}

جسدك أرشيف

إيلينا ميتون 18 سبتمبر 2025
ترجمات جسدك أرشيف
Guy le Querrec/Magnum©

 

ترجمة: سارة حبيب

 

[إذا كان يمكن للمعرفة البشرية أن تختفي بهذه السهولة، لماذا صمدت الكثير من الممارسات الثقافية من دون سجلات مكتوبة؟]

 

لا يمكنك أن تتحدث مثلما تحدثوا. لا يمكنك أن تزرع مثلما زرعوا. لا يمكنك أن ترقص، أو تداوي الجروح، أو تحيي الناس مثلما كانوا يفعلون. في الحقيقة، معظم الممارسات الثقافية التي عرفها أسلافك البعيدون لم تصل إليك. لقد ضاعت في مكان ما على الطريق إليك- عملياتُ نقلٍ مخفقة لم تجتز قط سلاسل المعرفة الجيَليّة التي تربطنا بماضينا. تلك السلاسل، كما تبين، يمكن أن تكون هشة إلى حد لا يصدق. فمن دون سجلات مادية، يمكن للمعرفة الثقافية أن تتدمر بسهولة وتختفي.

خذ مثلًا موسيقى بلاد الرافدين، من عام 2000 قبل الميلاد تقريبًا. السبب الوحيد لكوننا لا نزال نستطيع أن نحاول عزفها اليوم هو أن السومريين القدماء نقشوا التنويت الموسيقي لأغانيهم (رموزها الموسيقية) على ألواح حجرية. وخذ مثلًا تقنيات الصيد عند أسلافنا من العصر الحجري القديم. السبب الوحيد لكوننا نعرف ما تضمنته هذه التقنيات هو أننا نبشنا أسلحتهم وأدواتهم المنحوتة. المتاحف مليئة بهذه الرسائل الباقية حول الممارسات الثقافية الماضية، مشفّرةً في مصنوعات يدوية وآثار، أو مكتوبة على ورق الرَّق، ورق البردي، وأنواع أخرى من الوسائل.

يمكن لهذه الرسائل أن تجعلنا نتحسّر على السلاسل المحطمة غير المعدودة التي تفصلنا عن الماضي: ما الذي كان بالإمكان معرفته لو كان المزيد قد سُجّل؟ بالتأكيد، لو كان أسلافنا قد أعطونا مجرد تعليمات مكتوبة تعلمنا كيف نتكلم، نزرع، نطبخ، نرقص، ونصنع الموسيقى، كنا اكتسبنا تلك المعرفة أيضًا ونقلناها. وتخيل لو كانت لديهم أجهزة التسجيل التي نملكها اليوم. مع هاتف ذكي، كانوا ليسجلوا التفاصيل العادية لحياتهم، واصفين مهاراتهم بطريقة تمكنّنا بسهولة من إتقانها ومشاركتها. لكن، المشكلة أن الثقافة لا تعمل دائمًا على ذلك النحو. لا يمكن وصف كل شيء بالكلمات. فمَن منا لم يُصب بالإحباط أمام وصفات تعطينا تعليمات من قبيل "اطهُ حتى ينضج"، "اغلِ على نار هادئة حتى يصبح سميكًا"، أو أي تعليمات أخرى لا تقل غموضًا؟ ومَن منا لم تحبطه محاولة تقليد شخصًا ما يشرح مهارة تتطلب بعض الخبرة السابقة، بعض المعرفة الضمنية؟  لا يمكن فهم كل شيء بمجرد مشاهدة شخص آخر يقوم به. بعض الممارسات الثقافية لا يمكن تعلمها إلا بالممارسة. يجب أن تكون محسوسة.

هذا ما يجعل السلاسل الثقافية هشة للغاية. إنه السبب في أن صانعي الآلات الموسيقية لم يعودوا يستطيعون صنع كمانات مثل أنطونيو ستراديفاريوس رغم أنهم درسوا الآلات التي صنعها عن كثب، السببُ في أن البنائين لم يعودوا يستطيعون نسخ تقنيات تهيئة الحجر لدى شعوب الإنكا رغم امتلاكهم الأدوات الضرورية، والسبب في أن صانعي العطور لم يعودوا يستطيعون إنتاج عطورات قديمة رغم امتلاكهم الوصفات. وهو كذلك السبب في أنني أنا، عالمة معرفية فرنسية في بداية ثلاثينياتي، عاجزة عن القيام بالكثير من الأشياء التي كان أسلافي يقومون بها يومًا، بما في ذلك زخرفة مخطوطات بخط يد متقن، تحضير علاجات عشبية، الصيد باستخدام القوس، أو صنع أدولت من الصوان.

رغم أن نسياننا الجمعي هائل، غالبًا ما يغفله أولئك الذين يدرسون نقل الثقافة. ما يحيرني، أنا والآخرين الذين يدرسون النقل، هو السبب في صمود الكثير من المعرفة غير المكتوبة. رغم هشاشة الممارسات الثقافية، تنتشر المهارات مع وجود سجلات ومن دونها، رابطة جيلًا بجيل بسلاسل، وواصلة إيانا بأسلافنا عبر الزمن السحيق. إذًا، كيف تدوم هذه الممارسات إذا كانت مسارات النقل بهذه الهشاشة؟ كيف تم نقل أي شيء على الإطلاق من دون سجلات مادية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستساعدنا في معرفة المقدار الذي يمكن أن يُنقَل من ثقافتنا الحالية إلى المستقبل. رغم أننا نعيش في زمن تُسجَّل فيه المعرفة الثقافية وتُخزَّن بمعدل أعلى من أي وقت مضى، ما من ضمانات أن هذه المعلومات سوف تُنقل بصورة مجدية. ورفع جودة النقل الثقافي، حسب رأيي، ينطوي على أكثر من تقنيات جديدة، مستودعات رقمية ضخمة وضروب ذكاء صنعي. إنه ينطوي على معرفة كيفية أرشفة المعرفة في الأجساد البشرية.

رغم أن الثقافة يمكن أن تكون هشة، غالبًا ما تُتخيَّل بطرق تجعلها تبدو صلبة ومستمرة. فهي تُصوَّر كبحر واسع، جبل جليدي، سقّاطة صلبة (أداة ميكانيكية تسمح بالحركة في اتجاه واحد فقط). عندما تُتخيل كبحر، تظهر الثقافة في كل مكان، محيطةً بنا. في الستينيات، صوّر المنظّر في مجال الإعلام مارشال ماكلوهان الثقافةَ على أنها وسط واسعٌ شامل. في مثل ذلك "البحر"، يمكننا استيعاب المعلومات والممارسات بالتناضح (بشكل غير مباشر، بمجرد التواجد في بيئة غنية بها)، أو حتى من دون أن ندري. في السبعينيات، اقترح الأنثروبولوجي إدوارد تي هول أن الثقافة أقرب إلى جبل جليدي: بوسعنا أن نرى جزءًا صغيرًا منها فحسب، الأجزاء الأعمق تبقى مختبئة. وفي التسعينيات، شرح العالم النفسي مايكل توماسيلو "أثر السقّاطة الثقافية"، الذي يتراكم فيه التعلم البشري عبر الزمن، مثل سقّاطة معدنية لا تتحرك إلا إلى الأمام بينما نبني على المعرفة من الماضي. الثقافة، إذ تُتخيّل بهذه الطرق المختلفة، تبدو كشيء صلب ومستمر يتحرك إلى الأمام ويتوسع. ما هي السفينة الفضائية، كما خمّن ستانلي كوبريك في فيلمه "2001: أوديسة الفضاء" (1968)، سوى النتيجة البعيدة للأدوات الأولى التي استخدمها أسلافنا من أشباه البشر؟ 

السومريون القدماء نقشوا التنويت الموسيقي لأغانيهم (رموزها الموسيقية) على ألواح حجرية


لكن، عندما نأخذ بعين الاعتبار بعض المشاكل التي تشوّش على علماء الآثار والأنثروبولوجيين، تظهر لنا نظرة أقل ثباتًا للثقافة. فرغم أنهم يستطيعون النظر إلى قوالب الخبز المعاد اكتشافها من بلاد الرافدين أو صولجانات الرقص المصرية القديمة أو عظام العرافة الصينية، لا يستطيع هؤلاء صنع خبز بلاد الرافدين أو الرقص مثل قدماء المصريين أو استشارة العرافة الصينية. لأن المعرفة التي امتلكها البشر الذين استخدموا هذه الأشياء ذهبت، على الأرجح إلى الأبد. وهذه الخسارة لا تعود ببساطة إلى أن المعرفة ذات الصلة لم تُدوَّن. فهذه واكتشافات أخرى تمثّل أشكالَ ثقافة لا يمكن على الأرجح تسجيلها.

انشغلت فرق من الباحثين حول العالم بأشكال الثقافة هذه محاولةً معرفة الطرق التي استخدمها البشر يومًا لصنع أشياء يدوية. وعملهم يُظهر مدى صعوبة مهمة إعادة خلق ممارسات ثقافية. على سبيل المثال، حاول "مشروع الصنع والمعرفة" في جامعة كولومبيا في نيويورك سيتي إعادة خلق التقنيات الموصوفة في مخطوطة فرنسية مجهولة المؤلف من القرن السادس عشر، مفهرسة باسم "Ms. Fr. 640". بين عامي 2014 و2020، عالج الفريق التقنيات الموصوفة في المخطوطة، بما فيها صنع قوالب وصنع أدوات معدنية، صنع ألوان، بصريات وميكانيكيا، فن سريع الزوال، طباعة، نقوش، وطبعات. وفي "معهد العصر الحجري"، وهو مركز أبحاث مستقل في جامعة إنديانا، يحاول فريق أن يفهم تقنيات تشذيب الحجارة المستخدمة لصنع تقنيات صيد مثل النصال ورؤوس الرماح. لكن، رغم ممارسته لملايين السنين، يبقى تشذيب الحجارة مهمة صعبةَ التعلم بشكل ملحوظ، وتتطلب تدريبًا مكثفًا.

تعمل اليونسكو، مدركةً مدى صعوبة نقل الممارسات الثقافية، على حفظ "التراث الثقافي اللامادي" الذي يتضمن الكثير من التقاليد التي قد تنقرض مع موت آخر ممارسيها الباقين. تقع اللغات أيضًا ضمن هذه الفئة: حوالي 3000 لغة تبقى معرضة لخطر الانقراض. بعضها، مثل آكا كاري المتحدَّثة في جزر أندمان، الهند، انقرضت مؤخرًا. فقد توفيت آخر متحدثة أصلية، اسمها ليتشو، في 4 نيسان/أبريل عام 2020. لكن، ماذا عن الممارسات الثقافية التي هي أقل اتصالًا بالقراءة، الكتابة والحديث؟ ماذا عن أشكال المعرفة التي هي أكثرُ ضمنية وتجسدًا؟

النقل الثقافي هو تعبير استخدمه الباحثون لوصف العملية التي بواسطتها تمرّر أشكال معينة من المعرفة بين الناس. عندما يتم تبادل هذه المعرفة، حتى من خلال المراقبة السلبية، تكون قد حدثت "واقعة نقل" وصُنع رابط آخر في السلسلة. لفهم هذه السيرورة عمليًا، فكر بشيء تعرف كيف تقوم به إنما تجد صعوبة في شرحه لشخص آخر. ربما تكون مثلًا حركة معينة في رياضة تلعبها، أو تقنية حرفة ما، أو مهارة اجتماعية مثل معرفة الطريقة الصحيحة لإلقاء التحية على شخص آخر.

الآن، حاول أن تفكر منذ متى وجدت هذه الممارسة. فكر بكم واقعة نقل قد تربط حدوثها الأول باللحظة التي تعلمتَ فيها القيام بها لأول مرة. كم جيلًا مرّ منذ أن بدأت هذه الممارسة؟ كم من البشر كان عليهم تعلمها، وتعلمها بشكل جيد بما يكفي ليمرروها إلى الشخص التالي، لكي تستمر السلسلة بالامتداد؟ في بعض الحالات، قد تكون سلسلة المعرفة طويلة جدًا- طويلة للغاية لدرجة أن التفكير بتسلسلِ وقائعِ النقل قد يسبّب دوارًا. وهذا التسلسل الممتد يمكن أيضًا أن يجعل السلسلة تبدو واهية للغاية. فقد كان يمكن أن تتحطم عند أي واحدة من وقائع النقل العديدة خاصتها. وهذا ما يجعل سلاسل المعرفة متناقضة بالنسبة إلى الباحثين: إذا كانت هشة للغاية، كيف صمد الكثير من أشكال المعرفة الثقافية؟

تم توليف بعض الحلول لهذه المشكلة بأسلوب أنيق في كتاب "كيف تعيش التقاليد وتموت" (2015) لأوليفر مورين، وهو خبير في التطور الثقافي. يناقش مورين أن الممارسات الثقافية التي صمدت لم تكن أبدًا بتلك الهشاشة في الأساس لأن لها واحدة من السمات التالية أو كليهما: الوفرة والتكرار. تضمن كلا السمتين أنه إذا لم تحدث واقعة نقل (أو فشلت)، فإن نقلًا آخر سيكون بالإمكان. تضمن الوفرة أن الشخص يمكن أن يتعلم شيئًا من أشخاص متعددين في سياقات مختلفة. عمتك، على سبيل المثال، قد تمرّر بعض مهارات الحياكة والخياطة التي فشلتْ جدتك في تعليمك إياها. التكرار، من الناحية الأخرى، يضمن أنه حتى إن فشل نقل واحد، وقائع نقل أخرى ستساعدك على تعلم الأشياء التي فوّتها. على سبيل المثال، قد لا تكون اكتسبت مهارات الحياكة كاملة من جدتك في المحاولة الأولى، لكنك تتقنها عندما توضحها لك وتعلمك إياها مرة بعد أخرى.

حاول "مشروع الصنع والمعرفة" في جامعة كولومبيا في نيويورك سيتي إعادة خلق التقنيات الموصوفة في مخطوطة فرنسية مجهولة المؤلف من القرن السادس عشر


أحد الطرق البديلة لشرح التناقض بين سلاسل النقل الهشة وكلية وجود المعرفة الثقافية الصامدة تتضمن التركيز على كيفية تخزين المعرفة، لا نقلها فحسب. لا تُحفظ المعرفة الثقافية في السجلات فحسب، مكتوبةً على ألواح حجرية، ورق البردي أو غيرها من الوسائل. إنها موجودة أيضًا في الأجساد والأجهزة العصبية. للوهلة الأولى، قد يبدو أن هذا يجعل الأشياء أكثر صعوبة بالنسبة إلى النقل الثقافي، بما أن هذا النوع من المعرفة يتطلب عادة تعلمَ كيفيةِ الشعور بممارسة ما، وهو ما لا يمكن إيصاله عبر الكلمات وحدها. فهذه معرفة ضمنية أو، كما يصفها الموسوعي مايكل بولاني، ما نعرفه لكن لا نستطيع قوله.

ليست أيّ من المحاكاة أو اللغة ذات فائدة كبيرة عندما يتعلق الأمر بتعلم هذا النوع من المعرفة. لأنه لكي تُنقل، لا يمكنك ببساطة أن تراقب شخصًا ما، أو تقرأ بعض التعليمات. إن اللغة مناسبةٌ تمامًا لنقل كل أنواع الأشياء الثقافية التي هي بشكل رئيسي لغة في أساسها، مثل القصص، لكنَّ أشياء أخرى كثيرة بحاجة لأن تُختَبر مباشرة. وماذا عن المحاكاة؟ رغم أنه قد يكون مفيدًا التعلم بمراقبة شخص آخر يقوم بشيء ما، فالقاعدة ذاتها تنطبق: في نهاية الأمر، أنت بحاجة للقيام به بنفسه.

افترض أنك تراقب نافخ زجاج محترف لكي تتعلم كيف تصنع كأسًا منفوخًا يدويًا. ما الذي يجب أن تنتبه إليه لتكون قادرًا على صنع كأس باستخدام ذات التقنية؟ هل هو مدى الشدة التي ينفخ بها المعلم، أو كيف يضع قدميه، أو يديه، أو الطريقة التي يحرّك بها الزجاج المصهور، أو شيءٌ آخر لا تستطيع حتى أن تراه، أو كلّ ما سبق؟ الهوة بين رؤية شخص يقوم بشيء ما ببراعة وتأديته بنفسه غالبًا ما تكون شاسعة. ولتقليل هذه الهوة، أنت بحاجة أولًا لأن تمتلك المعرفة الكافية لتحدد أي جزء من الفعل بالضبط يجب عليك أن تراقبه. ستحتاج سلفًا لأن تعرف إلى ماذا توجه انتباهك. ثم ستواجه مشكلة أخرى، أكثر صعوبة حتى: كيف عليك أن تستخدم ما تستطيع رؤيته (مثل مظهر الزجاج المصهور) لتستنتجَ الأشياء التي لا تستطيع رؤيتها (مثل حرارته، أو مدى الشدة التي ينفخ بها نافخ الزجاج).

علاوة على ذلك، التصرف الصحيح في كل حالة يعتمد على السياق، وهذا جزء مهم من النقل أيضًا. في كرة القدم، على سبيل المثال، تعتمد حركات اللاعب البارع على موقع الطابة وسرعتها، وعلى موقع وسرعة أعضاء فريقه والفريق الخصم. بوسعك أن تكتب عشرة آلاف كلمة عن كيفية تسجيل الهدف ولا توصل مع ذلك ما يكفي من المعلومات لشخص يريد أن يكرّر الركلة. إذًا، كيف ننقل بنجاح "ما نعرفه لكن لا يمكننا قوله" من خلال أجسادنا، خاصة عندما تكون محدودة ماديًا من نواحٍ كثيرة؟

فكر بشكل معرفة ثقافية ضمنية أو متجسدة تعرفه، مثل معرفة كيفية الإتيان بالتعبير الوجهي الصحيح لإيصال عاطفة، معرفة كيفية ركوب حصانًا أو تنفيذ ضربة إرسال في التنس، أو معرفة كيفية الإمساك بكوب بشكل صحيح خلال حفل شاي ياباني. بعدها، حاول أن تفكك هذه الممارسة إلى قطع صغيرة. في حالة ركوب الخيل - ممارسة ثقافية موجودة منذ عام 3500 قبل الميلاد- قد تتضمن القطع ذات الصلة أشياء مثل موقع يديك، الزاوية بين مرفقك ومعصمك، أو وضعية ظهرك وتوزيع وزنك على ظهر الحصان.

الآن، فكر بكيفية ارتباط هذه القطع المختلفة واحدتها بالأخرى. كما أظهرتُ أنا وسيمون ديديو في مقالتنا "النقل الثقافي للمعرفة الضمنية" (2022)، من السمات الأساسية لهذه العلاقات التقييد: كل حركة أو وضعية منفصلة تبقى مقيدة بأجسادنا وقدراتنا الجسدية. المعرفة المتجسدة مقيَّدة للغاية. وليست كلُّ تجميعاتِ حالاتِ القطع المختلفة ممكنةً لأن ثمة حدودًا جسدية وتشريحية لما يمكن لك وما لا يمكن لك القيام به في لحظة معينة. أثناء ركوب حصان، على سبيل المثال، إذا كانت جلستك مستقيمة جدًا أو كنت تنحني إلى الوراء قليلًا، لا يمكن ليديك إلا أن تكونا في مجموعة وضعيات محددة؛ على سبيل المثال، لن تكون ذراعاك على الأرجح طويلتين بما يكفي لتصلا إلى رقبة الحصان. وإذا تغيرت وضعية جسدك، وارتفعت يداك، ستتغير الزاوية المشكلة بمرفقك. الممارسات الثقافية المتجسدة تنطوي دائمًا على قيود جسدية.

بكلمات أخرى، بوسعك أن تبدأ بالتفكير بالمعرفة الثقافية المتجسدة على أنها شبكة من القطع المتفاعلة التي تؤثر واحدتها في الأخرى. لا تؤثر كل القطع بالضرورة واحدتها على الأخرى في كل الحالات. موقع يديك على اللجام قد لا يكون متعلقًا بمدى قوة إمساكك به. وهذا مهم لأنه يدل على أن الأشكال المتجسدة للمعرفة الثقافية قد لا تكون صعبةَ النقل بقدر ما نفترض. إنها لا تحتاج إلى شرح كامل لأن أجسادنا مقيدة.

أصبحت شقلبة فوسبري شائعة بين لاعبي الوثب العالي الذين كانوا حتى ذلك الحين يفضلون تقنيات تمكنهم من الهبوط على أقدامهم  


تخيل كل قطعة في الشبكة مثل مفتاح كهربائي يمكن تشغيله وإطفاؤه. عندما تشتغل قطعة ما (لنقل، أن تصل يداك إلى رقبة الحصان)، سوف تشتغل القطع الأخرى أيضًا (ظهرك سيكون مائلًا نحو الأمام) لأن القطع متصلة. بكلمات أخرى، أنت لست بحاجة سوى لأن تضبط بضع قطع لتحدد حالة كل القطع الأخرى في الشبكة. بالتالي، إذا اكتفى متعلم بالتركيز على إتقان تلك السمات المحددة ذات الأهمية لممارسة ما، فإن كل شيء آخر قد يأخذ مكانه فجأة بسهولة أكبر. يعكس هذا شيئًا آخر نلاحظه في الحياة الواقعية: الخبراء الذين يتشاركون معرفتهم المتجسدة لا يحتاجون سوى لأن يركزوا اهتمامهم على تلك القطع الرئيسية القليلة الضرورية. بالنسبة إلى المتعلم، التفاعلات بين القطع، كما تحددها الشبكة، سوف تؤثر تاليًا على القطع المتبقية، صانعةً في الوضع الأمثل ممارسة ثقافية مشابهة لممارسة معلميهم. وهذا يعني أنه لا حاجة بنا لمعرفة كل شيء لنتعلم معرفة متجسدة جديدة. نحن بحاجة فحسب لبعض القطع لنحصل على ممارسة كاملة "صحيحة".

بالنسبة إلى المعلمين، تتضمن مهارة مشاركةِ المعرفة أن يعرفوا أي القطع يجب التركيز عليها. في وصفه للممارسات التعليمية التي يستخدمها معلمو فن الكابويرا القتالي، يصف المختص في الأنثروبولوجيا العصبية غريغ داوني استخدامهم لـ"تقليل درجات الحرية". بوسع أولاء المعلمين خلق تمارين من شأنها، كما يصف داوني، أن "تضع جسم الطالب في وضعيات بَدئية معينة تجبره على التحرك باتجاه واحد فقط، أو إلغاء خيارات الحركة". ومثل تلك القيود تتضمن تثبيت قطع معينة، بشكل مؤقت على الأقل، بحيث تأخذ القطع الأخرى مكانها، ما يتيح للتلاميذ أن يختبروا شعورَ تأديةِ حركة معينة بشكل صحيح.

للمساعدة في إظهار شبكة القطع للمتعلمين الجدد، ولتوليد واقعةِ نقل، يستخدم المعلمون عمومًا الاستعارات كاختصارات: "واصلْ" في التنس (التي تعني إتمام حركة الضرب بعد ملامسة الطابة)؛ "حرك وزنك بكامله" في رقص السالسا؛ "سدّد بكوعك، لا قبضتك" في الملاكمة. ليس لأي من هذه الاستعارات معنى حرفي. "المواصلة" لا تؤثر على مسار الكرة في التنس، بما أن الكرة غادرت المضرب سلفًا؛ "تحريك كامل وزنك" يحدث بشكل طبيعي في السالسا مع كل حركة تقوم بها؛ وقبضتك، لا كوعك، هي ما يضرب أثناء الملاكمة. لكن، تبقى هذه التعليمات مفيدة لأنها تتيح للمتعلمين أن يثبّتوا بعض أجزاء حركاتهم. بإخبارك أن "تسدد بكوعك" أثناء تنفيذ لكمة خطافية، يساعدك مدرب الملاكمة على أن تجعل معصمك ومرفقك على استقامة واحدة، ضامنًا أن يدور جسمك بشكل صحيح وأن تولّد لكمة قوية. التعليم الجيد غالبًا ما يتطلب استعارات أو تمارين خلاقة تتجاوز الممارسة ذاتها.

أحيانًا، قد يهندس المعلمون القيودَ أو يستخدموا الاستعارات، لكن المصنوعات اليدوية والمواد يمكن أيضًا أن تستغل العلاقات الشبكية بين "القطع" لنقلِ الممارسات الثقافية. هذه المصنوعات اليدوية مصممة عادة لتؤدي وظيفة محددة أو تجيز استخدامًا محددًا. المقصات، على سبيل المثال، سهلة الاستخدام إذا كنت أيمنًا وأصعب بكثير إذا حاولت استخدامها بيدك اليسرى. كذلك، تعمل أدوات وأشياء أكثر تخصصًا بذات الطريقة. أثناء ركوب الحصان، يتيح سرج الترويض، على سبيل المثال، وضعيات معينة للحوض والأقدام تختلف عن تلك التي يتيحها سرج القفز- أحيانًا، تغيير الأداة يمكن أن يبدّل شبكة "القطع"، مُهيّئًا حركة مختلفة تمامًا. المواد، مثل أنواع مختلفة من الخشب، التربة أو الحجر، تمكّن أيضًا أفعالًا مختلفة، ويمكن أن تساعد في "تثبيت" جزء ما من الشبكة. خذ مثلًا السكاكين الحجرية القديمة ونصال السهام التي صنعها أسلافنا البعيدون من الصوان وحجر الأوبسيديان (السبج). هذه المواد المعدنية كان يتم اختيارها لأنه يمكن الاعتماد عليها لصنع حواف ورؤوس حادة.

إن النظر إلى المعرفة الثقافية بوصفها شبكة من القطع التي يمكن أن تشغّل واحدتها الأخرى وتطفئها يعني أن النقل الثقافي الناجح يمكن أن يتحقق حتى مع مجرد نقل معلومات قليلة نسبيًا. في مثل تلك الحالات، النقل يستغل كيفية تقييد الحركات. والنتيجة غير المتوقعة لهذا هي أنه يمكن أن تكون هنالك طرق عديدة للقيام بالشيء، ويمكن حتى لبعض المتعلمين أن يطوروا نسخًا فريدة من الممارسات. في تاريخ الرياضة، حدث هذا مرات عدة، حيث تكثر الأمثلة عن تقنيات غير اعتيادية أو غير تقليدية. خذ مثلًا ركلة ساق "الفلامينغو" المميزة في البيسبول عند ساداهارو أوه، أو تقنية الضرب بالمضرب عند دونالد برادمان "الدون" (والمواصلة المبالغ بها) في الكريكيت. إنها تظهر أن تنويعات جديدة يمكن أيضًا أن تكون مجدية، حتى إذا لم تصبح هي الأسلوب السائد.

لكن، في بعض الحالات، تصبح تقنياتٌ غير اعتيادية ابتكاراتٍ تغيّر عمليات النقل المستقبلية. أحد الأمثلة، أيضًا في مجال الرياضة، هي شقلبة ديك فوسبري للخلف في الوثب العالي. فبعد أن ساعدته هذه التقنية الجديدة على الفوز بالميدالية الذهبية في الألعاب الأولمبية في مكسيكو سيتي عام 1968، أصبحت شقلبة فوسبري شائعة بين لاعبي الوثب العالي الذين كانوا حتى ذلك الحين يفضلون تقنيات تمكنهم من الهبوط على أقدامهم.

إن فهم كيفية استغلال النقل الثقافي للعلاقات في شبكة "القطع" لا يساعد في حفظ المعرفة الحالية فحسب. بل إن بوسعه أيضًا أن يمنحنا نظرة معمقة للممارسات الثقافية الجديدة التي قد تُكتَشف في المستقبل.

في عصرنا، عصر المعلومات، تُسجَّل ممارسات ثقافية أكثر من أي وقت مضى. فمع انتفاخ مزارع الخوادم بالبيانات وتورّم الأرشيفات بالكتب والمصنوعات اليدوية، قد يبدو واضحًا أن معرفتنا سوف تُحفظ وتمرَّر. لكنّ وضع ثقتنا بجبل البيانات هذا قد يكون شيئًا خاطئًا. إنه سوءُ فهم للطبيعة المتجسدة للعديد من الممارسات الثقافية، سوءُ فهم لكيفية قدرة أسلافنا على تمرير الممارسات بنجاح من جيل إلى جيل، رغم الهشاشة المتأصلة في السلاسل الثقافية الطويلة.

إن معظم معرفتنا الثقافية لا يمكن ببساطة التعبير عنها بالكلمات أو تسجيلها. لكن يمكن، رغم ذلك، تخزينها في الحركات المقيَّدة لأجسادنا. ورفع جودة نقل ممارسة ثقافية لا يتطلب دومًا كمية أكبر من المعلومات. بل يمكن تحقيقه بالاستفادة من كيفية تأثير بعض القطع على الأخرى في شبكة ما، بتعلم كيفية استغلال بعض الأشياء والمواد لتلك الشبكات، وبفهم كيفية استخدام المعلمين للتقنيات التعليمية.

في النتيجة، من الصعب تحديد أي أشكال من الثقافة ستكون موجودة بعد ألف سنة أو عشرة آلاف سنة قادمة. لكن، إذا كانت المعرفة الضمنية لا تزال موجودة، فالأرجح أن تكون قد انتقلت من جسد إلى جسد، باستغلال قيودنا الجسدية. وبهذه الطريقة "ما نعرفه لكن لا نستطيع قوله" يمكن يومًا ما أن يربط عصرنا بثقافات المستقبل السحيق.

(*) إيلينا ميتون: باحثة فرنسية. تحمل إجازة في علم الاجتماع ودكتوراه في العلوم المعرفية. أستاذة مساعدة في مجال السلوك التنظيمي في كلية الدراسات العليا، قسم إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، كاليفورنيا. يركّز بحثها على التفاعل بين العقول والثقافة وكيف أن التفاعلات بينهما أدت إلى أشكال تنظيمية معاصرة.

 

رابط النص الأصلي:

http://aeon.co/essays/how-do-we-transmit-culture-when-it-cannot-be-put-into-words

 

مقالات اخرى للكاتب

ترجمات
18 سبتمبر 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.