إنّ مقاربة موضوعة الأدب وإعادة النّظر في المسلّمات الخاصّة بثيمة "الكتابة" مؤسَّسة في جانب منها على اهتمامات وتصوّرات نخبة من الفرنسيّين المفكّرين الكتّاب، الشّعراء والرّوائيّين، في حقبة زمنيّة بين السّنوات 1850 وحتّى 1950، تكاد تكون بحسب رولان بارت Roland Barthes في كتابه "الكتابة في درجة الصّفر"[1] جنينيّة أو ممهِّدة أو ابتدائيّة، كما لدى مالارْميه وجويْس وكافكا وفْلوبِير.
وفي الجانب الآخَر لهذه المقاربة، يجد بارت أنّها تتعدّى حدود هذه التّحديدات الأوّليّة، وتنطلق إلى آفاق أبعد؛ مستثمِرة المناخ المشترَك لأفكارٍ مفارِقة ومقولات جديدة ومشاريع حديثة، أبرزها لكلّ مِن: موريس بلانشو وجون بول سارتر.
إنّ عمل بارت في "الكتابة في درجة الصّفر" يفتح هامشًا مغامرًا لمسألة الكتابة من خلال تركيب معمّق لكلّ المُعطيات المعرفيّة والتّاريخيّة والأدبيّة وغيرها، بُغية إضاءة إشكاليّة الأدب والكتابة عبر إقحامهما في أفق مغاير، لا مألوف، لا مفكّر فيه، يجعلنا نصطدم بالأسئلة الهامشيّة أو المهمّشة والقضايا المنسيّة والعلائق الممكنة باعتماده على دليل معرفيّ متنوّع، وخارطة متعدّدة تتعالق فيها اللّسانيّات بالفلسفة، والتّاريخ بالشّعر، وعلم النّفس بالسّياسة، والأبستمولوجيا بالسّيميولوجيا، وعلم الاجتماع بعلم الجمال، والماركسيّة بالظّاهراتيّة، وغيرها...
والعالَم عند بارت ما هو إلّا شبكة من الدّلالات والإشارات الّتي يمكن تحديدها إنْ تمّ التّعامل مع الطّبيعة بشكل لا يدمّرها، لذلك من الضّروريّ أن تظلّ بعيدة عن المنطق. وهذه الطّبيعة عند بارت هي أسلوب (Style) الكاتب الّذي ينتمي له وحده، لأنّه يمثّل عزلته البعيدة عن المجتمع.
ويفسّر بارت قيمة الكتابة الحقيقيّة المتأتّية من ضمير الكاتب ومسؤوليّته على اختياره لموضوعاته، وقدرته على مواجهة رفْض المجتمع المستهلِك. وبهذا يكون الكاتب منشغلًا في مَوْضَعَةِ طبيعة لغته أيضًا.
إنْ كانت استراتيجيّة "الكتابة في درجة الصّفر" معنيّة بإعمال النّظر في تاريخ النّتاج الأدبيّ الفرنسيّ في الفترة الممتدّة إلى مائة عام، عبر اقتراح أرضيّة مفاهيميّة ثُلاثيّة الأبعاد هي: اللّغة Language، الأسلوب Style، الكتابة Writing. فهذا لا يعني أنّ طبيعة الاشتغال على هذه اللّحظة الجماليّة أدبيًّا تقف عند هذه الحدود، وتغلق التّجربة في خلاصاتها الفذّة، بل إنّها تمتدّ بشكل أعمق فيما تلاها من كتابات بارت، وتتّضح أكثر في كتاب "لذّة النّصّ"[2] الّذي يمكن اعتباره جزءًا ثانيًا، بل سقفًا لِما جاء في "الكتابة في درجة الصّفر" من ملاحظات وتأمُّلات.
ويمكن التّأكيد على المشترك الصّارخ والمفتوح فيما يخصّ الأفق ومواضيع الاشتغال بين تجربتي الكتابيْن، وإن كان الاختلاف في طريقة التّناول وقوْل الأشياء واضحًا بينهما.
هذا المشترك الجوهريّ بين التّجربتين هو ما يهمّنا الوقوف عنده، إذ يبدأه بارت في "الكتابة في درجة الصّفر" ويتعمّق فيه في "لذّة النّصّ"، حيث مفاهيم: اللّذّة، المُتعة، الجنون، الرّغبة، الغواية، الشّبق، الحُبّ، اللّعب، وغيرها... وهي كلّها تشكّل حقلًا دلاليًّا خصبًا للتّأمّل والاستكناه في مفهوم الكتابة والنّصّ والقراءة.
هذه المفاهيم تربطها علاقة عضويّة مُتلازمة ترتكز على فهم مسألتين مركزيّتين هما: اللّذّة والمُتعة. هذا المشترَك يتجلّى فيما يتعلّق بثيمة الكتابة، حيث أهمّيّة فهم واستشفاف الأبعاد الحميمة للكتابة في علاقتها بالذّات الكاتبة الّتي هي ذات إنسانيّة، واستكشاف مظاهر هذه الأبعاد الفيزيقيّة وتمثّلاتها المادّيّة في علاقتها بالمجالات الأخرى كالتّاريخ والسّياسة والمجتمع.
هذه الذّات الإنسانيّة الكاتبة تتفجّر فيها الطّاقة الشّهوانيّة قبل كلّ شيء. هذه الطّاقة المنعكسة في الكتابة، تحمل شتّى أشكال المخزون الجنسيّ والجوّانيّ الخاصّ والمذوَّت. هذه الطّاقة المتفجّرة تضفي معناها على التّاريخ والخارج الموضوعيّ.
وبالقراءة الممعنة في إشراقات "لذّة النّص" المسكونة بعشق الذّهاب فيما وراء سؤال الكتابة، تبرز الكتابة كدليل للرّغبة يصل إلى علم مُتعة الكلام- درجة كاماسوترا النّصّ: "يجب على النّصّ الّذي تكتبونه لي، أن يعطيني الدّليل بأنّه يرغبني. وهذا الدّليل موجود: إنّه الكتابة" (بارت، 1992، ص 27). وللتّأكيد على هذا السّياق يشير بارت إلى عمل جوليا كريستيفا كواحدة من المنظّرات السّبّاقات في الاشتغال على النّصّ من زاوية الشّبقيّة والحميميّة، حيث فكرتها عن كتابة النّصّ كممارسة جنسيّة: "أكّدت في وقت واحد على القيمة الشّبقيّة والنّقديّة للممارسة النّصّيّة" (بارت، 1992، ص 109).
ويفصِل بارت بوضوح بين مفهومي اللّذّة والمُتعة، وإنْ كانت العلاقة بينهما وشيجة تمامًا إلى حدود الخلْط بينهما أحيانًا. فاللّذّة وفق توصيفه درجة متقدّمة في سيرورة لبلوغ المُتعة. والمُتعة هي درجة لذّة عليا. فنصّ المُتعة هو التّطوّر المنطقيّ والعضويّ والتّاريخيّ لنصّ اللّذّة، لأنّ نصّ اللّذّة هو الّذي يرضي ويهِب الغبطة بانحداره من الثّقافة الّتي لا يتعارض معها، ويخلق بالتّالي قراءة مريحة.
على نقيض نصّ المُتعة الّذي يجسّد حالة الضّياع بامتياز. وهو لذلك مرهِق لقارئه وناسِف لتاريخه ونفسيّته، حيث علاقته باللّغة تكون علاقة أزمة. فاللّذّة قابلة للوصف، والمُتعة غير قابلة لذلك، بل قابلة للشّعور وفق علم النّفس (بارت، 1992، ص 39).
لتعزيز فهم دقيق للمسألة، يحدّد بارت موضوع اللّذّة في اللّغة وليس اللّسان. ويعني باللّغة هنا اللّغة الأمّ، فالكاتب شخص يلعب مع جسد أمّه[3]. وشخصيّة الأمّ مركزيّة فيما يتعلّق باللّغة، وهذا دليل على تأثير الأمّ- المرأة على الكتابة. ويضيف بارت "وإنّني لأذهب إلى حدّ المُتعة بتشويه اللّغة. وسيطلق الرّأي العام صرخات عالية، لأنّه لا يريد أن "تُشوّه الطّبيعة"" (ن. م.، ص 71).
العلاقة باللّغة هنا مؤسّسة على الهيام والرّغبة. ويشير بارت إلى خصّيصة لافتة تقتضي بأنّ المُتعة لا يمكن أن تنتجها الثّقافة الجماهيريّة بل هي من اختصاص الثّقافة البرجوازيّة. وهي مُتعة تجنح نحو العزلة وترتكس إلى الذّات، حيث سمتها الأساسيّة هي حالة الضّياع. وفي حالة العزلة هذه يكمن قاع السّرّيّة الأعمق، إنّه ظلمة السّينما (ن. م.، ص 71- 73).
وعندما يستعرضُ موقف التّاريخ والمجتمع والأيديولوجيا والتّحليل النّفسيّ فإنّما يسجّل موقفًا بارزًا من كوْن كلّ هذه المجالات والسّلطات قد نَسيت في نظرتها الثّابتة إلى النّص: "المُتعة: إنّها مُتعة تستطيع أن تنفجر عبر القرون، خارج بعض النّصوص المكتوبة، تمجيدًا للفلسفة الأكثر كآبة وشؤمًا (ن. م.، ص 74). لهذا فأيّ لسان يتكلّم به الشّخص في نفسه، من الضّروريّ أن يكون مصطدمًا مع كلّ شكّ أيديولوجيّ، "إذ أكتب فلأنّي لا أريد ما أجد من الكلمات: إنّني أكتب اختلاسًا" (ن. م.، ص 74).
وكلّ ما يدخل في اللّسان السّائد المحميّ من السّلطة، كمؤسّسات اللّسان الرّسميّة، هي آلات لتكرار القول مرارًا: المدرسة، الرّياضة، الدّعاية، الكتب الجماهيريّة، الأغنية، الأخبار. كلّها تعيد استنساخ البنية السّائدة، وتكرّر استعمال الكلمات، لذلك تعتبر لسانًا رسميًّا من صُنع سياسيّ، بل صورة الأيديولوجيا نفسها، لذلك يكون الجديد في مقابل كلّ هذا هو المُتعة (ن. م، ص 76).
وتأسيسًا على ذلك، يكون تكرار اللّسان ملازمًا للّذّة، ولا يقع خارجها كما يستنتج بارت. ويضيف بأنّ تكرار اللّسان هذا يقع خارج المُتعة. ويكون الاستثناء هو المُتعة، بينما القاعدة هي الإفراط واللّذّة (ن. م. ص 76- 77). ويتدارك بارت بشأن مسألة تكرار اللّسان، إذ بالإمكان تحويله إلى شبق ومُتعة، لكن كشكل وليس كمضمون، لأنّ التّكرار المقيت للثّقافة الجماهيريّة هو تكرار المضمون (ن. م.، ص 77).
لا يفوت بارت أن يلاحظ أنّ النّصوص الأدبيّة الّتي تظهر فيها عقدة أوديب ويغيب فيها حضور الأب، هي نصوص تراجيديّة مأساويّة نهاياتها غير متوقّعة، وبهذا فهي تحقّق المُتعة عند قارئها وتغيّب اللّذّة (ن. م.، ص 85- 86).
يقْرن بارت حضور المُتعة بالخوْف أو الرُّعب، غير أنّ نصّ اللّذّة ليس محصورًا في النّصّ الّذي يحكي ويسرد الملذّات، والأمر عينه بالنّسبة لنصّ المُتعة الّذي لا يتعلّق بالضّرورة بكلّ عمل يحكي عن المُتعة أيضًا، إذ أنّ المُتعة- كما سبقت الإشارة- لها علاقة وطيدة بفنّ القول واللّغة واللّسان غير المكرّر.
أمّا إثارة الكتب الشّبقيّة الأيروتيكيّة المتخصّصة في اللّذّة، فهي تمثّل بحقّ المشهد الشبّقيّ بأقلّ ما تمثّل أفق انتظاره. وشهوانيّة النّصّ ولذّته لن تكون مقتصرة على مضمونه ورمزيّته، بل ثمّة من يودّ أن يجعل هذه اللّذّة جسديّة وحسّيّة أيضًا، ليتمّ إلحاقها بشهوات الطّعام واللّقاء وغيره. كأن تقرأ رواية جريمة لغزيّة قمّة متعتك فيها تكون عندما تفكّ الأحجية (ن. م.، ص 101- 102). هذه هي الشّهوانيّة بنظر بارت "ألا يكون المكان الأكثر شهوانيّة في الجسد هو ذلك المكان الّذي يظهر مِن تثاؤب الثّياب" (ن. م.، ص 33)!
وممّا تقدّم فإنّ كلّ نصّ أدبيّ يحمل في داخله مستوى من اللّذّة ومستوى آخر من المُتعة، لكنّ واحدًا منهما هو المُهيمِن.
تذييل:
بالرّجوع إلى "الكتابة في درجة الصّفر" يتّضح أنّ "لذّة النّصّ" هامش مضاعف، يذهب فيه بارت أبعد وأبعد فيما يخصّ زحزحة إشكاليّة الكتابة والنّصّ إزاء تمثّلاتهما وعلائقهما ومستلزماتهما، حقائقهما وأوهامهما وذلك انطلاقًا من المفاهيم الإجرائيّة الأساسيّة الّتي تناول فيها تاريخ الكتابة الأدبيّة الفرنسية في "الكتابة في درجة الصّفر" خلال مائة عام: اللّغة، الأسلوب، الكتابة. وأيضًا: الحُبّ، اللّذّة، المُتعة، الخوْف، الرّغبة، الغواية، الشّبق في "لذّة النّصّ".
فبرغم الفترة الزّمنيّة الممتدّة بين صدور الكتابيْن، هناك خلفيّة مشتركة في الاشتغال على الموضوع بدون أن ننسى فكرة "موْت المؤلّف" ذائعة الصّيت الحاضرة بقوّة في "لذّة النّصّ": لذّة النّصّ الّتي لا يمكن تحقّقها بحضور المؤلّف أو هيمنته كسلوك اجتماعيّ ونفسيّ، في حين أنّ جماليّة النّصّ بكل استعاراته الخفيّة ونسيج معانيه متروكة لمُتعة القراءة الّتي يجب ألّا تشوِّش عليها السّلطة الأدبيّة الخارجيّة، حيث المؤلّف يتموقع في لحظة ما قبل وأثناء كتابة النّصّ، وينتهي بلحظة إنجازه، حيث يولد القارئ.
والمعادلة هنا يمكن تشبيهها بالمؤلّف الّذي يتّخذ صفة الأب، والكتاب يتّخذ عمليًّا صفة الطّفل والابن، وما يتلقّاه القارئ من الابن (الكتاب) هو خطاب ورسالة أكثر تحرّرًا من سطوة الأبوّة وثقلها. بالتّالي فإنّ إقصاء الأب (المؤلف) وتغييبه هي إمكانيّة لقيام أواصر علاقة عضويّة واستمرارها بين الكتاب (الطّفل) والقارئ، إذ أنّ لذّة النّصّ لا يمكن تحصيلها الأكيد إلّا بموْت المؤلّف.
هذه التّأمُّلات المرحة والحاذقة في مفهوم النّصّ ومسألة الكتابة والقراءة يفكّكها بارت بشكل نابض ومتحرّك، فاضحًا خلفيّة الأيديولوجيا وهيمنتها، وكاشفًا لهاجس المجتمع الدّامغ فيها، مميطًا اللّثام عن تماسّها التّخوميّ بعلم النّفس والتّاريخ والفلسفة والأبستمولوجيا، وغيرها.
وهو بحث ونبْش وحفر أركيولوجيّ يعتمد التّحليل الجوّانيّ الّذي لم يقف عند حدود التّركيب بين ما قام به سابقًا مع منجَز موريس بلانشو وسارتر وساد وباتاي وكريستيفا وغيرهم، بل خلخل هذه الحدود وحاول استغوار الحداثة انطلاقًا من مُستحيلها، من أقاصيها، بهدف بناء معرفة جديدة للكتابة الأدبيّة والقراءة الملازمة لها عمليًّا.
هوامش:
[1] هذا الكتاب لمؤّلفه رولان بارت صادر بالفرنسيّة في عام 1953. اعتمدنا على بارت، رولان (2002)، الكتابة في درجة الصّفر، مركز الإنماء الحضاري: حلب سورية. إضافة إلى:
Barthes, Roland, 1982. "From Writing Degree Zero", in: Sontag Susan (ed.), A Barthes Reader: pp. 31-61.
[2] الكتاب صادر باللّغة الفرنسيّة في عام 1973. اعتمدنا على بارت، رولان (1992)، لذّة النّصّ (ترجمة: منذر عيّاشي)، مركز الإنماء الحضاري: حلب سورية.
[3] يحيل بارت القارئ هنا إلى جملة بلينييه فيما كتبه عن لوتريامون وماتيس، انظر/ي بارت، 1992، ص 71.


تحميل المقال التالي...