تقدم بلجيكا، بمكوناتها المجتمعية واللغوية المتعددة، وحكومتها الائتلافية المعقدة، نموذجًا فريدًا للصراع بين الضمير الإنساني والواقع السياسي، بين التوتر القائم بسبب الضغوط الداخلية للرأي العام والمنظمات المدنية من جهة، والتحالفات الدولية والمصالح الاستراتيجية من جهة أخرى، إلى الدرجة التي تجعل من تتبع مسار ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية في جوهره، تتبعًا لتطور الهوية السياسية لبلجيكا الحديثة نفسها.
تاريخيًا، ظلّت بلجيكا، مثل العديد من شركائها في الاتحاد الأوروبي، متشبثة بما يُعرف بـ"الحل السحري" للتوافق الأوروبي، ولطالما كان الموقف الرسمي في بروكسل هو أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يجب أن يكون "نتيجة" لمفاوضات سلام ناجحة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وليس "أداة" للضغط لتحقيق تلك المفاوضات، وهو موقف يأتي مدفوعًا برغبة بلجيكية في عدم "إغضاب" الحليف الاستراتيجي التقليدي الولايات المتحدة الأميركية، وتجنب أي خطوة أحادية قد تُفسر على أنها انحياز ضد إسرائيل.
بهذا الموقف الحذر، يمكننا القول إن بلجيكا اختبأت لسنوات طويلة وراء ذريعة "التضامن الأوروبي"، مفضّلة انتظار موقف موحد من الاتحاد بأكمله، وهي تدرك جيدًا أن هذا الموقف مستحيل التحقق في ظل استخدام الفيتو الضمني من قبل دول مثل ألمانيا والمجر والتشيك، ما جعل من هذا التكتيك وسيلة للمماطلة والتسويف أكثر منه سياسة فاعلة.
غير أن هذا الموقف بدأ يتآكل تحت وطأة الحقائق التي تتأكد يومًا بعد يوم على الأرض في قطاع غزة، والتوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، والعنف المتصاعد من قبل المستوطنين، كل هذه المشكلات جعلت من فكرة "المفاوضات" مجرد وهم يُستخدم لتمديد أمد الوضع القائم لصالح إسرائيل، وبشهادة العديد من الخبراء والمنظمات الحقوقية الدولية، أصبح "الوضع الراهن" مريحًا جدًا لإسرائيل لدرجة أنها لم تعد تملك أي حافز حقيقي لتغييره.
تصدّعات سياسية
أما داخل البرلمان البلجيكي، فقد كانت الأصوات المنادية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية تعلو دائمًا، خاصة من الأحزاب الخضراء والاشتراكية، مثل (Ecolo/Groen)
و(PS/Vooruit)، وقبل 10 سنوات من الآن، وتحديدًا في 2015، تم التصويت على قرار يطالب الحكومة البلجيكية بسرعة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكنه ربط هذا الاعتراف بشروط مستحيلة عمليًا، مثل "وجود حكومة فلسطينية كاملة السيادة على كامل الأرض الفلسطينية"، وهو شرط يعرف الجميع أنه لن يتحقق طالما الاحتلال الإسرائيلي قائم ويتوسع، مما منح إسرائيل فعليًا حق النقض (الفيتو) على أي اعتراف بالدولة الفلسطينية. آنذاك، علق النائب البلجيكي واوتر ده فرينت من حزب "الخضر" قائلًا: "جعل الاعتراف مشروطًا بتوقيع اتفاق سلام يعني منح إسرائيل حق الفيتو على اعترافنا بفلسطين، بينما تعترف السلطة الفلسطينية بإسرائيل منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993، وهذا غير مقبول".
وعلى ذكر اتفاقيات أوسلو، يُذكر أن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، كان قد أعلن قيام الدولة الفلسطينية من العاصمة الجزائرية في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، بالتزامن مع الانتفاضة الأولى، وسرعان ما اعترفت أكثر من 80 دولة حول العالم بالدولة الفلسطينية الوليدة، وكانت في أغلبها من دول الجنوب العالمي: أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والدول العربية.
وفي 13 أيلول/ سبتمبر 1993، وُقّع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسط وعود بتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال الدولة موجودة على الورق فقط، في ظل استمرار الاحتلال وتوسع الاستيطان، وفي 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة (138 صوتًا مقابل 9) لصالح منح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو"، ومع حلول عام 2014، أصبحت السويد أول دولة في أوروبا الغربية تعترف رسميًا بفلسطين، لتلحق بها دول عدة حول العالم، من بينها إسبانيا والنرويج وأيرلندا وأرمينيا وسلوفينيا والمكسيك.
وبالعودة إلى بروكسل، نجد أن التعقيد البلجيكي الداخلي يلعب دورًا محوريًا في تعطيل أي قرار جريء بخصوص الاعتراف بفلسطين، فسياسة البلاد الخارجية، نظريًا، تقع ضمن اختصاص الحكومة الفيدرالية، لكن الأحزاب المكونة لها منقسمة انقسامًا عميقًا حول مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فبينما تدفع الأحزاب اليسارية والوسط اليساري والخضر والاشتراكيون والمسيحيون الديمقراطيون مؤخرًا من أجل اعتراف فوري بالدولة الفلسطينية كمسألة مبدئية وقانونية، تصطف الأحزاب اليمينية والليبرالية والقومية الفلمنكية والإصلاحية الوالونية إلى جانب الموقف الإسرائيلي، مستخدمين حججًا واهية، لكنها في جوهرها تهدف إلى إبقاء الأمور على ما هي عليه.
رئيس الوزراء البلجيكي بارت ده ويفر، زعيم حزب "N-VA"، لا يكف هو الآخر عن ترديد مقولات ببغائية مثل: "الاعتراف يجب أن يتبع عملية السلام، لا أن يسبقها"، متجاهلًا حقيقة أن عملية السلام قد ماتت منذ زمن طويل، وأن إسرائيل هي من دقّ المسمار بعد الآخر في نعشها بمزيد من التوسع الاستيطاني، هذا الانقسام الواضح في التركيبة السياسية لدولة صغيرة مثل بلجيكا ليس مجرد خلاف سياسي أو حزبي عابر، بل انعكاس للانقسامات المجتمعية الأوسع في بلجيكا، بين الشمال الفلمنكي الغني والجنوب الوالوني الفقير، حيث يميل الناخب الفلمنكي إلى المحافظة والموالاة لإسرائيل، بينما يميل الناخب الوالوني إلى التقدمية والتضامن مع المأساة الفلسطينية.
خلقت هذه الديناميكية حالة من الشلل السياسي، وجعلت من بلجيكا متفرجة على التاريخ بدلًا من أن تكون فاعلة فيه، وبينما اعترفت دول أوروبية أخرى بفلسطين، مثل السويد (2014) وإسبانيا وأيرلندا والنرويج (2024)، بقيت بلجيكا تراقب من الأريكة، متذرعة بـ"الوحدة الأوروبية"، بينما لا تستطيع رأب الصدوع الداخلية في تركيبتها السياسية ذاتها، ما جعل موقفها متناقضًا: فهي تدعم نظريًا حل الدولتين وتنتقد الاستيطان، ولكنها ترفض استخدام الأدوات الدبلوماسية القوية المتاحة لديها لدفع هذا الحل نحو الأمام.
تحولت بلجيكا من دولة كانت في طليعة المدافعين عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، إلى دولة تتخلف عن الركب، عالقة في شباكها السياسية الداخلية، بينما العالم من حولها يتغير، والاحتلال الإسرائيلي يتحول إلى نظام فصل عنصري متوحش، "أبارتهايد صريح وعلني" كما وصفته العديد من منظمات حقوق الإنسان الدولية، كانت الصفعة القوية التي أيقظت الضمير البلجيكي النائم هي الحرب الإسرائيلية على غزة التي أعقبت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي كشفت عن فظاعة غير مسبوقة ووحشية صرفة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما دفع حتى أكثر السياسيين حذرًا لإعادة النظر في مواقفهم، ووضع المملكة البلجيكية على مفترق تاريخي.
ما بعد السابع من أكتوبر
لم يكن "طوفان الأقصى" مجرد نقطة تحول في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي فحسب، بل كان أيضًا صدمة للسياسة الخارجية الأوروبية بشكل عام، والبلجيكية بشكل خاص، فالحرب الإسرائيلية على غزة تجاوزت أي شيء شهدته المنطقة من قبل، من حيث الحجم والضراوة والعدد الهائل للضحايا المدنيين، ما أحدث شرخًا عميقًا في الائتلاف الحكومي في بروكسل، وكشف عن هوة أيديولوجية لم يعد من الممكن إخفاؤها تحت سجادة الخطاب الدبلوماسي المعتاد، في تلك اللحظة اكتشف الجميع أن السؤال قد تغير تمامًا، لم يعد: "هل يجب أن نعترف بفلسطين؟"، بل أصبح: "إلى أي مدى يجب أن نذهب في مواجهة إسرائيل؟".
كانت ردة الفعل الرسمية البلجيكية في البداية نمطية ومتوقعة: إدانة هجمات حركة حماس والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. ولكن، مع استمرار الحرب وتحوّل الحملة العسكرية إلى ما وصفه العديد من الخبراء بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بدأ الخطاب الرسمي لبلجيكا في التغير، وأصبحت صور الأطفال المشوّهين تحت الأنقاض، والعائلات التي تموت جوعًا، والمستشفيات التي تُقصف ويُقتل من فيها، لا تُطاق بالنسبة للرأي العام البلجيكي، خرجت مظاهرات حاشدة أسبوعيًا في بروكسل وأنتويرب وغيرهما من المدن البلجيكية، تطالب الحكومة بـ"فعل شيء ما"، وهي المسيرات التي انضمت إليها سريعًا المنظمات غير الحكومية ونقابات العمال والجامعات وحتى رجال الدين، في حملة ضغط لم تشهدها بلجيكا منذ الغزو الأميركي للعراق.
هذا الضغط الشعبي الهائل لم يترك للسياسيين خيارًا إلا أن يستجيبوا، وإن بدرجات متفاوتة، وأصبحت التصريحات التي تدين إسرائيل في البرلمان البلجيكي أكثر حدة وأعلى صوتًا، وصرح النائب سيمون موتكان من حزب "Ecolo" بشكل علني بما كان الكثيرون يفكرون به سرًا: "إذا مضت إسرائيل قدمًا في ضم الضفة الغربية، والاستمرار في بناء المستوطنات وطرد الفلسطينيين من قراهم، فإنها ستصبح، بعد 25 عامًا من انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، دولة أبارتهايد، وهذا غير مقبول على الإطلاق".
لم يعد النقاش في البرلمان البلجيكي يدور حول "حق الدفاع عن النفس" ولكن حول "الجرائم ضد الإنسانية" و"انتهاك القانون الدولي"، وبدأت الأحزاب التي كانت مترددة سابقًا في تغيير مواقفها، وصرحت النائبة إلس فان هوف من الحزب المسيحي الديمقراطي الفلمنكي "CD&V" قائلة: "انتهكت إسرائيل القانون الدولي، وإذا مضت قدمًا في ضم الضفة الغربية واحتلال غزة، فإنها بذلك إنما تبصق على القانون الدولي كله، وعلى بلجيكا أن تردّ بردّ فعل متناسب".
لكن الذروة الحقيقية جاءت مع مبادرات وزير الخارجية البلجيكي ونائب رئيس الوزراء ماكسيم بريفو، زعيم حزب "الملتزمون" Les Engagés، ففي آب/ أغسطس 2025، قدم بريفو ورقة سياسية جريئة إلى مجلس الوزراء المصغر، تتضمن "عشرة إجراءات ملموسة وعقابية" ضد إسرائيل في حال المضي قدمًا في ضم الضفة، وشملت: حظر استيراد منتجات المستوطنات، ومنع دخول وزراء إسرائيليين متطرفين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وسحب الخدمات القنصلية من البلجيكيين المقيمين في المستوطنات غير القانونية (وعددهم 800 شخص)، وتوجيه النيابة العامة لمقاضاة بلجيكيين يرتكبون انتهاكات للقانون الدولي في الأراضي المحتلة، والأهم من ذلك: "منع تحليق الطائرات المحملة بأسلحة متجهة إلى إسرائيل فوق الأراضي البلجيكية"، في إشارة واضحة إلى فضيحة مطار لييج البلجيكي، حيث كشفت تقارير صحافية عن انطلاق عدد من الطائرات المحملة بالأسلحة إلى إسرائيل خلال العامين الماضيين.
أصر وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو قبل أيام فقط، وبعد الاستقالات الجماعية التي شهدتها الحكومة الهولندية في 22 آب/ أغسطس الماضي، على أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يجب أن يحدث الآن، محذرًا: "الانتظار حتى "اللحظة المناسبة" و"استيفاء جميع الشروط" لمثل هذا الاعتراف لم يعد كافيًا... إذا لم تحرز بلجيكا تقدمًا ملموسًا في أيلول/ سبتمبر 2025، فلن يكون هناك ما نتفاوض عليه لدولة فلسطينية أصلًا!"
بهذا الإعلان، حول ماكسيم بريفو نفسه إلى قائد التيار المؤيد للاعتراف بالدولة الفلسطينية داخل الحكومة البلجيكية، مستخدمًا ورقتي الضغط الأوروبية والدينية، لقد فهم أن دولًا مثل فرنسا وبريطانيا وكندا على وشك الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول/ سبتمبر في الأمم المتحدة، وأن تخلّف بلجيكا عن الركب سيعزلها دبلوماسيًا ويقوض مصداقيتها بالكامل.
في مواجهة هذا الضغط المتصاعد، وجد رئيس الوزراء بارت ده ويفر وحلفاؤه أنفسهم في موقف دفاعي، وبدلًا من الانخراط في نقاش بناء، حاولوا رفع سقف المطالب إلى مستويات مستحيلة، وقد صاغ ده ويفر قائمة شروط للاعتراف بالدولة الفلسطينية تبدو معقولة لمن لا يعرف تاريخ الصراع الحقيقي، لكنها غير قابلة للتحقق في المدى المنظور، وعلى رأسها: "تحرير جميع الأسرى الإسرائيليين، وتفكيك حماس، وانتخاب قيادة فلسطينية ديمقراطية، وترسيم حدود واضحة، واعتراف العالم العربي بإسرائيل".
الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط بريجيت هيرمانز علقت على هذه الشروط بقولها: "إنها في الغالب شروط غير مجدية وستؤدي لنتائج عكسية... إنهم يقدمون في الواقع هدية لإسرائيل". الأكثر إهانة للائتلاف الحاكم هو أن رئيس الوزراء البلجيكي اختار الإعلان عن موقفه هذا "أثناء زيارة رسمية إلى برلين"، أي في الساحة الدولية، قبل يوم واحد من اجتماع المجلس الوزاري المصغر المقرر لمناقشة هذا الملف بالذات، واعتبر الكثيرون من المحللين أن هذه الخطوة محسوبة بقوة لإحراج وزير خارجيته، ماكسيم بريفو، وإظهار أن الأمور في يده هو لا في يد غيره من أعضاء حكومته، لكنها كشفت أيضًا عن الاستهتار بالعمل الجماعي داخل الائتلاف الحكومي.
من ناحية أخرى، بدأ البرلمان البلجيكي في التمرد على هذا الجمود السياسي، وبدأ عدد كبير من أحزاب المعارضة، وأيضًا بعض شركاء الائتلاف الحكومي، في التهديد بتشكيل "أغلبية متغيرة" لتجاوز الحكومة وإجبارها على التصويت لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وحذرت النائبة آنيك لامبرخت من حزب (Vooruit): "إذا لم يتغير الوضع، فسوف نتخذ خطواتنا بأنفسنا، لقد انتهى وقت الأعذار، يجب وقف المذبحة في غزة".
حرب الإبادة
لم تكن الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة ردًا عسكريًا اعتياديًا على هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بل كانت حملة إبادة منهجية وغير مسبوقة في القرن الحادي والعشرين من حيث التدمير والقسوة والازدراء الصريح للحياة البشرية، وتجاوزت بأشواط أي مفهوم للتناسب أو التمييز بين المدنيين والمقاتلين، كما وثقت ذلك عشرات التقارير لمنظمات حقوقية دولية مستقلة، كانت هذه الفظاعات التي بُثت مباشرة على شاشات التلفزيون وعبر وسائل التواصل الاجتماعي هي الصدمة التي هزت الضمير العالمي، وأجبرت حتى العواصم الأوروبية الأكثر ترددًا على إعادة حساباتها الجيوسياسية بشكل جذري.
فإلى جوار أعداد الضحايا الفلسطينيين، الذي تجاوز اليوم 64 ألفًا من الشهداء، معظمهم من النساء والأطفال، كانت الطبيعة الممنهجة للتدمير هي ما صدم الأوروبيين، فالحرب الوحشية التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي استهدفت كل شيء في غزة، حجرًا وبشرًا على حد سواء، كانت حربًا على البنية التحتية للحياة نفسها؛ المستشفيات، المدارس، الجامعات، المساجد، الكنائس، المتاحف، المكتبات، شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، حولت إسرائيل غزة من أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض، إلى كومة من الأنقاض ومقبرة جماعية مفتوحة.
صور الأطفال الذين يموتون جوعًا، والجرحى الذين تُجرى لهم عمليات بتر دون تخدير، والأسر التي تأكل أوراق الشجر لتسد رمقها، لم تترك مجالًا للشك: لقد كان هذا عقابًا جماعيًا، واستخدامًا للتجويع كسلاح حرب، وهي جريمة واضحة بموجب القانون الدولي.
حاولت العديد من الحكومات الأوروبية في بداية انطلاق "طوفان الأقصى"، ومن بينها بلجيكا بالطبع، التمسك بالخط التقليدي: إدانة "معاناة المدنيين والعُزل في غزة" مع تجنب استخدام مصطلحات مثل "إبادة جماعية" أو "جرائم حرب" بشكل رسمي، لكن ضغط الشارع كان ساحقًا، واستمرت المظاهرات المليونية في المدن الأوروبية، وفي القلب منها بروكسل، وطالب الأكاديميون، والفنانون، وحتى الجنود السابقون، بوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، لم يعد الخطاب المقبول هو "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" ولكن "حق الشعب الفلسطيني في البقاء على قيد الحياة".
هذا التحول في الرأي العام الأوروبي أجبر السياسيين على اللحاق به بدلًا من قيادته، وكانت فرنسا أول من تحرك بشكل جدي تحت ضغط الرأي العام، ليعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شباط/ فبراير 2025 أن اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية "ليس تابو بعد الآن"، يأتي هذا التصريح من ماكرون الذي طالما نُظر إليه باعتباره أحد المدافعين الأشداء عن إسرائيل في أوروبا، ليعلن رسميًا في تموز/ يوليو الماضي أن فرنسا ستعترف بفلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2025. لم يكن هذا القرار نابعًا من محبة لفلسطين أو إيمانًا بحقها في الوجود (لا سمح الله)، بل كان أيضًا نتيجة لحسابات واقعية، فماكرون، كغيره، أدرك أن الدعم الأعمى لإسرائيل أصبح مكلفًا سياسيًا بشكل متزايد، وأن التاريخ سيقيسه هو وغيره من القادة بحسب استجابتهم لأكبر أزمة إنسانية وأخلاقية في عصرنا الحالي.
وسرعان ما دخلت المملكة المتحدة أيضًا في ركب الغاضبين على إسرائيل، إذ وجدت حكومة حزب العمال بزعامة كير ستارمر، والتي كانت موالية كالعادة لإسرائيل، نفسها تحت هجوم شديد من داخل صفوفها، وكان ذلك بسبب فشل ستارمر في إدانة الحرب بشكل واضح منذ البداية، ما كلفه تهديد الدعم من قاعدة حزبه، فخرج ليقول بأنه سيعترف بفلسطين إذا لم تتوقف إسرائيل عن "الوضع المروع في غزة". أما كندا تحت قيادة جاستن ترودو، فأعلنت هي الأخرى عن نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، متبعةً المسار الفرنسي، حتى دول مثل مالطا وسان مارينو والبرتغال ولوكسمبورغ، بدأت علنًا التلميح إلى أنها تفكر في خطوات مماثلة.
لم يكن هذا الاعتراف الوشيك من قبل هذه الدول "مكافأة" للفلسطينيين، كما يحاول البعض تصويره في الإعلام الأوروبي أو الغربي عمومًا، بل كان في جوهره "عقابًا لإسرائيل"، واعترافًا أوروبيًا ضمنيًا بأن تكلفة استمرار الاحتلال والقتل أصبحت باهظة للغاية على المستوى الدبلوماسي، أدركت هذه الدول أن "عملية السلام" كانت ذريعة، وأن إسرائيل، تحت حكومة يمينية هي الأكثر تطرفًا في تاريخها، لم تكن مهتمة أبدًا بحل الدولتين، بل كانت تعمل بشكل منهجي على جعل هذا الحل مستحيلًا من خلال الاستيطان والضم، وبالتالي أصبح الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لإظهار الرفض.
وضع هذا التحول الأوروبي الحكومة في بروكسل في موقف محرج للغاية، فمن ناحية، شعرت الأحزاب البلجيكية المؤيدة للاعتراف بفلسطين بأنها تناصر "الحق التاريخي للفلسطينيين في امتلاك أرضهم ودولتهم"، وتريد أن تنضم بلجيكا إلى "نادي" الدول ذات "الرؤى الأخلاقية"، وحذر وزير الخارجية ماكسيم بريفو بشكل واضح: "إذا لم تعترف بلجيكا بالدولة الفلسطينية، فإنها ستفقد كل مصداقيتها في سعيها لحل الدولتين، وسيتم استقبال هذا بشكل سيء، وقد يضعف موقعنا الدبلوماسي والاقتصادي".
من ناحية أخرى، كان رئيس الوزراء البلجيكي بارت ده ويفر ومناصروه يحاولون يائسين إبقاء بلجيكا في فلك الدول المترددة مثل ألمانيا، بحجة "الواقعية" و"الشروط"، وهي الحجة التي فقدت مصداقيتها سريعًا، فما فائدة "الواقعية" إذا كانت تعني السير مثل النعامة في الاتجاه المعاكس للتاريخ؟ وكما كتبت الخبيرة سوتكين فان مويلم في تحليل لاذع، فإن اعتراف فرنسا وبريطانيا هو في النهاية "خدعة دبلوماسية... كلمات تحل محل الضغط، مجرد إيماءات رمزية تحل محل العدالة".
ثمن عدم الاعتراف
تجد المملكة البلجيكية نفسها اليوم في واحدة من أكثر اللحظات المصيرية في سياساتها الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ لم يعد القرار المتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية مجرد قضية تتعلق بفلسطين وإسرائيل فحسب، بل أصبح اختبارًا وجوديًا لمستقبل بلجيكا نفسها، وتأكيدًا على هويتها الأخلاقية وتماسكها السياسي الداخلي، ومكانتها على الساحة الدولية، إن اختيار عدم الاعتراف، أو المماطلة حتى يصبح القرار بلا معنى، سيكون له عواقب وخيمة ومتعددة الأبعاد، قد تدفع الأجيال القادمة أثمانها لعقود.
على الصعيد الدبلوماسي الدولي، فإن تخلف بلجيكا عن ركب الدول الأوروبية الرئيسية التي اعترفت وستعترف بفلسطين، سيشكل ضربة قاضية لمصداقيتها كدولة تدعي الالتزام بتعزيز حقوق الإنسان والقانون الدولي؛ لطالما لعبت بلجيكا، بفضل استضافتها للمؤسسات الأوروبية، دورًا وسيطًا ومحايدًا إلى حد ما، لكن هذا الدور يعتمد على إدراك نزاهتها واستقلاليتها، كيف يمكن لبلجيكا أن تتحدث عن الدفاع عن النظام الدولي بينما ترفض هي نفسها تطبيق أحد أهم مبادئ هذا النظام: حق تقرير المصير للشعوب؟ سوف يتم استقبالها في المحافل الدولية على أنها دولة تابعة، غير قادرة على اتخاذ قرارات سيادية نصرة لمبادئها الخاصة، مختبئة خلف تناقضاتها الداخلية، ولذلك فقد كان تحذير وزير الخارجية ماكسيم بريفو واضحًا: "إن لم نعترف بالدولة الفلسطينية فسوف يُستقبل قرارنا هذا بشكل سيء، وقد يكون من الشدة بحيث يمكن أن يضعف موقعنا الدبلوماسي والاقتصادي، لأن فقدان مصداقيتنا سيكون بمثابة انتحار سياسي".
وعلى الصعيد الأوروبي، ستعزل بلجيكا نفسها ذاتيًا، إذا مضت فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وأيرلندا والنرويج والسويد وغيرها في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنها ستشكل بحكم الواقع كتلة جديدة داخل الاتحاد الأوروبي، وستصبح بلجيكا، التي كان يمكن لها أن تكون قائدة لهذه المجموعة، على الهامش، مجرد متفرج على القرارات التي ستشكل مستقبل سياسة الجوار الأوروبي، ولن تكون خارج دائرة صنع القرار الأوروبي أو الدولي فقط، ولكنها ستفقد أي قدرة للتأثير على عمليات السلام في المستقبل، ستصبح مستبعدة في وقت تسعى فيه أوروبا لإيجاد موطئ قدم لها في فوضى العالم العربي، فإن اختيار بلجيكا للبقاء في الخلف سيعكس عدم نضج سياسي وخسارة فادحة لنفوذها.
أما على الصعيد الداخلي، فإن استمرار الحكومة مشلولة أمام هذا القرار، قد يدفع بالبلاد إلى أزمة سياسية عميقة، فالضغوط الهائلة من الأحزاب المؤيدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام، لا يمكن احتواؤها إلى الأبد، ولو تم تنفيذ التهديد بتشكيل "أغلبية متغيرة" في البرلمان لتجاوز الحكومة، فسوف يكون ذلك إعلانًا بعدم ثقة البرلمان بالحكومة في أحد أهم ملفات السياسة الخارجية، مما قد يؤدي إلى استقالة الحكومة وانهيار الائتلاف الحاكم والدعوة إلى انتخابات مبكرة، في وقت تعاني فيه بلجيكا من تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة، حتى بدون وصول الأمر إلى هذا الحد، فإن الشرخ داخل الائتلاف قد أصبح عميقًا لدرجة أنه سيكون من الصعب جدًا التعاون في أي ملف آخر، مما يشل عمل الحكومة بشكل كامل.
على الصعيد الأخلاقي والإنساني، فإن عدم الاعتراف سيكون بمثابة صفعة للضمير البلجيكي، كيف يمكن للبلد الذي عانى من الاحتلال النازي، والذي يفتخر بكونه قلب أوروبا المتحضرة، أن يغض الطرف عن إبادة جماعية تتم على مسمع ومرأى من العالم أجمع؟ الرسالة التي سترسلها بلجيكا للعالم ستكون واضحة: مبادئنا قابلة للتفاوض، وقيمنا لها ثمن، وحياة الفلسطينيين أرخص من أن نخاطر من أجلها، هذه الرسالة ستدمر الصورة الذاتية لبلجيكا عن نفسها كدولة تسعى للعدالة، كما كتب مجموعة من قادة المجتمع المدني والكنيسة في مناشدة علنية: "الصمت أو الانتظار يعني التواطؤ في الظلم والمآسي الإنسانية التي تتكشف يومًا بعد يوم".
أخيرًا، هناك بُعد عملي بحت في معضلة الاعتراف البلجيكي بالدولة الفلسطينية، فالاعتراف ليس مجرد خطاب يُلقى وينتهي بانتهاء التصفيق، لكنه يفتح الباب لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة واتفاقيات تجارية، ودعم مباشر لمؤسسات الدولة الفلسطينية الناشئة، وتأخير الاعتراف يعني حرمان الفلسطينيين من هذه الأدوات الفعالة، وإطالة أمد معاناتهم، وجعل حل الدولتين أكثر صعوبة، فعندما يقول وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو: "لن يبقى هناك شيء للتفاوض عليه"، فهو لا يمزح، فمع استمرار الاستيطان وضم مئات الكيلومترات من الأراضي الفلسطينية، فإن الأرض التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية تتقلص يوميًا.
الخيار الذي تواجهه بلجيكا الآن فيما يخص اعترافها بالدولة الفلسطينية أو عدمه، يعني وقوفها على المحك تمامًا، بين خوفها من حلفائها الأقوياء: الولايات المتحدة وألمانيا وإسرائيل، وخوفها من حكم التاريخ، ومن عدم الوفاء بمسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، القرار الذي ستتخذه بلجيكا في الأسابيع القليلة المقبلة بخصوص الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يحدد مصير الفلسطينيين فقط، بل سيحدد هوية بلجيكا نفسها... وربما لعقود قادمة.


تحميل المقال التالي...