}

أوليمب دو غوج (ماري غوزي) وحقوق المرأة

فريدريش فايسباخ 23 أغسطس 2025
ترجمات أوليمب دو غوج (ماري غوزي) وحقوق المرأة
أوليمب دو غوج (Getty)
ترجمة وتقديم: سوار ملا


تقديم

ثمّة قضايا في التاريخ الإنساني لا تكفّ عن مساءلتنا: عن كيفية تشكّل وعينا، عن الطرائق التي نتصوّر بها ذواتنا، وعن الحدود التي تُرسَم داخل هذا التصوّر بوصفها حتميّات، فيما هي في جوهرها ممارسات موروثة، ونتاج لتراكم اجتماعي طويل. قضية المرأة واحدة من تلك القضايا التي تفضح، كلّما أعيد تأمّلها، البُنى الخفيّة التي تنحت الوجود الاجتماعي، وتعيد إنتاج اللامرئي في قلب المألوف، واللامفكَّر فيه ضمن ما يُقدَّم كاستقرار وحداثة وعقلانيّة اجتماعية. في هذا النص، تُستحضَر أوليمب دو غوج كشخصيّة تاريخيّة مركّبة، يتكثّف فيها التفاعل بين الجسد والسلطة، بين التمثيل والاختفاء، خارج الصور الاختزاليّة والقراءات الرمزيّة المطمئنة. فكلّ عودة إلى سيرتها تحرّك طبقة دفينة من طبقات النسيان الاجتماعي، وتعيد طرح الأسئلة المؤجّلة حول مَن يُسمَح له بالكلام، ومتى، وبأيّ ثمن. تكمن أهمّية هذه الشخصيّة في تداخل مستويين يستعصي فصلهما: أوّلهما سياقها التاريخيّ، الذي يجعل من ظهورها حدثًا شاذًّا في بنية مغلقة، كانت فيها السلطة الذكوريّة تنطق باسم "الطبيعة"، وتقصي كلّ تمرّد بوصفه خطرًا أخلاقيًّا وتهديدًا للتماسك الاجتماعي؛ وثانيهما راهنيّة مواقفها، التي لم تفقد حدّتها رغم مرور أكثر من قرنين، إذ تمسّ جوهر التمثيل السياسي والاجتماعي للمرأة، لا كامتدادٍ لغيرها، ولا كوظيفةٍ في منظومة تقوم على الامتلاك أو الإقصاء، بل بوصفها كينونةً مكتملة السيادة. الأسئلة التي فجّرتها دو غوج لم تُجب عنها بعد، بل تراكمت حولها طبقات من التبسيط أو التجاهل، لا سيّما في مجتمعات ما زالت تؤطّر حضور المرأة ضمن مفاهيم الشرف، والواجب القرابي، والوظيفة التناسليّة. وما يكشفه تأمّل سيرتها هو البطء المروّع في تحوّل البنية الاجتماعية، رغم التسارع الظاهري في أدوات التعبير وفي الوسائط التقنية، وكأنّ الزمن الداخلي لهذه البُنى يسير على إيقاعٍ مضادّ لخطاب التقدّم. سيرة دو غوج تتيح، ضمن هذا الأفق، فهمًا أعمق لتعقيد التحوّل الإنساني حين يتعلّق الأمر بالبُنى الجندريّة، باعتبارها بُنى معرفيّة وتاريخيّة تُعيد تشكيل تصوّرات الكينونة ذاتها.

النص

"أفيقي، أيتها المرأة، (...) أدركي حقوقك!"- بهذه الكلمات تستهلّ أوليمب دو غوج خاتمة إعلانها المعنون بـ "حقوق المرأة". نُشر هذا النصّ عام 1791، في ذروة الحراك الثوريّ الفرنسي، ولا تقتصر أهميّته على كونه من النصوص التأسيسيّة للفكر النسويّ، إنّما، أيضًا، بوصفه مساهمةً أساسيّة في الفكر السياسيّ الحديث عمومًا. إنّه يُشكّل طرحًا مُضادًا لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أقرّته الجمعية الوطنيّة عام 1789، وبيانًا نضاليًّا من أجل المساواة السياسيّة والاجتماعيّة للنساء. وهو أيضًا مرافعةٌ من أجل عدالةٍ في توزيع الملكيّة، وتقرير المصير الذاتيِّ، واعترافٍ بتكافؤ البشر في اختلافاتهم، في مواجهة الامتياز الذكوريّ، وضدّ الفهم الشكليّ الصِرف للحرّيّة والمساواة.
استلهم النصّ، في بنيته ومضمونه، الموادّ السبع عشرة لإعلان الجمعية الوطنيّة، واستُتبِعَ بـ "عقدٍ اجتماعيّ بين الرجل والمرأة"، مستوحًى من العقد الاجتماعيّ لجان جاك روسو. ويُعدّ هذا النصّ، في الواقع، من الإرهاصات التمهيديّة لإعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، كما شكّل مرجعًا مبكرًا للاتفاقيّات الدوليّة الخاصة بحقوق المرأة، مثل اتفاقيّة الحقوق السياسيّة للمرأة (1952)، أو اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة لعام 1979.
نُسِجت حول أوليمب دو غوج أساطيرُ وسِيَر، وتباينت النظرات التاريخيّة إلى شخصيّتها عبر الزمن، فتأرجحت بين وسمٍ مرضيّ يصنّفها على أنّها "مختلّةٌ تعتريها أوهامٌ بطوليّة"، وتشويهٍ يصوّرها كـ "نديمةٍ لأصحاب النفوذ"، وبين تمجيدٍ يرفعها إلى مصافّ "الجدّة الكبرى للفكر النسويّ". وعلى الرغم من أنّ بعض هذه التوصيفات تبدو منبتّةً عن واقعها، وتنطق عمّن أطلقوها أكثر ممّا تكشف عنها، فإنّ حياة دو غوج وفكرها، على اختلاف القراءات، ما برحا يشكّلان ظاهرةً استثنائيّة جديرةً بالتأمّل – بصفتها فيلسوفة، وكاتبةً مسرحيّة، ومناضلةً في ميدان الفكر.
في السابع من أيّار/ مايو 1748، وُلدت ماري غوزي، ابنةً "رسميّةً" للقصّاب بيير غوز وزوجته آن أوليمب موسيه. غير أنّها كانت، على الأرجح، ثمرة علاقةٍ خارج إطار الزواج بالماركيز جان- جاك لوفرانك دو بومبينيان، الكاتب المسرحيّ البارز آنذاك. نشأت ماري في كنف الفقر، وتلقّت من التعليم ما لا يتجاوز الحدّ الأدنى الضروري لتعلّم القراءة والكتابة. وفي السابعة عشرة، فُرض عليها الزواج قسرًا. وقد وصفت تلك التجربة لاحقًا بقولها: "لقد قُدِّمتُ قربانًا، من دون أيّ مبرّر، ومن دون ما يُعوّض النفور العميق الذي كنتُ أشعر به تجاه ذلك الرجل". لكنّ زوجها ما لبث أن توفّي بعد عامٍ على زواجهما، تاركًا إيّاها مع طفلها الرضيع، بيير، الذي بقي وحيدها مدى الحياة. ومنذ ذلك الحين، رفضت دو غوج فكرة الزواج رفضًا قاطعًا، ووصفتْه بأنّه "قبرُ الحبّ والثقة". لقد تركت تجربتا نشأتها كابنةٍ وُلدت خارج إطار الزواج من أحد النبلاء، وزواجها القسري، أثرًا بالغًا ومستمرًّا في مسار أوليمب دو غوج الفكري، وظهر ذلك جليًّا في نصّها حقوق المرأة. ففي المادة الحادية عشرة، تُبرّر دو غوج الحقّ في حرية الرأي والتعبير انطلاقًا من كون هذه الحرية هي وحدها ما يتيح للمرأة أن تُعلن أبوّة الطفل من غير خوف، فتكتب: "لكلّ مواطنةٍ الحقّ، بكلّ حرّيّة، أن تقول: 'أنا أمٌّ لطفلٍ أنت والده'، من غير أن تُجبرها أحكامٌ ظالمةٌ ولا إنسانيّة على كتمان الحقيقة". وتطالب، في العقد الاجتماعي الذي صاغته، بأن يكون "للأطفال، من دون أيّ تمييز، الحقّ في حمل اسمي الأب والأمّ"، بما يضمن لهم اعترافًا قانونيًّا كورثةٍ كاملين ومتساوين في الحقوق. لقد شكّل هذان المطلبان، في جوهرهما، ردًّا مباشرًا على العواقب الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة التي كانت تترتّب، في زمنها، على حملٍ خارج مؤسسة الزواج، أو على عيش المرأة كأمٍّ وحيدةٍ تعيل طفلها منفردة.

السلطة والعجز

ببصيرتها النافذة، واجهت أوليمب دو غوج بنية العلاقات الاقتصاديّة الكامنة في نظام الزواج، وما تنطوي عليه من دلالاتٍ تمسّ استقلال المرأة وكرامتها. واقترحت، لضمان إعالة النساء وأطفالهنّ، تحويل الثروة الزوجيّة إلى شراكةٍ ماليّة، تُقسَّم فيها الحصص بالتساوي في حال الانفصال. وفي المادة السابعة عشرة من إعلانها، كتبت: "الملكيّة حقٌّ مُشتركٌ بين الجنسين، سواء على نحوٍ فرديّ أو في إطارٍ جماعيّ". أن تتحدّث دو غوج بتلك الصراحة عن إمكانيّة الانفصال كان، في حدّ ذاته، طرحًا تقدّميًّا؛ وقَرن ذلك بمطلبٍ واضح لتقاسم الثروة، كان موقفًا ثوريًّا قلبَ موازين السلطة الاقتصاديّة رأسًا على عقب. استمرار هذا الجدل، حتى اليوم، بذات الحيويّة، خير دليلٍ على عمق الطرح الذي تقدّمت به دو غوج. بعد الرحيل المبكّر لزوجها، انتقلت الأرملة الشابّة إلى باريس، واتّخذت لنفسها اسم "دو غوج"، وبدأت تشق طريقها لتصبح شخصيّةً فاعلة في الفضاء العام. لم ترضَ بالمكانة الاجتماعية التي فُرضت عليها، فسعت إلى بناء مسارٍ مهنيّ مستقلّ، وانتزاع موقعٍ مرموق في مجتمعٍ يضيق بالنساء المستقلّات. وقد ساعدها في ذلك، إلى جانب حِدّة فكرها، جمالها اللافت، الذي جلب لها الإعجاب والتقدير، كما جلب لها الغَيرة والتشهير.

 صوفي دو كوندورسيه (الماركيزة): صاحبة أحد أبرز الصالونات الفلسفية في أوروبا


في تلك السنوات الباريسيّة الأولى، تعرّفت إلى جاك بياتريكس دو روزيير، الذي قدّم لها دعمًا ماليًّا استمرّ لما يقارب العقدين، ما أتاح لها النفاذ إلى أوساط من الأرستقراطيّة والبرجوازيّة الرفيعة. وفي تلك المرحلة، ترسّخت صورتها كنديمةٍ لأصحاب النفوذ – وهي تهمةٌ أخلاقيّة ظلّت تلاحقها حتى بعد وفاتها، كما لاحقت نساءً كثيرات رفضن الخضوع لمؤسسة الزواج وظهرن في الحيّز العام بثقةٍ واستقلال. لم تُخفِ أوليمب دو غوج، في الوقت ذاته، وعيها بما تنتهجه النساء من أساليب خاصّة لانتزاع مصالحهنّ في وجه سلطة الرجل. فبعض صفات الدهاء والمكر، التي كثيرًا ما نُسبت إليهنّ، ليست بلا مسوّغ، كما تقول؛ فالنساء إنّما يسترجعن بها، في واقع الأمر، ما سُلب منهنّ قسرًا.




فالإقصاء المنهجيّ الذي تعرّضن له من ميادين السياسة، وساحات القضاء، والمؤسّسة الدينيّة، دفعهنّ إلى ابتكار سُبلٍ بديلة لفرض مصالحهنّ وانتزاع حيّز للفعل. ولا سبيل للخروج من هذا الدور المزدوج، الموسوم بمفارقة القوّة والعجز، إلا بالإقرار بالمساواة الكاملة للنساء، على الصعيدين السياسيّ والاجتماعيّ. ومن هنا جاء إصرار دو غوج، في المادتين السادسة والثالثة عشرة، على ضمان حقّ النساء في الوصول إلى "المراتب الاعتباريّة، والمواقع، والوظائف العامّة"، ودعوتها إلى توزيعٍ عادلٍ للمناصب، والتعيينات، والمهامّ العموميّة. قبل قرنين من تفجّر الجدل المعاصر حول الكوتا النسائيّة، كانت أوليمب دو غوج تقف في طليعة المدافعات عنها.

والثورة من ورائها

بفضل الدعم الماليّ الذي تلقّته من جاك بياتريكس دو روزيير، لم تكتفِ أوليمب دو غوج بترسيخ مكانةٍ اجتماعيّة لافتة، بل انكبت، عبر الدراسة الذاتيّة، على تعلّم القراءة والكتابة، وراكمت معارف واسعة في تاريخ فرنسا، والآداب الإغريقيّة والرومانيّة، والمسرح، والفكر السياسيّ. أولت اهتمامًا خاصًّا بأعمال جان- جاك روسو، التي كانت في أوج تأثيرها آنذاك. وكان مرشدها وصديقها الأقرب الفيلسوف والكاتب المسرحيّ التنويريّ الشهير لوي- سيباستيان ميرسييه، الذي سيبرز لاحقًا بوصفه من أبرز وجوه التيّار الجيرونديّ المعتدل، في معارضته للتيّار اليعقوبيّ الراديكاليّ خلال الثورة. دعم ميرسييه موهبتها وساندها في خطواتها الأولى نحو الكتابة، في مطلع ثمانينيّات القرن الثامن عشر. ومن بين أعمالها المبكّرة، رواية ذات طابع سيريّ بعنوان "مذكّرات السيّدة دي فالمون"، كتبتها عام 1784 ونُشرت عام 1788، إلى جانب مسرحيّة "زامور وميرزا"، التي ندّدت فيها بوضوح بعبوديّة السود، فشكّلت، منذ لحظة صدورها عام 1786، وقبل أن تُعرَض على الخشبة، فضيحةً سياسيّة مدوّية. وقد تعرّضت دو غوج إثر ذلك لتهديداتٍ صريحة من أنصار الاستعمار وتجارة الرقّ، الأمر الذي حال دون عرض المسرحيّة في حينه. ومع ذلك، لم تُربكها محاولات إسكاتها وتكميم صوتها، بل واصلت نضالها حتى لحظة موتها، مدافعةً عن حقوق السود، وداعيةً، بدون مواربة، إلى إلغاء نظام الرقّ. ففي عام 1788 نشرت كُتيّبها التنويري "تأمّلات في الرجال الزنوج"، كما تناولت في خاتمة إعلانها حقوق المرأة مسألة الحقوق المدنيّة للسود. قادها هذا الانخراط المتزايد في قضايا العدالة والحرّية إلى الانضمام تدريجيًّا إلى دوائر النشاط السياسيّ، ولا سيّما في صفوف الجيرونديّين، إلى جانب أونوريه ميرابو، وجاك بريسو، والزوجين كوندورسيه. وفي صالون الماركيزة صوفي دو كوندورسيه، أحد أبرز الصالونات الفلسفيّة في أوروبا آنذاك، التقت دو غوج نخبةً من المفكّرين البارزين، من بينهم الاقتصاديّ آدم سميث، والمفكّران الأميركيّان توماس جيفرسون وتوماس بين، والمنظّر السياسيّ بنجامين كونستان.

جيزيلا بوك: مؤرخة معاصرة قدمت تفسيراً عميقاً لفكر دو غوج


الجانب الاجتماعي للحرية

مع اندلاع الثورة، تعزّز انخراط أوليمب دو غوج في النشاط السياسيّ، فتتبّعت الأحداث الجارية بحماسة، وأسهمت في نشر عددٍ كبيرٍ من المنشورات السياسيّة، والملصقات الجداريّة، والمقالات الفلسفيّة. وجّهت نقدها إلى العبوديّة، وعقوبة الإعدام، وحالات الفقر المدقع، ودافعت عن حقوق النساء وحرّيّة التعبير الشاملة، كما دعت إلى فرض ضرائب صارمة على مظاهر الترف والبذخ. وكان موقفها من النظام الملكيّ لافتًا في فرادته؛ إذ لم تطالب بإلغائه كما فعل كثيرون من رفاقها، بل دعت إلى تحويله إلى ملكيّة دستوريّة تقوم على برلمانٍ يمثّل الشعب، ولا سيّما ممثّلات عنه من مختلف الطبقات الاجتماعيّة. لذلك، عبّرت عن فرحها حين وقّع الملك، في 5 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1789 – تحت ضغط الاحتجاجات النسائيّة – مراسيم الجمعيّة الوطنيّة، ممهّدًا بذلك الطريق لتغيير النظام السياسيّ. غير أنّها ما لبثت أن أدركت أنّ هذا التحوّل، بالرغم من إعلان حقوق الإنسان، لم يؤدّ إلى تغيير فعليّ في مصير النساء، اللاتي بقين مبعَدات عن المجال السياسيّ. لعلّ هذه التجربة، تجربة الإقصاء عن المشاركة الفعليّة، كانت الدافع الأساسيّ الذي حدا بـ دو غوج إلى كتابة إعلان حقوق المرأة. ففي المادة العاشرة، تنصّ، في عبارةٍ موجزة وحادّة، على أنّ: "المرأة التي لها الحقّ في أن تصعد المقصلة، ينبغي أن يكون لها الحقّ في اعتلاء منابر الكلام أيضًا". وهكذا، بهذه الجملة البليغة، تستهلّ دو غوج ديباجتها: "إنّ الأمّهات، والبنات، والأخوات، وممثّلات الأمّة، يطالبن بتكليفهنّ كجمعيّة وطنيّة". ومنذ السطر الأوّل، توضّح دو غوج أنّها لا تطالب بمجرّد اعتراف مبدئيّ بالنساء كبشر متساوين، بل كأفرادٍ يتميّزن بخصائص نوعيّة، كالقدرة على الإنجاب، على سبيل المثال. تلخّص المؤرّخة جيزيلا بوك مقصد دو غوج بدقّة، بقولها: "النساء بشر، ليس على الرغم من كونهنّ نساء، بل لأنّهنّ نساء". ولهذا السبب أيضًا، لا تتناول دو غوج "النساء" كوحدة جمعيّة مجرّدة، بل تشير إلى الأدوار الفرديّة التي تضطلع بها النساء، تبعًا لاختلاف وظائفهنّ ومواقعهنّ في النسيج الاجتماعيّ المشترك. يتعلّق الأمر، لدى دو غوج، بتفكيك الهويّة الذكوريّة، بوصفها النموذج المعياريّ للوجود الإنساني، والتصوّر المثاليّ الذي تُبنى عليه حقوق الإنسان، بما ينطوي على تجاهلٍ للشروط التاريخيّة التي يتشكّل في إطارها الكائن البشري. لم تكن غاية دو غوج تحقيق مساواة قائمة على محو الفوارق داخل كينونة بشريّة مجرّدة، بل سعت إلى مساواة اجتماعيّة ملموسة، تنطلق من الاعتراف الصريح بهذه الفوارق. وعلى هذا الأساس، بلورت دو غوج، في المادة الرابعة، تعريفًا مغايرًا للحرّيّة. فبينما عُرّفت، في إعلان حقوق الإنسان، على أنّها "القدرة على فعل كلّ ما لا يضرّ بالآخر"، وهو تعريف يرتبط ضمنًا بحقّ الملكيّة، ترى دو غوج أنّ الحرّيّة والعدالة – هذا المفهوم غائب تمامًا عن الموضع المشار إليه في الإعلان – تتمثّلان في ردّ الحقوق إلى أصحابها. وهكذا، يصبح مفهوم الحرّيّة، في تصوّرها، مشبعًا ببعده الاجتماعيّ، لا يتحقّق في العزلة أو التمايز، بل في نسيجٍ من الترابط والمشاركة.

ومن اللافت أنّ دو غوج، كما أعمالها، لم تُؤخَذ على محمل الجدّ من قِبل معاصريها، بل جرى تهميشها ضمن سرديّة التاريخ الذكوري. لكنّ نظرةً استدراكيّة إلى الماضي تكشفها كشخصيّة رؤيوية جريئة، ظلّ حلمها بتحقيق مساواة حقيقيّة للمرأة عصيًّا على التحقّق، حتى بعد أكثر من مائتين وثلاثين عامًا. وقد حوكِمت محاكمةً صُوريّة أمام "محكمة الثورة"، وصدر بحقّها حكم الإعدام بتهمة "خرق سيادة الشعب"، بعدما تمرّدت على نظام الإرهاب الذي فرضته الجمهوريّة الأولى تحت سلطة من كانت تبغضهم: روبسبير ودانتون. لم تكتف دو غوج بالدعوة لحرية التعبير ومساواة المرأة، بل عاشت حياتها وفقًا لهذه المبادئ، ودفعت ثمن ذلك في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 1793، حين أُعدِمت علنًا في ميدان الثورة. وفي أحد منشوراتها الأخيرة، المهرّبة من السجن، تقول: "سوف يرتفع صوتي من أعماق القبر ويجد من يُنصت إليه". وليس أمامنا إلا أن نأمل بأنّ حدسها هذا سيصدق.

(*) نشرت هذه المقالة في مجلة الفلسفة الألمانية بتاريخ 25 نيسان/ أبريل 2025.

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.