أو فيديو تيك توك- يحمل أي ارتباط حقيقي بمؤلفه. وحتى الأكثر ابتذالًا من بين هذه الأمثلة، فيديو تيك توك المخيف ذي الست ثوان، نعرف أنه، على مستوى ما، أدائيّ. نعرف أنه ما من ضمان حقيقي للموثوقية في المحتوى الذي نستهلكه على الإنترنت، حتى إن كان صانعه يبذل قصارى جهده لخلق ذلك الوهم. وتمامًا كما كان بارت ليقول، حالما يبدأ الفعل السردي، كلّ الربط بالصوت في الواقع، هويته وقصديته، يموت. وهذا هو ما يعنيه بارت بموت المؤلف. فكلّ ما يتبقى هو راو أو صوت سردي؛ مرشدٌ مبهم لا يمكن لنا أبدًا الوثوق به ثقة كاملة. بالنسبة إلى الأغلبية، ليس ثمة راو موثوق كليًا. من "لوليتا" (1955) لفلاديمير نابوكوف إلى "نادي القتال" (1999) لديفيد فينشر و"لا تدعني أرحل أبدًا" (2005) لكازو إيشيغورو، بتنا نميّز القصص التي تكشف عدم الموثوقية الذاتية ونتوق إليها. لكنْ، متى أصبحت هذه القصص هي المعيار؟ يبدو أننا الآن مصممون على استجواب كل راو نصادفه، متخلّصين بهذا، للمفارقة، من الحاجة إلى التمييز بين أولئك الذين هم موثوقين وأولئك الذين ليسوا كذلك. وجراء هذا الفعل، قتلنا الراوي. والآن حان الوقت لاستعادته.

إذا عدنا بذاكرتنا إلى ماضينا القريب - ربما إلى طفولة يقرأ لنا فيها أهلنا، أشقاؤنا أو أساتذتنا في اللحظات الهادئة من الأيام الحافلة الصاخبة - سندرك أننا لم نكن دومًا فاقدي الثقة بالرواة إلى هذا الحد. تلك البداية الكليشيه لكل حكاية خرافية، "كان ياما كان..."، تحمل في كونها عليمةً السلطةَ، اليقينَ، بالإضافة إلى المسافة. في هذه القصص القديمة، الشخصيات والرواة ليسوا أبدًا، من الناحية الوجودية، جزءًا من ذات العالم. فكما تكتب نيكول تيمر: "يتمتع الراوي بموقع يمكّنه من معرفة ما يحدث داخل الشخص على نحو لا يمكن أن يتحقق للشخصيات التي تبقى حبيسة عقلها. وانعدام المساواة هذا لا يمكن، من منظور منطقي، أن يُبدَّد". لكن انعدام المساواة هذا هو بالذات ما حاول الأدب منذ ذلك الوقت أن يلغيه.

 أصبح الرواة غير الموثوقين هم المعيار المعتمد في الأدب والأفلام، من "لوليتا" نابوكوف إلى "نادي القتال" لديفيد فينشر


ولّت أيام الرواية الفيكتورية، ورواتها العليمين. في مقالته حول "ميدل مارش"، رائعةُ جورج إليوت التي كتبها عام 1871، يكتب يوجين غودهارت أنه "في عصر المنظورية، حيث كل المطالبات بالسلطة مشتبهٌ بها، الراوي العليم هو أسلوب مهجور يراعى عندما يوجد في الأعمال القديمة ويخضع للتقييم عندما يظهر في عمل معاصر". وهذا النقد ليس موجهًا إلى الواقعية الفيكتورية فحسب، بل إلى الرواية الحداثية كذلك. في مقالتها "ملاحظات حول الشكل في الفن" (1868)، تكتب جورج إليوت أن هدف الرواية هو احتواء كل "العلاقات مرتبطة معًا في كليّة واحدة". بالطبع، هذه العلاقات "يجب أن تدرَك كل منها ككّل منفصل قبل أن يكون بالإمكان إدراكها ككلّات مؤلفة من أجزاء". وهذا هو دور الراوي العليم، أن يوحّد هذه المناظير في وجهة نظر واحدة ويحتويها معًا. في جوهر رواية "ميدل مارش"، تنطوي استعارة "مرآة الدعامة" على ذات الفكرة (وهي مرآة طويلة توضع على الدعامة بين نافذتين وتستخدم في الرواية كرمز لرؤية الإنسان للعالم من منظور ذاتي).

بوصفها وعاءَ كلِّ خدش، كلِّ خطٍ يصبح حياة، كل شبكة تحاصر كل شخصية وتحتويها، مرآةُ الدعامة معتمة للجميع ما عدا الراوي. في "ميدل مارش"، تهدف إليوت لإظهار أن الجسد الاجتماعي هو واحد، مترابط ارتباطًا غير محدود بواسطة أولئك الذين يعيشون ضمنه. كل واحدة من شخصياتها في الرواية تقودها رغبة بإخضاع العالم. من إيجاد المفتاح لكل الأساطير إلى اكتشاف "الأنسجة البدائية"، كل سردية تحاول أن تلغي الأخرى. ولولا الراوي العليم، ما كانت لتوجد وحدة. وهذا مهم في عالم "ميدل مارش" لأنها، في جوهرها، مشروع واقعي. فإذا لم يكن ثمة وحدة اجتماعية في الرواية، لن يكون هنالك انسجام في المجتمع الذي تسعى إلى تمثيله.

رواية فيرجينيا وولف "إلى المنارة" (1927) معنية أيضًا بالوحدة، لكن لسبب مختلف تمامًا. وأكثر سمة مُميِّزة للرواية هي تيار الوعي فيها. إن الصوت السردي غير قادر على الوصول إلى كل تجاويف عقول الشخصيات. وعلى عكس الراوي العليم في الرواية الفيكتورية الواقعية، الخطابُ الحرّ غير المباشر لرواية وولف الحداثية التجريبية يتموج وينجرف مع المد والجزر. كل وعي يطفو بعيدًا ويرتحل إلى الزوايا البعيدة للصفحات، مختبِرًا حدود الشكل السردي ذاته. تنهي وولف الرواية بذات الطريقة تقريبًا: "نعم، فكرتْ، ملقيةً فرشاتها بتعب شديد، لقد تجلّتْ لي رؤيتي". لن نعرف أبدًا أيّ إلهام قاد ليلي بريسكو إلى ذروتها الفنية. والغشاوة السردية للرواية تكتنف ليلي لدرجة أن معرفة ذلك لا تهم. لكن ما يهم فعلًا هو كيف تكمل كلمات ليلي الختامية، بهذا السطر الأخير، دائرةَ الوعي. إن الإجهاد الناجم عن تحمّلِ كلِّ فكرة من أفكار ليلي، بما أنها غير قابلة للفصل عن المادة السردية للنص، يُكافأ بنهايةٍ تتلاشى في هواء البحر الضبابي. نهاية "إلى المنارة" مصطنعة في خاتمتها. لا تسائل رواية وولف طبيعةَ النهاية الموحدة فحسب، طبيعةَ مجتمعٍ يمكن احتواءه بمثل تلك الوحدة، بل تسائل طبيعةَ وجودِ الصوت السردي ذاته. في نهاية الأمر، إلى من تعود تلك الأفكار المذكورة في السطر الأخير؟ قد تكون أفكار ليلي لكن لا يمكن أن نكون متأكدين لأنه ليس ثمة صوت سردي يمكن أن يؤكد هذا لنا. لقد ولّت يقينيات موضوعية إليوت والواقع الخارجي. وبدلًا عنها، تتلاعب رواية وولف بالشك وتسائل الذاتية ذاتها.

في ما بعد الحداثة، هذا الشك هو ما يثير انعدامَ الثقة الثقافي بالراوي. وما كان في الحداثة استكشافًا لعوبًا وتجريبيًا للمنظور السردي أصبح شكًا بالذاتية برمتها. من هجوم جان بول سارتر على فرانسوا مورياك - "لا مكان للمراقب المتميز في الرواية الحقيقية بقدر ما أنه ليس ثمة مكان له في عالم أينشتاين"- إلى زعم ميخائيل باختين أن "المعرفة الكلية هي طغيان المونولوجيّ"، السرد ما بعد الحداثي لا يمكن إلا أن يفكّك استخدامه الخاص للمنظور. لقد أصبحنا الآن، كما آمل على أية حال، مطلعين على البهلوانيات المنظورية لـ "نادي القتال".  شخصية إدوارد نورتون، الراوي، تسأل نفسها في لحظة يأس وأسى: "هل تايلر هو حلمي السيء؟ أو هل أنا حلم تايلر السيء؟" إنه يشير، بالطبع، إلى بائع الصابون المخادع تايلر دردِن الذي لعب دوره براد بيت. لكنه أيضًا يشير إلى نفسه. تايلر هو كل ما سبق، وبعضه. إنه أسوأ كوابيس الراوي لأن تايلر دردِن هو الراوي، هو كل جانب كان مكبوحًا منه، وتم، على مدار الفيلم، إطلاق العنان له. "نادي القتال" تحفة ما بعد حداثية، يثور فيها راوي ديفيد فينشر على رأسمالية أواخر القرن العشرين ويؤسس نادي قتال أناركي. لكن، بعيدًا عن القصة ذاتها، ينوي ديفيد فينشر اعتماد شكل مختلف من الأناركية. "نادي القتال" تحرّكه رغبة ما بعد حداثية بتدمير السرد برمته، رغبة بتفكيكه وتقويضه. فيلم "نادي القتال"، في جوهره، واع ذاتيًا بكيفية خلقِ العالم للتسلية واستهلاكه لها. ولتحقيق هذا، على فينشر أن يدمّر الراوي في الفيلم، وخارج نطاقه كذلك.

هيلين ميرين هي راو عليم، لأنها تعرف كل ما يدور في أرض باربي، لكنها أيضًا أكثر من ذلك، إنها ميتا راوي 


لكن، مع موت الراوي، لم تترك ما بعد الحداثة إلا القليل في أعقابها. لقد أصبحنا معتادين كثيرًا على فكرة الراوي غير الموثوق، أمثال تايلر دردِن الذين ابتُليت بهم شاشاتنا وصفحاتنا، معتادين على أن الغموض أصبح هو الطبيعيّ الجديد. فبدلًا عن مراقب متميز، بتنا الآن معتادين على مراقبين نمنحهم نحن امتياز تفكيكنا. وبدلًا عن وجود راوٍ عليم يقرّ بذاتيات متباينة، ويتمكن مع هذا من احتوائها جميعًا ضمن نطاق تركيزه، بات لدينا الآن ذاتيات تتحلّل كليًا. لكن، تبدو هذه العدمية منفصلة عن الواقع. لهذا السبب، التغيير قادم. في تلك المقالة ذاتها حول "ميدل مارش"، كتب يوجين غودهارت التالي: "أريد أن أسوق الحجج دفاعًا عن هذه المفارقة... أن السرد العليم قد يكون ضروريًا في عالم تمزقه المناظير المتعاكسة، أن احترام المناظير المتعددة الموجودة في العالم يعتمد على تلك المفارقة". هذا الرأي هو تمامًا ما تدعو إليه المناظير النقدية الجديدة مثل الميتاحداثة.

الميتاحداثة هي أحد المصطلحات الجديدة التي يحاول النقاد بواسطتها وصف فترتنا الثقافية. لكن، ورغم أنه يمكن القول إنها بدأت عند حوالي مطلع الألفية، الميتاحداثة هي بالدرجة الأولى، "بنية شعور" ينبثق من كلٍّ من الحداثة وما بعد الحداثة ويتفاعل معهما في الآن ذاته. وهي توصف، من قبل مؤيديها الأكثر حماسة، روبن فان دِن آكر وتيموثيوس فيرميولين، على أنها "تذبذبٌ أكثر منها توليفة، انسجام، توافق، وما إلى ذلك". إن موقف التذبذب هذا هو ما يغيّر رواتنا. 

حتى إذا لم تحظ بشرف بمشاهدة فيلم غريتا غيرويغ الذي حقق نجاحًا ساحقًا عام 2023 "باربي"، ستعرف أن هيلين ميرين تلعب دور الراوي فيه. وبمجرد مشاهدة الفيديو الترويجي، ستسمع صوتها الأيقوني يتداخل مع المقطع الافتتاحي للفيلم: "منذ بداية الزمن، منذ أن وجِدت أول طفلة صغيرة، كانت هنالك دمى". تتجاوز هذه الافتتاحية تلك المقدمة الكليشيه التي أشرتُ إليها سابقًا. وإشارة الراوي إلى هذه الحكايات الخرافية، بدلًا عن استحضار مشاعر الشك، يربطنا بالفيلم أكثر. الإشارات المرجعية، في الأعمال الميتاحداثية، ينبغي الاستمتاع بها. وكما تشير ماري هولاند، يتسم القرن الواحد والعشرين بمزاجِ إمكانيةٍ، وهذا المزاج يُلتقط غالبًا من خلال أفعال لغوية واعية بذاتها. لكن، هذه الأفعال في الوقت ذاته تُلطَّف بوعي ذاتي حاسم. والمفارقة الساخرة في مزعم هيلين ميرين، أنه منذ بداية الزمن كانت هنالك دمى، لا تفوتنا. إنها، بالتالي، مدركة أن سردها يعمل وفق نهج حداثي، في حين يعمل في الآن ذاته على تفكيك نفسه. وبوسعنا أن نجد المتعة في سردها عندما نتلذذ بعبثِ هذا التذبذب.

بالتالي، هيلين ميرين هي راو عليم، لأنها تعرف كل ما يدور في أرض باربي، لكنها أيضًا أكثر من ذلك، إنها ميتا راوي؛ فهي قادرة على التوقف والتعليق على البنى الخارجية لسرد الفيلم. عندما تشتكي باربي النمطية أنها لم تعد "بجمال باربي النمطي"، تقاطع هيلين ميرين الفيلم - أي أنها ماديًا توقف الزمن والحركة السردية- بالقول: "ملاحظة لصانعي الأفلام: إذا أردتم أن تثبتوا هذه النقطة، مارغو روبي ليست الشخص المناسب لاختياره للدور". وهذا ينجح لأنه يتيح لفيلم "باربي" أن يُوجَّه بمنظور عليم مشيرًا في الوقت ذاته وبشكل هزلي إلى طابعه المصنوع. فيلم "باربي" يسائل وحدته المصطنعة ويستمتع بها في الآن ذاته.

ما نراه في أعمال السينما والأدب الميتاحداثية هو بعثُ الراوي. وهذه ليست عودة إلى واقعية عليمة، تجريبية هزلية أو تفكيكية عدمية. بالأحرى، إنها كل ما سبق في الآن ذاته. إنها موت الراوي كما نعرفه. وفي أعقابها، نرى إعادة ولادة، إعادة ولادة يمكن فيها أن يكون أي شيء وكل شيء سردًا وهو سرد. الأهم أن نقرّ بهذا بوعي ذاتي منشرح الصدر. لقد انتقلنا منذ ذلك الحين من تأكيد بارت على أن الكتابة فضاء حيادي. والآن، بدلًا عن ذلك، تحاول السرديات الاحتفاءَ بإمكانية أصواتها وهوياتها وتعددها، مع معرفتها أن كل تمثيل محدود في نطاقه. هكذا، لم يعد ثمة داع للخوف من ذلك التمييز بين التخييل والحقيقة. فالميتاحداثة تظهر لنا أنه في كل تخييل يمكن أن تكون هنالك حقيقة، وأن الإشارات المرجعية تجلب الارتباط، وأن الراوي ليس إلا أداة أخرى في صندوق عدّتنا التي نحاول بها أن نفهم العالم.

 

(*) مارغريتا فولباتو: كاتبة ومحررة مساهمة في مجلة "IAI News" التابعة لمعهد الفن والأفكار في المملكة المتحدة. خريجة قسم اللغة الإنكليزية، متخصصة بالتعليق الثقافي والفلسفي، مع تركيز على مواضيع النظرية السردية، وتحولات الخطاب الثقافي.

 

رابط النص الأصلي:

https://iai.tv/articles/the-death-of-the-unreliable-narrator-auid-2694?fbclid=IwY2xjawLfjMdleHRuA2FlbQIxMQABHlKp-KhVf21_FwKMAkX-MtReKVsRyVnhlQVn2JIMX-7Mip6kvvBqtZUFOCSV_aem_7JfiqZI8DyJd6tcNF0psFw

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.