}

السر الكبير... حفيد "مُدبِّر المحرقة"

ضفة ثالثة ـ خاص 10 يناير 2026
تغطيات السر الكبير... حفيد "مُدبِّر المحرقة"
نانيتا دوروتي التي وُلدت في العشرين من تموز/يوليو 1944

في ظهيرة صيفية من عام 2024، جلس هنريك لينكايت في شقته بجنوب إسبانيا يتصفح الإنترنت بعد يوم عمل مُرهق. كان المعالج النفسي الألماني البالغ من العمر تسعة وأربعين عامًا قد شاهد للتو فيلمًا وثائقيًا عن هاينريش هيملر، الرجل الثاني في الرايخ الثالث بعد أدولف هتلر ومهندس الهولوكوست الذي أودى بحياة ستة ملايين يهودي. دفعه الفضول إلى البحث عن مزيد من المعلومات حول عشيقة هيملر، هيدفيغ بوتاست، التي ظهرت في الفيلم. وحين فتح إحدى صفحات ويكيبيديا، تجمّد أمام الشاشة: الوجه الذي يحدّق فيه لم يكن سوى وجه جدته التي طالما ناداها "موتي"، اللفظة الألمانية الحميمة للأم.
لم يصدّق لينكايت عينيه في البداية. راح يدقق في الصورة مرارًا، يقارن بين ملامح المرأة الشقراء ذات العينين الزرقاوين وبين ذكرياته عن جدته الودودة التي كانت تناوله الشوكولاتة في زياراته الطفولية إلى جنوب ألمانيا. تطابقت تواريخ الميلاد والوفاة، وتطابقت الملامح، فانهار عالمه بأكمله. التفت إلى زوجته المكسيكية وسألها بصوت مرتعش: "هل أنا حقًا حفيد هذا الرجل؟" نظرت إلى الشاشة وأجابت بالإيجاب.
قضى لينكايت الأشهر التالية في بحث محموم عبر الإنترنت، يجمع القطع المتناثرة من أحجية عائلته المخفية. اكتشف أن جدته هيدفيغ بوتاست، المولودة في كولونيا عام 1912، عملت سكرتيرة في مقر الغيستابو ببرلين منذ عام 1934، قبل أن تصبح السكرتيرة الخاصة لهيملر عام 1936. في ليلة عيد الميلاد من عام 1938، اعترف الرجلان بحبهما لبعضهما، وبدأت بينهما علاقة غرامية سرية رغم زواج هيملر من مارغريت التي أنجبت له ابنته الشرعية الوحيدة غودرون.
أثمرت العلاقة المحرّمة عن طفلين: هيلغه، الذي وُلد في الخامس عشر من شباط/ فبراير 1942، ونانيتا دوروتيا، والدة لينكايت، التي وُلدت في العشرين من تموز/ يوليو 1944 في بيرشتسغادن قرب مقر هتلر الجبلي. كان هيملر مهووسًا بفكرة إنشاء نخبة آرية، فاعترف بأبوته لنانيتا ودوّن اسمه في شهادة ميلادها، معتقدًا أنه يُسهم في نشر "العرق السيد". وجد لينكايت هذه الشهادة خلال بحثه، فكانت الدليل القاطع على نسبه: ليست إشاعة ولا تخمينًا، بل وثيقة رسمية مختومة.
حين سقط الرايخ الثالث في ربيع 1945، هرب هيملر من برلين متنكرًا بزي جندي عادي، لكن البريطانيين قبضوا عليه. وفي الثالث والعشرين من أيار/ مايو 1945، سحق كبسولة سيانيد كان يخبئها في فمه، فمات قبل أن يُحاكَم على جرائمه. أما هيدفيغ فاستُجوبت من قبل الجيش الأميركي لبضعة أيام ثم أُطلق سراحها، ويُشاع أنها ربما أبرمت صفقة مع المخابرات الأميركية لتفادي الملاحقة. تزوجت لاحقًا من رجل يُدعى هانس شتيك، فحمل طفلاها اسمه العائلي، وبذلك طُمست هويتهما الحقيقية عن العالم.




عاشت بوتاست بقية حياتها بعيدًا عن الأضواء، رافضةً الإجابة عن أي أسئلة تتعلق بعلاقتها بهيملر أو معرفتها بجرائمه. حين أجرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية مقابلة معها عام 1987، التزمت الصمت التام حيال مسؤولية عشيقها عن جرائم الحرب النازية. توفيت عام 1994 في بادن بادن، ولاحظ لينكايت حينها، وكان في السابعة عشرة من عمره، أن أجواء الجنازة كانت غريبة: قلة من المعزّين، وغياب شبه تام للحزن. لم يفهم السبب إلا بعد ثلاثين عامًا.
نشأ لينكايت في شمال ألمانيا معتقدًا أن هانس شتيك هو جده الحقيقي. لم يخبره والداه بالحقيقة قط. توفي والده الملحد، الذي وصفه بأنه "رجل قاسٍ"، من دون أن ينطق بكلمة عن الماضي. أما والدته نانيتا، فحملت سرها إلى القبر حين رحلت عام 2019، تاركةً ابنها يتخبط في أسئلة لن تجد أجوبة مباشرة. حين حاول التواصل مع أقاربه من جهة الأم بعد اكتشافه، قُوبل بجدار من الصمت والرفض. طلب منه خاله البالغ من العمر ثلاثة وثمانين عامًا، وهو الابن الآخر لهيملر، ألا يتصل به مجددًا. قطع أقارب آخرون علاقتهم به تمامًا.
لجأ لينكايت إلى مجلة "دير شبيغل" ليروي قصته، وتواصل مع باحثة تُدعى كاترين هيملر، وهي ابنة أخ كبرى لهاينريش هيملر ومؤلفة كتاب "الإخوة هيملر" الصادر عام 2007. اختارت كاترين، على عكس معظم أفراد العائلة، الاحتفاظ باسمها سيئ السمعة ومواجهة إرثها العائلي المظلم بدلًا من الهروب منه، بل تزوجت من رجل إسرائيلي في خطوة رمزية للمصالحة مع ضحايا جدها الأكبر. ساعدت كاترين في التحقق من ادعاءات لينكايت، وأكدت المجلة صحة نسبه من خلال شهادات الميلاد الرسمية.
يصف لينكايت العام الذي تلا اكتشافه بأنه "عملية حداد". يقول إنه فقد إحساسه بهويته، وشعر بأن سبعة وأربعين عامًا من حياته كانت كذبة واحدة كبيرة. راودته مشاعر الغضب والحزن والاكتئاب والخوف، بل تساءل أحيانًا عما إذا كان يستحق الحياة. ساءت علاقته بالصلاة، لكنه في نهاية المطاف لم يجد ملاذًا إلا في إيمانه. يعمل لينكايت قسًا في كنيسة إنجيلية حرة إلى جانب عمله معالجًا نفسيًا للأزواج، وقد انتقل مع زوجته وأطفالهما الثلاثة إلى كوستا ديل سول الإسبانية عام 2018. يقول إن إيمانه هو ما أبقاه متماسكًا، وإنه لولا ذلك لكان على الأرجح في مصحة نفسية.
يرفض لينكايت أي محاولة لتبرئة جدته من المسؤولية. يقول بحزم: "كانت تعرف. أعتقد أنها كانت تعرف كل شيء. كانا عاشقين. عاشقان وحشيان". يشير إلى روايات تفيد بأنها شجعت هيملر على تسريع وتيرة الإبادة، بل إن بعض المصادر تذكر أنها امتلكت نسخة من كتاب هتلر "كفاحي" مجلدة بجلد بشري، وإن كان لينكايت يتحفظ على تصديق كل ما يُروى في هذا الشأن. أما عن جده، فيصفه بكلمات لا لبس فيها: "قاتل جماعي، شيطان، وحش، كل ما يمكن تخيله من الشر".
أثارت قصته اهتمامًا دوليًا واسعًا فاجأه. تلقى طلبات مقابلات من إسرائيل وإسبانيا وأستراليا وبريطانيا وسويسرا، وانهالت عليه الرسائل عبر فيسبوك من أنحاء العالم. تجاهل رسائل الكراهية وفتح قلبه للتواصل الإيجابي، ليكتشف أن كثيرًا من أحفاد الناجين من الهولوكوست يتصلون به. يقول إن عائلات الضحايا تعاني من صدمات مشابهة لتلك التي يحملها أحفاد الجناة، وإن ثمة أرضية مشتركة للشفاء يمكن البناء عليها.
ينتقد لينكايت بشدة صعود اليمين المتطرف في أوروبا، ويعبّر عن غضبه من المسيحيين الذين يصوتون لأحزاب مثل "البديل من أجل ألمانيا". يرى أن الكشف عن أسرار العائلات المظلمة يمكن أن يكون ترياقًا ضد التطرف، لأنه يُذكّر الناس بما يمكن أن تفضي إليه أيديولوجيات الكراهية. لا يستطيع تغيير نسبه، لكنه يريد أن يطلب الصفح من ضحايا جده، وأن يفصل نفسه تمامًا عن ذلك الإرث الدموي.
تمثل قصة لينكايت نموذجًا لظاهرة أوسع: معاناة أحفاد كبار النازيين مع أسمائهم وتاريخهم العائلي. بعضهم، مثل غودرون بورفيتز ابنة هيملر الشرعية التي توفيت عام 2018، ظلوا مخلصين لذكرى آبائهم ونشطوا في دعم النازيين السابقين حتى النهاية. وبعضهم، مثل كاترين هيملر، اختاروا المواجهة العلنية والمصالحة. أما لينكايت فقد فُرض عليه الاكتشاف فرضًا، بعد عقود من التعتيم العائلي، ليجد نفسه أمام خيار: الصمت الذي اختاره أسلافه، أم الكلام الذي قد يفتح جراحًا لكنه قد يشفي أيضًا.
يقول لينكايت إنه يشعر الآن بتحسن كبير مقارنة بما كان عليه قبل عام. حين نشرت "دير شبيغل" قصته، كان متوترًا ومنغلقًا، يتحدث بتردد ويرفض الخوض في تفاصيل عائلته. أما اليوم فيبدو أكثر انفتاحًا وعفوية، يضحك ويتحدث بحرية. أخبرته زوجته مؤخرًا: "أخيرًا، هنريك المرح عاد". لم تنتهِ رحلته بعد، فهو يعترف بأن عملية كهذه لا تكتمل أبدًا، لكنه يؤمن بأن البداية قد تحققت، وأن الخطوة الأولى نحو النور تبدأ بالاعتراف بالظلام.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.