}

عندما تُهدّد"غافام" (GAFAM) النظام الليبرالي

شين تروتر 26 أغسطس 2025
ترجمات عندما تُهدّد"غافام" (GAFAM) النظام الليبرالي
تمارس غافام نفوذًا مطلقًا على العالم الرقمي (Getty)
ترجمة: إسكندر حبش

أصبحت شركات التكنولوجيا الخمس الكبرى (غافام- GAFAM) - غوغل، أمازون، فيسبوك، آبل، مايكروسوفت- قويةً كالدول. تمارس نفوذًا مطلقًا على العالم الرقمي، وبالتالي على حياتنا. لذا، يبدو تدخل الدولة الحل الوحيد القابل للتطبيق، لكنه يثير معارضة شديدة في الأوساط الليبرالية والمتحررة، التي ترفض تدخل السلطة العامة في منطق السوق، أي منطق المنافسة. ومع ذلك، وكما يشير الكاتب الأميركي شين تروتر، في هذه المقالة، فإن هذا المنطق تحديدًا هو المعرّض للخطر اليوم. إن وجود احتكارات قادرة على سحق جميع منافسيها بسهولة يشوه تمامًا المنافسة التي يُفترض أنها القاعدة في النظام الليبرالي.

المقالة

في القرن التاسع عشر، عندما توافد المستوطنون البريطانيون على دلهي، اشتكى الكثيرون من أفاعي الكوبرا السامة التي كانت تغزو الشوارع. ردًا على ذلك، أطلقت الحكومة البريطانية برنامجًا: مكافأة مالية مقابل كلّ أفعى كوبرا ميتة. بدأ السكان المحليون بتربية أفاعي الكوبرا وقتلها لجمع المكافأة. عندما أدركت الحكومة الاستعمارية ذلك، تراجعت، ممّا دفع الهنود الغاضبين إلى إطلاق سراح الأفاعي. أدّت هذه المحاولة للقضاء على الكوبرا في الشوارع إلى تضاعف أعدادها ثلاث مرات.

يُحبّ التحرريون الإشارة إلى هذه الأمثلة على السياسات التي زادت الأمور سوءًا - وهي ظاهرة تُعرف بـ"قانون الآثار المنحرفة". وكما كتب الاقتصادي فريدريك هايك: "المهمة الغريبة للاقتصاديين هي أن يُظهروا للناس مدى ضآلة معرفتهم بالأمور التي يتخيلون أنهم قادرون على التخطيط لها".

الآليات الاجتماعية معقدة للغاية. يتمتع معظم الناس بحسّ المسؤولية الشخصية الذي يُبرز أفضل ما في بعضهم البعض وفي المجتمع ككل. من ناحية أخرى، تُعامل التدخلات البيروقراطية الناس معاملة الأطفال وتُخاطر بآثار سلبية. في كثير من الأحيان، يكون الاعتماد على كفاءة الأفراد أفضل من الاعتماد على إكراه الحكومة.

لكن التحررية ليست الحلّ دائمًا. يُسقط التحرريون رؤية عالمية من القرن التاسع عشر على المشهد المعاصر، مُقلّلين من شأن مدى تغيّر الأمور.

تُشنّ حروب اليوم بالطائرات المسيّرة والعقوبات الاقتصادية، في ظلّ التهديد الدائم بالأسلحة النووية. أصبحت الاقتصادات متشابكة، والأسواق مترابطة، وسلاسل التوريد تمتدّ حول العالم. يقترب عدد سكان العالم من ثمانية مليارات نسمة، ولكننا لا نملك أي فكرة عن كيفية إدارة النمو اللانهائي على كوكب ذي موارد محدودة، أو كيفية الاستجابة لارتفاع معدلات البطالة مع دخول الأتمتة إلى نطاق التشغيل الكامل، كما يتضح من روبوت بوسطن ديناميكس القادر على نقل أكثر من ثمانمائة صندوق في ساعة واحدة. لقد أصبحت سوق العمل التي تعتمد بشكل متزايد على المهارات متقلبة ومتذبذبة، حيث أصبح الناس محرومين من الجذور والمعنى في حياتهم، وفي الوقت نفسه، أصبح العديد منهم ملتصقين بشاشات تتعقب وتبيع كل نبضة من دوافعهم.

التحررية، في جوهرها، لا تواكب الحداثة بسبب موقفها من ثورة تكنولوجيا المعلومات. ومن المفارقات أن معظم كبار رجال الأعمال في وادي السيليكون ليبراليون معروفون. يتمنون لو تُعفيهم الحكومة من مسؤولياتهم ليتمكنوا من التكيف والتنافس باستمرار. ولذلك، سيفعلون ما تجيده السوق الحرة: توفير كفاءة أكبر وإمكانيات أوسع بأسعار معقولة. ظاهريًا، يبدو نجاح شركات الــ GAFAM مبررًا للنهج الليبرالي. لكن هذا النهج يُشكل تهديدًا خطيرًا للمجتمع. تمارس بعض الشركات الآن مستوى من السيطرة على حياتنا يتجاوز، في نواحٍ عديدة، سيطرة الحكومات - وهي تمارسه من دون خضوع للمساءلة أمام الإرادة الشعبية.

يطالب التحرريون بتقليل تدخل الحكومة، وبمزيد من الحرية في إدارة حياتهم كما يحلو لهم. وقد دفعهم هذا تقليديًا إلى المطالبة بتقليل التدخل في الشؤون الخارجية، والدعوة إلى إلغاء تجريم الجرائم التي لا ضحايا لها، ودعم اقتصاد السوق الحر. يعتقدون أن السوق تصحح نفسها بنفسها، وأن محاولة تنظيمها بقيود من أعلى إلى أسفل لا تؤدي إلا إلى خلق المشاكل. لكن هذه المعتقدات تضع التحرريين أحيانًا في خلاف مع قيمهم المعلنة.

تتصرف غوغل تمامًا كالمستعمر (Getty)


شهد أواخر القرن التاسع عشر تحولًا سريعًا في الولايات المتحدة. فقد أتاحت سنوات من السياسات الليبرالية لبعض الأفراد، مثل جون د. روكفلر، وأندرو كارنيجي، وجي بي مورغان، الوصول إلى مراكز احتكارية وجمع ثروات طائلة. عمل معظم الناس في وظائف مُرهِقة، في ظروف غير إنسانية، وبأجور زهيدة للغاية، لدرجة أن أسرهم لم تكن قادرة على تلبية احتياجاتهم إلا إذا بدأ أطفالهم العمل في سنّ مبكرة للغاية، وأحيانًا في سن الخامسة. عاش عدد كبير جدًا من العمال في مساكن دون المستوى المطلوب، يكدحون من الصباح إلى الليل، بدون أمل في تحسين ظروفهم. وبدون أي مبرر للنظر في الآثار الخارجية السلبية، مارس المصنعون التلوث، وقصروا الإجراءات، وطردوا عمالهم المصابين على خطوط الإنتاج. طغى العمل على كل الاعتبارات الأخرى.

في حين أن هذا النهج مكّن التقدم التكنولوجي، فإنه بدلًا من تشجيع الإبداع والاستقلال بين السكان، عزز اللامبالاة والسُكر، ومستويات تاريخية من القلق والاكتئاب - ما أسماه الأطباء آنذاك "وهنًا عصبيًا". وكلما ازدادت الاحتكارات التي ابتليت بها كل تجارة في الولايات المتحدة، كلما أصبحت البيئة الاقتصادية أقل حرية. تماشيًا مع الفرضية الليبرالية، جاء جزء من الحل من المنظمات المحلية. ازدادت قوة النقابات، وتكاتف الناس لتحدي قيم عصرهم والدفاع عن المرونة البدنية والفضيلة والمهارات الشخصية. أدى ذلك إلى زيادة هائلة في عدد الصالات الرياضية والبرامج الرياضية للشباب، مثل تلك التي تقدمها جمعية الشبان المسيحية (YMCA) وكشافة أميركا. ومع ذلك، لعب التدخل الحكومي دورًا رئيسيًا أيضًا: لمنع قلة من الأثرياء من السيطرة المطلقة على حياة الأميركيين، أصدرت الحكومة قوانين مكافحة الاحتكار وحماية العمال. كما أطلقت مبادرات إيجابية أخرى، مثل مبادرة إنشاء ملاعب رياضية وترفيهية خارجية في المناطق الحضرية.

قد يحتجّ التحرري على أي إجراء حكومي في مواجهة مشاكل اليوم، لكن احتجاجاته ستضعه في خلاف مع أهم قيمه الأساسية. يريد التحرريون الحدّ من التدخل الاستبدادي: يريدون مزيدًا من الحرية ليعيشوا حياتهم كما يحلو لهم، بدون إكراه، وبدون قيود غير ضرورية يفرضها نظام بيروقراطي فوضوي. لكن رفضهم لأي تدخل حكومي قد يُشكّل اليوم عائقًا أمام هدفهم الأساسي.

فكما يوضح ماثيو كروفورد في كتابه "لماذا نقود؟"، فقد اعتدنا على مستوى من اللاإنسانية المؤسسية يُشبه ما يُنسب تقليديًا إلى الهيئات الحكومية: "هل أنت غير راضٍ عن حسابك المصرفي؟ هل كشف حسابك مليء برسوم غامضة ومتكررة لا يستطيع أحد تفسيرها؟ حسنًا، كل ما عليك فعله هو فتح حساب في مكان آخر. الأمر بسيط. ما عليك سوى التواصل مع حوالي اثنتي عشرة جهة (لكل منها جهازها الإداري الخاص) التي تُطبّق عليك الخصم المباشر شهريًا، ثم كل ما عليك فعله هو إخطار الشخص المناسب في قسم الموارد البشرية لدى جهة عملك حتى يُدفع راتبك إلى الحساب الصحيح. إذًا، نعم، يمكنك أن تكون دقيقًا في اختيار سارق بنكك، أو مزود خدمة الإنترنت، أو شركة هاتفك المحمول، أو سيارتك، أو تأمينك الصحي، كل ما عليك فعله هو أن تكون مستعدًا لأن تصبح موظفًا بيروقراطيًا بدوام كامل، مجانًا. يبدو أن هذا يكفي لتكون حرًا، بمفهوم السوق الحرة. لكن من يملك الوقت؟ إذًا، نعم، نحن غاضبون... إنه استياء العبد الذي يرى ضعفه الموضوعي ويحلم بالانتقام".

هذا الشعور بالعجز في مواجهة وحشٍ بعيدٍ بلا وجهٍ أمرٌ شائعٌ في سوقنا الحرّة الحديثة: فعندما لا تكون الأسواق تنافسيةً بما يكفي، أو عندما تمتلك الشركات نفوذًا مفرطًا، ينتهي بها الأمر إلى أن يكون لها تأثيرٌ يُضاهي تأثيرَ أكثر الحكومات تدخلًا. وهذا ينطبق تحديدًا على الـــ "غافام"، التي يعتمد نموذج أعمالها على قدرةٍ إلهيةٍ على التأثير في سلوكنا.

السوق التقليدية بسيطة: تقرر أنك بحاجة إلى زوج من الأحذية، فتعطي المتجر المال، ويقدم لك المتجر الأحذية في المقابل.

إلا أنه في سوق جذب الانتباه، تُقدم الخدمات مجانًا تقريبًا. أنت تستفيد من المنتج، بينما يتقاضى المنتج أجره من خلال الإعلانات. تدفع الشركات مقابل المساحة والذكريات الدقيقة حيثما يكون هناك أكبر عدد من المشاهدين وحيث يكون التأثير الاجتماعي أكبر. كلما قضيت وقتًا أطول في تصفح الصفحة والنقر على الروابط التي تقدمها، تدفقت عليك الأموال. في هذا النموذج التجاري، لسنا العملاء، بل المنتج المعروض للبيع. ولجذب المزيد من الناس، نحتاج إلى أساليب أكثر تطورًا.

اقتصاد الاهتمام ليس جديدًا، فالإعلانات موجودة منذ زمن طويل في الإذاعة والتلفزيون. لكنه نما بشكل كبير منذ ظهور الإنترنت، وخاصةً منذ انتشار الهواتف الذكية. ومع وجود هذا الكمّ الهائل من الأموال على المحك، تهدف هذه الاستراتيجية بشكل متزايد إلى التلاعب بدوافعنا لاحتكار انتباهنا، وهو أمر، مثل محاولات إقناعنا بتناول الوجبات السريعة، لا يُجدي نفعًا ولا يُفيد المجتمع.

تطلق شوشانا زوبوف على هذه الصناعة الجديدة اسم "رأسمالية المراقبة" (Getty)


تتجلى هذه المشكلة بوضوح في عالم المعلومات. فتقليديًا، كان يُفترض أن مصادر الأخبار الجيدة أكثر نجاحًا من المصادر الرديئة، ما يتيح للجمهور عمومًا الوصول إلى معلومات أفضل. عادةً ما كان الصحافيون المتطفلون في العصر التقدمي يكشفون عن فساد الشركات الكبرى. أما اليوم، فقد أصبحت صناعة الأخبار في جوهرها ترفيهًا مُصنّعًا لإشباع غرائزنا البسيطة. صُمم النظام الإخباري للبقاء وإعادة إنتاج ما يجذب أكبر عدد من المشاهدات.

لكن... ماذا عن غوغل؟ إنه مجرد وسيط محايد، أليس كذلك؟

حسنًا، لا. غوغل هي أكبر وكالة إعلانات في العالم. وهدف صناعة الإعلانات هو التلاعب بسلوكنا لزيادة مشترياتنا من المنتجات التي تُعلن عنها. في الماضي، كان المشاهير يروجون لمنتج معين، ويتبع ذلك حملة ترويجية. لكن غوغل سيطر على سوق الإعلانات باستخدام أساليب مختلفة، اثنتين منها تحديدًا.

أولًا، تُعدّ غوغل بوابةً قويةً للمعلومات الإلكترونية: تُحدّد خوارزميتها المعلومات التي ستظهر لأي بحث. لذا، للمنافسة، يجب على المُعلنين الالتزام بالشروط التي تُحدّدها غوغل. وثانيًا، والأهم من ذلك، تُعدّ غوغل أكبر مالك لمعلومات العملاء في العالم. فبينما كانت الشركات سابقًا لا تستطيع التسويق إلا لفئات سكانية محددة تقريبًا، تسمح غوغل وشركات تتبع البيانات الأخرى، مثل فيسبوك، للشركات الآن باستهداف مجموعات محددة من الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر بحملاتها التسويقية.

تُراقب خوارزميات غوغل وتُحلل تقريبًا كل ما نقوم به على الإنترنت لرسم صورة مُفصّلة عنّا، لمعرفة كيفية التلاعب بنا والمنتجات التي يجب عرضها علينا. المعلومات المُستخدمة في رسم هذه الصورة لا تعتمد فقط على سجلّ بحثنا. ما هي خرائط غوغل؟ وسيلة لتتبعك أينما كنت. ما هو غوغل درايف؟ وسيلة لتتبعك أينما كنت. ما هو الــ "جيميل"؟ وسيلة لاستخلاص معلومات عن أفكارك واحتياجاتك ورغباتك من خلال تحليل الكلمات التي تستخدمها في مراسلاتك. لذا في المرة القادمة التي تقدم لك فيها غوغل خدمة جديدة تبدو رائعة، يجب أن تسأل نفسك، "لماذا تنفق أكبر شركة إعلانات في العالم الأموال على هذا"؟...

على سبيل المثال، لماذا تستثمر غوغل كل هذا المال في السيارات ذاتية القيادة؟ كما يشير ماثيو كروفورد، "ربما يأملون أنه بمجرد أن تتحرّر من الحاجة للنظر إلى الطريق، ستقضي وقتًا أطول في استخدام خدمات غوغل على هاتفك الذكي. باستغلال تنقلاتنا من وإلى العمل... ستصبح تلك الدقائق الخمس والخمسون الثمينة من الانتباه متاحةً للبيع بالمزاد العلني لمن يدفع أعلى سعر. ستكون تحركاتك حول العالم متاحةً لأي شخص يرغب في التعرف عليك عن كثب - لصالح علمٍ عميقٍ وحصريٍّ قادرٍ على توجيه سلوكك. عليك أن تفكر في السيارات ذاتية القيادة باعتبارها استمرارًا للحرب من أجل الاستيلاء على كل دقيقة من حياتك والاستفادة منها، والتي قد تمنحك مساحة خاصة في رأسك".

ربما يكون الهجوم على بياناتنا قد وجد طريقه إلى غرف نومنا بالفعل. على سبيل المثال، تُسجّل أسرّة Sleep Number الإشارات الصوتية من غرف نومك وتتبّع بيانات أخرى يُمكن بيعها لأطراف ثالثة، وفقًا لسياسة الشركة. كلما زادت أجهزتنا المنزلية - من ساعاتنا إلى غسالاتنا إلى مساعدينا الرقميين المفعّلين صوتيًا - المتصلة بالإنترنت، زادت معرفة الشركات بمعلومات عنّا لا نعرفها نحن، وأصبح التلاعب بنا أسهل بكثير. المنتجات التي تُروَّج لها على أنها ابتكارات جديدة ومذهلة - مثل "ساعة آبل الجديدة هذه تقيس مستويات الأكسجين في الدم" - قد تُرسل معلومات إلى شركة التأمين تُشير إلى تدهور صحتك. ونتيجةً لذلك، سترفع شركة التأمين قسط التأمين الخاص بك - في اللحظة التي تبدأ فيها بجعلها تدفع أكثر.

تطلق شوشانا زوبوف [عالمة اجتماع وأستاذة فخرية في كلية هارفارد للأعمال] على هذه الصناعة الجديدة اسم "رأسمالية المراقبة"، وتزعم أننا لا نستطيع أن نتوقع من الشركات أن تتخلى عنها من تلقاء نفسها لأنها مربحة للغاية. كما يوضح ماثيو كروفورد: "يمكن تفسير الاهتمام بالاستهداف على أنه سعيٌ نحو اليقين، ففي نهاية المطاف، يسعى كل تاجر إلى تقدير عائد استثماره في حملاته التسويقية، وهي مسألة احتمالات. وقد حقق الإعلان التقليدي عائد استثمار ضئيل جدًا لكل عميل يتم الوصول إليه. ولكن لنفترض أنك تستطيع الوصول إلى عميل في وقت معين أثناء مشاركته في نشاط معين في مكان معين، وفي حالة فسيولوجية معينة وحالة عاطفية معينة، مع ضغوط اجتماعية معينة، وتاريخ شراء معين، وانعدام الأمن والتطلعات، مع العلم أنه سيحصل على مكافأة عطلة، وأخبرك الذكاء الاصطناعي الخاص بك أن تعبير وجهه في تلك اللحظة يرتبط بمزاج معين؟".

كان من السهل على المعلنين اختراق العقل الباطن وزرع رسائل مغرية فيه بكميات كبيرة. على الأقل، في ذلك الوقت، كانت أفعالهم شفافة بما يكفي لتكوين دفاعات قوية. لكن الميزان يميل لصالحهم، لدرجة أننا سنصبح قريبًا غير قادرين على مقاومة تأثيرهم. ولا سبيل لتجنب تزويدهم ببياناتنا تمامًا، على الأقل إذا أردنا العيش في العالم الحديث.

في ضوء هذه الحقائق، كيف يُمكننا اعتبار رأسمالية المراقبة أنها لا تطرح أي مُشكلة؟ كيف تختلف سلطة ودوافع الــ غافام عن النظام المُتطفّل؟

تتصرف غوغل تمامًا كالمستعمر. على سبيل المثال، في عام 2007، أطلقت خدمة "ستريت فيو"، وهي خدمة تتيح للمستخدمين رؤية العالم بزاوية 360 درجة. تجولت سيارات مزودة بكاميرات، مصوِّرةً العالم رغم معارضة العديد من المجتمعات.

استخدمت مجموعة غافام استراتيجيات متنوعة لثني الناس عن المطالبة بفرض قيود على رأسمالية المراقبة. إحداها ببساطة هي تعويد الناس على انتهاك خصوصيتهم. وتتضمن أخرى حملة علاقات عامة تربط غافام بمفاهيم "الانفتاح" و"التقدم". وأخيرًا، تشير ثالثة إلى أن توسع التقنيات أمر طبيعي وحتمي لدرجة أن أي محاولة للحدّ منها أو توجيهها عقيمة.

لكن رأسمالية المراقبة ليست طبيعية ولا حتمية. إنها تحد من حريتنا، وقدرتنا على تحديد هويتنا وسلوكنا. لقد أظهرت هذه الشركات استعدادها لقلب إرادتنا وانتهاك خصوصيتنا. إذا كان على الحكومات واجب التدخل، فهو في هذا الوضع. مؤسساتنا وحدها هي القادرة على وضع حدٍّ لـ"غافام".

للتحرريين والتدخليين على حد سواء مصلحةٌ في تدخل الحكومة. يجب على الناس من جميع التوجهات السياسية أن يلتفوا أكثر إلى قضية الحرية.

[نُشرت هذه المقالة في شهر تموز/ يوليو من عام 2021 في مجلة "أريو" تحت عنوان "رأسمالية المراقبة وتحدياتها لليبرالية"] 

(*) شين تروتر: كاتب وأستاذ ثانوي ومدرب لياقة بدنية في تكساس. يركز في عمله على فقدان التواصل الاجتماعي بين الشباب، مما يوقعهم في فخ أنماط تحدّ من نموهم. نُشر كتابه "وضع المعايير: إعداد أطفالنا للنجاح في عصر التشتت والتبعية والشعور بالاستحقاق" في أيلول/ سبتمبر 2021.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.