}

إنقاذ أرشيف إدموند هوسرل: ثلاث حقائب لبرلين (1/2)

تون هورستن 22 سبتمبر 2025
ترجمات إنقاذ أرشيف إدموند هوسرل: ثلاث حقائب لبرلين (1/2)
إدموند هوسرل

ترجمة وتقديم: عماد فؤاد


تقديم:

في الصيف الحار لعام 1938، وفي أجواء مشحونة برائحة الحرب العالمية المقبلة، قام راهب بلجيكي شاب برحلة خطيرة عبر ألمانيا النازية، حاملًا ثلاث حقائب دبلوماسية تضم 40 ألف صفحة من مخطوطات الفيلسوف الألماني اليهودي إدموند هوسرل، ليهربها من ألمانيا النازية إلى بلجيكا، كانت هذه المخطوطات تحتوي على التطوير الكامل لفكر هوسرل الظاهرياتي (الفينومينولوجي)، والذي سيصبح لاحقًا الأساس الذي ستقوم عليه الفلسفة الوجودية، وأعمال مفكرين كبار من بينهم جان بول سارتر، وإيمانويل ليفيناس، وموريس مرلو-بونتي(1).
كان على قصة الإنقاذ هذه أن تبقى طي الكتمان إلى أن عثر الصحافي والكاتب البلجيكي تون هورستن على صورة قديمة بالأبيض والأسود في ألبوم عائلته، تظهر فيها جدته إلى جانب راهب فرنسيسكاني يبتسم بينما تحيط بوجهه هالة من دخان سيجارته، هذا الراهب الغامض لم يكن سوى الأب هرمان ليو فان بريدا، الراهب الفلمنكي الذي أنقذ تراث الفيلسوف الألماني هوسرل من براثن النازية.
في ربيع عام 2018، أصدر تون هورستن كتابه "القس والفيلسوف: إنقاذ أرشيف هوسرل"، الذي يكاد يشكل جنسًا أدبيًا جديدًا، يجمع فيه الكاتب الفلمنكي من ناحية بين الأسلوب الصحافي الاستقصائي وكتابة السيرة، ومن ناحية أخرى بين التأريخ الشخصي لأحد أفراد عائلته، إذ يبدأ الخيط الأول للكتاب من صوة للراهب يشاهدها الكاتب في ألبوم صور العائلة، والتأريخ الأدبي لظاهرة فلسفية هي الفينومينولوجيا.
يبدأ الكتاب بسرد قصة إنقاذ هذه المخطوطات على خلفية السياق التاريخي الذي وقعت فيه؛ فإدموند هوسرل(2)، على الرغم من تحوله إلى المسيحية، كان يُعدُّ يهوديًا وفق قوانين نورمبرغ العنصرية، وكانت كتاباته تندرج تحت ما أسماه النازيون بـ"الفن المنحط". في هذا الجو الخانق، حيث كان الفكر الحر يُخنق تحت جنازير الدبابات، قام فان بريدا بمهمته المستحيلة، ونجح في تهريب مخطوطات هوسرل، وإنقاذ تراث الفيلسوف، بتهريبه عبر الحدود إلى بلجيكا.
لكن قصة فان بريدا لم تتوقف عند إنقاذ المخطوطات فحسب، فخلال الحرب، واصل الراهب الشاب عمليات الإنقاذ بطرق أكثر إبداعًا وخطورة، وقام بإخفاء أرملة إدموند هوسرل، السيدة مالڤين، في دير بالقرب من مدينة لوفين البلجيكية، وأنقذها من الوقوع في أيدي النازيين، كما حدث للآلاف غيرها من اليهود آنذاك. كما أخفى المخطوطات في أماكن متفرقة، بدءًا من خزائن البنوك، وصولًا إلى صوامع وأقبية وجدران الأديرة البلجيكية، محولًا بلجيكا كلها إلى خزانة أرشيفية سرية لحفظ التراث الفينومينولوجي.
واجه فان بريدا تحديات لا حصر لها في الحفاظ على أرشيف إدموند هوسرل، بدءًا من مشكلة فك رموز المخطوطات المكتوبة بخط غابيلسبيرغر المختزل، الذي لم يعد أحد يجيد قراءته، إلى صعوبة تمويل مشروع تحرير ونشر هذه النصوص في زمن الحرب، لكن إصرار القس الشاب كان أقوى من كل العقبات. أدرك فان بريدا أن ما ينقذه ليس مجرد أوراق، بل عالم فكري كامل كان على وشك الحرق.
ما يميز كتاب تون هورستن، إضافة إلى تجاوزه سرد الأحداث إلى الغوص في الأعماق الإنسانية للشخصيات التي يرصدها، إظهاره أن بعض البطولات يقوم بها أناس عاديون، وهذا ما يزيد من عظمتها، لم يكن القس الفرنسيسكاني فان بريدا بطلًا خارقًا، بل كان إنسانًا بعيوبه ونقائصه، يصوره الكتاب أحيانًا متعجرفًا، أو متسلطًا، خاصة عندما أصبح مديرًا لأرشيف هوسرل بعد الحرب في جامعة لوفن البلجيكية، لكن هذه النقائص نفسها هي التي جعلت من شخصيته الصعبة حية ومؤثرة، لتذكرنا أن البطولات ليست حكرًا على القديسين والأنبياء وحدهم.
يقدم كتاب "القس والفيلسوف: إنقاذ أرشيف هوسرل" (2018) لوحة مثيرة للعلاقات المعقدة بين هوسرل وتلامذته، وعلى رأسهم تلميذه النجيب مارتن هايدغر، الذي تخلى عن أستاذه، وانضم إلى الحزب النازي. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، فخلال بحثه، اكتشف هورستن أن فان بريدا لم ينقذ فقط تراث هوسرل، بل أيضًا مخطوطات الفيلسوفة إديت شتاين، التلميذة الأخرى لهوسرل، والتي أصبحت راهبة وقُتلت لاحقًا في معسكر أوشفيتز.
تحول الأرشيف الذي أنقذه فان بريدا إلى مركز دولي للبحوث الفينومينولوجية في جامعة لوفن البلجيكية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأصبح منذ إنشائه مقصدًا لأبرز المفكرين في القرن العشرين، من إيمانويل ليفيناس، إلى بول ريكور، وحتى الكاتب الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو، ليصبح الأرشيف نفسه جسرًا بين الماضي الفلسفي والمستقبل الفكري لأوروبا ما بعد الحرب.
نترجم هنا افتتاحية كتاب "القسُّ والفيلسوف" للكاتب البلجيكي تون هورستن، والصادر عام 2018.

القس هرمان ليو فان بريدا أنقذ 40 ألف صفحة من مخطوطات الفيلسوف الألماني اليهودي إدموند هوسرل في ثلاث حقائب دبلوماسية هربها بعيدًا عن خطر النازية 


ثلاث حقائب لبرلين
بدأ الأمر كما يبدأ عادة، بذكرى، بنتفة. في هذه الحالة: بصورة.
لا بدّ أن الصورة التقطت أواخر الستينيات في حديقة منزل جَدّيّ في "وورتل"، وهي قرية كنسية بالقرب من هوخستراتن. تزوج أبي وأشقاؤه وشقيقاته بوتيرة متسارعة خلال سنوات عدة، وعادة ما كان يتم الاحتفال بذلك في حديقة المنزل الخلفية، حيث كبروا. تظهر في الصورة جدتي المسنّة تيريزيا فان بريدا خلال إحدى تلك الحفلات، وهي ترتدي فستانًا مزينًا بالزهور، بينما تخرج شيئًا من حقيبتها. تبدو مستمتعة بوضوح، بل وحتى ماكرة بعض الشيء، تنظر إلى الرجل بجانبها؛ كاهن مبتسم يرتدي قميصًا كهنوتيًا مكويًا، يبدو مسترخيًا تمامًا في الحياة، وسيجارته بين أصابعه.
لقد شاهدته من قبل، في فيلم "Super 8" متقطع عن حفلات الزفاف الصيفية، ظهر بشكل غير واضح بينما كان يضحك ويسند رأسه إلى جدار. سألت أبي حين رأيت الصورة: من يكون هذا الرجل؟ اتضح أنه ابن عم جدتي المفضل، كان الشخص الذي تثق به، عندما كانت تواجه مشكلة ما، كان القس يأتي لمساعدتها، لم يكن يحدث ذلك كثيرًا، ولكن عندما يكون الأمر ضروريًا، فقد كان حاضرًا على الدوام، أيضًا في كل المناسبات الاحتفالية الأخرى.




لم يستطع أبي أن يقول على الفور ما العمل الذي امتهنه هذا القس بالضبط، شيء ما يتعلق بالفلسفة في جامعة لوفين، نهض، سار إلى الخزانة، وبدأ يبحث في صندوق كبير. من بين عدد من خصائص والدي أنه جامع متحمس للوثائق، بعد بضع دقائق، كانت بطاقة وفاة القس أمامي على الطاولة، حينها حصل على اسم: هرمان ليو فان بريدا، اتضح أنه عاش ثلاث سنوات فقط بعد وفاة جدتي. تضمّن نعيه قائمة رائعة من الأوسمة الرسمية من دول ألمانيا الغربية وهولندا وبلجيكا وإسرائيل، بالإضافة إلى درجة الدكتوراة الفخرية، وتقديرًا آخر لكونه "مقاومًا" خلال الحرب العالمية الثانية.
يبدو أن عائلتي قد أنجبت بطلًا، هذا ما يبدو الأمر عليه حقًا. لم يستطع أحد أن يقول بالضبط ما الذي فعله ليستحق كل هذا، ظلّ الأمر وكأنهم اكتفوا بالتأكيد على وجوده ذات يوم ما!

* * *

إنهم ثلاثة يهود. يعيشون في زمن لا يمكنك فيه تجاهل هذه التسمية، حتى لو أردت ذلك. يجلسون لساعات يتناقشون ويشربون، يتحدثون عن هتلر، وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه النمسا، عمّا ستفعله إنكلترا إذا اندلعت حرب أوروبية كبيرة. عن الأدب، عن الصهيونية، وما يعنيه أن تكون يهوديًا. وعن المال. وفي الأثناء، يتناولون كميات هائلة من المشروبات الكحولية.

كتاب "القس والفيلسوف: إنقاذ أرشيف هوسرل" (2018) بنسختيه الألمانية والهولندية 


الأول، شتيفان تسفايغ، أحد أشهر الكتَّاب النمساويين في عصره. يبيع أعدادًا هائلة من مجموعات قصصه، ونوفيلاته، ورواياته، ورسوماته التاريخية، وسيرته الذاتية، إنه "يهودي بالصدفة"، ينحدر من عائلة ثرية لم تلقّنه تعليمًا دينيًا. عندما وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا، واكتسبوا نفوذًا متزايدًا في النمسا، قرر ترك منزله في سالزبورغ، والانتقال إلى لندن. لم يعد السؤال مطروحًا عما إذا كان يشعر بأنه يهودي أم لا؛ فالسياسة قررت نيابة عنه أنه يهودي. الآن، في خريف عام 1937، عاد إلى عاصمته فيينا، فيما سيكون آخر زيارة له إلى المدينة.
عاد يوزف روت أيضًا لفترة وجيزة، يعيش ويعمل الآن كمنفيٍّ في باريس، تقوده جولة محاضرات إلى زيارة وداعية إلى المدينة التي درس فيها، وحيث بدأ مسيرته الصحافية في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى مباشرة بمقالات وقعها باسم Der rote Joseph. كانت فيينا عاصمة النمسا والمجر، المَلَكية المزدوجة التي اختفت عام 1918، والتي يشعر روت بالحنين الشديد إليها. في ذلك الوقت، كان روت أحد الصحافيين الألمان الأعلى أجرًا، وكان قد كتب بالفعل سلسلة من الروايات التي ستصبح كلاسيكيات بعد وفاته. وبروايتيه "أيوب"، و"مسيرة راديتيسكي"، كان قد رسّخ اسمه إلى حد ما، ولكن من حيث الشعبية، كان عليه أن يعترف بأن تسفايغ يتفوق عليه بكثير. كان يعيش منذ سنوات في غرف فندقية، ويُعيل زوجته التي كانت تعاني من مرض نفسي، ويشرب أكثر مما هو جيد للإنسان. لم تعد القروض التي يحصل عليها من ناشريه وموكليه كافية للحفاظ على نمط حياته. يُكنُّ شتيفان تسفايغ إعجابًا شديدًا بصديقه روت الأصغر منه بثلاثة عشر عامًا، ويقدّم له المال بانتظام.
الآن، بعد أن عاد كلاهما إلى المدينة، اتفقا على الالتقاء في بار فندق بريستول، اتصل تسفايغ أيضًا بسوما مورجنسترن، وهو أقدم أصدقاء روت، الذي يشاركه أيضًا طفولة يهودية في غاليسيا، على الرغم من أنهما لم يتعرفا إلا في فيينا. يجمع مورجنسترن أيضًا بين الأدب والصحافة، لا يزال يعيش مع زوجته وطفله في فيينا، منذ أن تشاجرا في تشرين الأول/ أكتوبر 1934 (إذ اتهم مورجنسترن روت بالسرقة الأدبية)، لم يتراسلا، أو يلتقيا. بمكالمة هاتفية واحدة، يعيد تسفايغ الصديقين أحدهما إلى الآخر، ما يؤدي إلى مصالحة.
خلال أيام خريف 1937، كان الأصدقاء الثلاثة، في محاولة للتغلب على يأسهم وإحباطهم، يأكلون ويشربون في الحانات والمطاعم في جميع أنحاء المدينة. عندما أخبر تسفايغ أثناء رحلة التاكسي إلى أحد المطاعم أنه زار صديقه سيغموند فرويد، لم يفهم روت ذلك؛ لم يكن يحب فرويد، كان يرى أن الطبيب النفسي الشهير من فيينا شخص جاد للغاية. يؤكد تسفايغ أن فرويد لديه حس دعابة، بل إنه يتمتع بحس دعابة كبير، على روت أن يقرأ دراساته عن الدعابة. فهي تستحق القراءة حتى لو كانت مجرد مجموعة من النكات، هذا لا يثبت شيئًا، حسب رأي روت، ففهم النكتة لا يعني أنك تفهم جوهر الدعابة.

مارتن هايدغر واحد من أهم تلاميذ هوسرل


عندما يُذكر اسم هنري بيرجسون، الفيلسوف الفرنسي الذي كتب كتابًا مؤثرًا عن الفكاهة بعنوان "الضحك" Le rire عام 1901، يصبح تسفايغ نفسه متفلسفًا إلى حد ما؛ إذ يربط المناقشة بالوضع الذي يعيش فيه ثلاثتهم: "هل من الطبيعي أن نجد أن شخصيات بارزة معاصرة مثل بيرجسون وفرويد، وهما من أهم المفكرين في ذلك الوقت، يهوديان!"، يتساءل تسفايغ بصوت عالٍ. مورجنسترن، الذي ظلّ متحفظًا حتى ذلك الحين، ينضم إلى النقاش: "إن كان لنا أن نستمدّ العزاء من ذلك، فأود أن أضيف اسمين آخرين: إدموند هوسرل، وجورج سيميل. إذًا، ليس اثنان، بل أربعة". يفكر تسفايغ قليلًا، ويتساءل عما إذا كان عالم الاجتماع والفيلسوف جورج سيميل مهمًا إلى هذا الحد؟ يعتقد عكس ذلك... ثم يقول: "لا أفهم كيف نسيت هوسرل"!.

* * *

إنهم يهود... ثلاثة يهود.
بيرغسون، الفيلسوف الذي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1927. فرويد، مؤسس علم التحليل النفسي، الذي يجذب بسهولة كبيرة عددًا متساويًا من المؤيدين المتحمسين والمعارضين المتشددين. وهوسرل، الفيلسوف الذي قد يضرب شتيفان تسفايغ رأسه لأنه لم يفكر فيه على الفور.
لماذا يستحق إدموند هوسرل هذا الشرف؟
جنبًا إلى جنب مع فريدريك نيتشه، يضع هوسرل في مطلع القرن العشرين جميع اليقينيات الفلسفية للقرون الماضية موضع تساؤل، يفعل نيتشه ذلك بإلقاء قنبلة شظوية، وهي مزيج من الفلسفة والبلاغة والموهبة الأدبية. ونتيجة لذلك، اندلعت نار شديدة أنهت مؤقتًا التمييز الذي تمسكت به الفلسفة لقرون بين الجسد والعقل، وفي الوقت نفسه، أعلن موت الله. أما هوسرل فقد اختار طريقًا مختلفة تمامًا: هو لا يريد سوى إنقاذ الفلسفة (والعالم).

منزل إدموند هوسرل في مدينة فرايبورغ الألمانية وقد تحول إلى معهد يحمل اسم الفيلسوف الألماني


فريدريك نيتشه، وإدموند هوسرل... لا يمكن أن يكون الفرق بين هذين الفيلسوفين أكبر من ذلك. في الوقت الذي كان فيه نيتشه فيلسوفًا له تأثير كبير (الانفجار الفكري الذي أحدثه لا تزال أصداؤه تتردد)، فقد كان هوسرل شخصًا صاحب نفوذ أكبر؛ له عدد من التلاميذ والمقلدين، يطور منهجًا، وسيستمر عدد من أجيال الفلاسفة في البناء على أعماله لاحقًا. كلاهما ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، القرن الذي شهد تقدمًا كبيرًا في العلوم. كانت لغة الرياضيات والعلوم الطبيعية هي التي تحكم وتحدد الخطاب. بينما تبحث الفلسفة عن معنى آخر، عن مكان جديد في هذا العالم الذي لا يزال يتغير. يحاول نيتشه إيجاد ذلك من خلال بناء نظرة غارقة في الشخصانية للعالم، متأصلة في الزمن الذي يعيش فيه. الشخصية وفردية الفيلسوف هي محور الاهتمام. أصبح الحد الفاصل بين الأدب والفلسفة عند نيتشه أرق مما كان عليه في أي وقت مضى. فيما الأمر مختلف تمامًا عند هوسرل، إذ يحاول إرساء أسس للفلسفة كعلم صارم، وأن يمنحها صلاحية عامة ومطلقة. طموح هوسرل هائل، فهو يريد أن يقدّم من خلال مذهبه الفلسفي الفينومينولوجي، ما لا يقل عن الخاتمة للفلسفة الغربية.




حصل هوسرل على درجة الدكتوراه في الرياضيات قبل أن يتجه إلى الفلسفة، وكان ذلك عاملًا حاسمًا في تشكيل تفكيره. تعد الرياضيات بالنسبة لهوسرل بطبيعة الحال المعيار لكل نظرية منطقية. إن تحول العلوم الطبيعية إلى علوم دقيقة وتفسيرية، وتحقيقها تقدمًا هائلًا في القرن الماضي، وتوسيع نطاقها ليشمل جميع مجالات الواقع تقريبًا، يعود الفضل فيه إلى تبنيها للرياضيات والتفكير الرياضي. لدرجة أن الفلسفة بدت وكأنها أهملت. هل لا تزال لها حق الوجود في عصر العلوم؟ وكأن ذلك لم يكن كافيًا، فمع ظهور علم النفس في القرن التاسع عشر، أصبح الوعي (العقل أو الروح) مجالًا للبحث في علم تجريبي متخصص، وأصبحت الفلسفة ملكًا بلا أرض. وبسبب عدم وجود مجال خاص بها، يبدو أنها يجب أن تتنازل عن عرشها لصالح العلوم.

أرشيف هوسرل بعد طباعته 


لا يريد هوسرل أن يسمع عن مثل هذا التنازل عن العرش. فهو متمسك بالمشروع الأصلي للفلسفة الذي زرعه أفلاطون في الفكر الغربي وجدده ديكارت في بداية العصر الحديث: الفلسفة كعلم شامل ومطلق. شاملة لأن الفلسفة تريد في النهاية أن تشمل جميع العلوم المنفصلة في نظام واحد وتريد أن توفر الأسس له. ومطلقة لأن الأسس والمعرفة المبنية عليها لا تقبل أي شك. وفقًا لهوسرل، فإن الفلسفة الغربية منذ بدايتها تسير بخطى متعثرة نحو هذا الهدف النهائي، ولا تزال هذه هي الحال حتى بعد "عصر العلوم". ولكن: مهما كانت قيمة مساهمات كبار الفلاسفة التقليديين، وخاصة فلاسفة العصر الحديث، فقد افتقروا جميعًا إلى فهم معين، مما أدى إلى ضياعهم في النهاية. أما هوسرل فقد توصل إلى هذا الفهم الحاسم، ويرى نفسه بوصفه "كولومبوس"، مكتشف عالم جديد، هو عالم الوعي النقي.
وبذلك نصل إلى جوهر فكر هوسرل، ولكن للوصول إلى هذا الوعي النقي تحتاج أولًا إلى طريقة. وقد طور هوسرل هذه الطريقة وأسماها الاختزال الفينومينولوجي Fenomenologische Reductie، وهي الجزء المركزي والأكثر تعقيدًا في فكره. بالنسبة لهوسرل، فإن تطبيق هذه الطريقة هو الذي يحدد مصير الفلسفة، بل ومصير العالم بأسره. لأنه فقط عندما نفهم العالم تمامًا، باستخدام طريقة الاختزال الفينومينولوجي، يمكننا تحقيق المثل الأعلى لعالم عقلاني ومحب.
يهدف الاختزال الفينومينولوجي إلى إعادة الظواهر والمفاهيم التي تفرض نفسها على وعينا إلى جوهرها، أي اختزالها. الفكرة المركزية هنا هي أن الفيلسوف، لكي يتمكن من الوصول إلى جوهر الأشياء، "الأشياء نفسها"، يجب أن ينأى بنفسه عن جميع المعتقدات والأسئلة والظروف الشخصية التي يجدها في وعيه. يجب عليه، كما يقول هوسرل، "وضعها بين قوسين". السؤال عما إذا كانت الأشياء التي نلاحظها، أو التي تفرض نفسها على وعينا، موجودة بالفعل؛ تحيزاتنا وأذواقنا وأسئلتنا وأوهامنا؛ حتى السؤال عما إذا كنت أنا نفسي موجودًا بالفعل. نضع كل ذلك في الانتظار، نضعه بين قوسين. وبفعلنا ذلك، عبر تخطي كل تلك الأسئلة والتأملات والمعتقدات بطريقة واعية ومدروسة، يمكننا أن نخترق جوهر الأشياء. عندها فقط يبقى الجوهر ويظهر الوعي في أنقى صوره. عندها فقط يمكننا وصف وتصنيف الظواهر كما نجدها في ذلك الوعي النقي.




ومن هنا جاء اسم الفينومينولوجيا، علم الفينومينولوجيا. مع المخاطرة بتقديم الأمور بشكل أبسط بكثير مما قصده هوسرل، فإن الوعي النقي، العالم الجديد الذي اكتشفه هوسرل، هو المكان الذي تتجلى فيه جميع الظواهر التي تم اختزالها إلى جوهرها لتتفاعل مع بعضها بعضًا. تتجلى هذه الظواهر في البداية كتيار لا يتوقف من الملاحظات والذكريات والأفكار والتقييمات، وما إلى ذلك. ومن خصائص كل هذه الأفكار والأحاسيس أنها تركز دائمًا على شيء ما. أريد شيئًا، أرى شيئًا، أتذكر شيئًا، أشعر بشيء... لذا، فإن الوعي الخالص لا يوجد إلا بفضل حقيقة أنه يتفاعل دائمًا مع شيء ما، ويحاول الاختزال الفينومينولوجي أيضًا توثيق هذه العلاقة. لا تصف الفينومينولوجيا أبدًا قطعة الشوكولاتة مجردة على سبيل المثال، بل تصف كيف تصل إلينا قطعة الشوكولاتة عبر الحواس المختلفة، وما الذي يشكل جوهرها بالضبط، وكيف نصل من خلال كل هذه التجارب إلى الاستنتاج الذي لا يمكن دحضه بأن قطعة الشوكولاتة موجودة بالفعل، وليست مجرد خيال.

(يتبع)

إحالات:
(1) موريس مرلو ـ بونتي Maurice Merleau-Ponty (1908 - 1961): فيلسوف فرنسي تأثر بفينومينولوجيا هوسرل، وبالنظرية القشتالتية التي وجهت اهتمامه نحو البحث في دور المحسوس والجسد في التجربة الإنسانية بوجه عام، وفي المعرفة بوجه خاص. من أهم كتبه "بنية السلوك" (1942)، و"فينومينولوجيا الإدراك" (1945). وقد بين في هذه الأعمال بطلان مطامح علم النفس في تأسيس ذاته كعلم، والنقد هنا ليس موجهًا فقط إلى علم النّفس، بل إلى العلم بشكل عام، بسبب نزوع هذا الأخير نحو تقديم فهم اختزالي وجاف للظواهر، ومهمة الفلسفة الفينومينولوجية، حسب ميرلوبونتي، تتمثل في تحقيق الرجوع إلى عالم الحياة الأصلي والبدائي.
(2) ـ إدموند هوسرل (1859 – 1938): فيلسوف ألماني ومؤسس المنهج الظاهرياتي (الفينومينولوجي)، ولد في موراويا في تشيكوسلوفاكيا، ودرس الرياضيات في لايبزغ (1876) وبرلين (1878) على كارل وايستراس، وليوبولد كرونكر. ثم سافر إلى فيينا للدراسة تحت إشراف ليو كونيكس‌ بركر في عام 1881. كما درس الفلسفة على فرانز برنتانو، وكارل شتومبف. أثّر إدموند هوسرل على فلاسفة كثر، من بينهم: ماكس شيلر، وجان بول سارتر، وألفرد شوتز، وإيمانويل ليفيناس، فضلًا عن أثره الواضح على تلميذه مارتن هايدغر.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.