}

آخر جنود هتلر في الجليد الأبدي...

ضفة ثالثة- خاص 22 يناير 2026
تغطيات آخر جنود هتلر في الجليد الأبدي...
جنود أميركيون وتدمير محطة إذاعية ألمانية وقاعدة للأرصاد الجوية(Getty)

 

في صباح يوم 12 آب/ أغسطس من عام 1942، انسلّت سفينة صيد ألمانية قديمة تُدعى "زاكسن" من ميناء فارنيموندة على بحر البلطيق، متجهةً شمالًا نحو المجهول. لم يكن على متنها صيادون يبحثون عن رزقهم في مياه الشمال الباردة، بل ثمانية عشر رجلًا تتراوح أعمارهم بين العشرين والخمسين، يحملون أوامر سرية من قيادة الفيرماخت الألماني. أبحرت السفينة محاذيةً للساحل النرويجي حتى بلغت مدينة ترومسو، ومن هناك شقّت طريقها عبر الضباب الكثيف والعواصف الشمالية الغربية باتجاه غرينلاند، تلك الجزيرة الجليدية التي كانت حينها مستعمرة دنماركية، لكنها باتت ساحة صراع خفية بين القوى العظمى.

كان على متن السفينة مزيج غريب من البشر؛ ضباط مراقبة وبحّارة ومهندسو آلات، إلى جانب صانعي أشرعة وصيادي أعالي البحار وفنيي كهرباء. بعضهم كان يجمع بين صفة الجندي وصفة العالم في آنٍ واحد. وقد تولّى قيادة الجانب العلمي للبعثة عالم الأرصاد الجوية الدكتور غوتفريد فايس. أما المهمة التي أُوكلت إليهم فكانت إنشاء محطة لرصد الطقس في قلب القطب الشمالي، حملت الاسم الرمزي "هولتساوغه"، أي "العين الخشبية".

حين اقتربت السفينة من حافة الجليد، هدأت الأمواج الهائجة كما لو أن البحر نفسه قد استسلم للصقيع. تسللت "زاكسن" عبر الجليد الطافي حتى رست في خليج هانسا على الساحل الشرقي لجزيرة سابين، وألقت مرساتها على عمق أربعين مترًا. هناك، في تلك البقعة النائية من العالم حيث يختفي الخط الفاصل بين الليل والنهار لأشهر طويلة، بدأ الرجال مهمتهم.

لم تكن غرينلاند مجرد أرض جليدية منسية على أطراف الخرائط، بل كانت موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في الحرب العالمية الثانية. تقع هذه الجزيرة الضخمة في منتصف الطريق بين أميركا الشمالية وأوروبا، وقد أدركت الولايات المتحدة قيمتها باكرًا، فأقامت فيها قواعد عسكرية ابتداءً من عام 1941 بموافقة الحكومة الدنماركية المنفية. استخدم الأميركيون هذه القواعد لنقل العتاد الحربي إلى الجبهة الأوروبية ولمراقبة شمال الأطلسي من الجو.

غير أن ثمة بُعدًا آخر لأهمية غرينلاند لم يكن أقل خطورة من موقعها الجغرافي، وهو بُعدها المناخي. فالظروف الجوية في المنطقة الممتدة بين القطب الشمالي وشبه الجزيرة الإسكندنافية تؤثر تأثيرًا مباشرًا على طقس أوروبا بأسرها. ومعلومات الطقس ليست ترفًا علميًا في زمن الحرب، بل هي عامل حاسم يحدد إمكانية إقلاع الطائرات وإبحار السفن، ويرسم توقيت الغارات الجوية وعمليات الإنزال البحري.

قبل اندلاع الحرب، كانت شبكات رصد الطقس منظومة دولية مشتركة تتبادل فيها الدول بياناتها بحرية. لكن حين اشتعل الصراع، وجدت ألمانيا النازية نفسها محرومة من الوصول إلى معلومات الأرصاد الجوية التي يملكها الحلفاء. كان هذا الحرمان بمثابة عمى استراتيجي خطير، دفع القيادة العسكرية الألمانية إلى إرسال بعثات سرية متعددة لإنشاء محطات أرصاد خاصة بها. وبين عامي 1941 و1945، أقامت ألمانيا أكثر من عشر محطات من هذا النوع في غرينلاند والقطب الشمالي.

أسر جنود ألمان في غرينلاند عام 1945


شرع رجال بعثة "العين الخشبية" في بناء كوخ على الشاطئ يبعد نصف كيلومتر عن السفينة، جهّزوه بالمؤن الضرورية ليتسع لثمانية رجال. كانت الخطة أن يتوزع الفريق إلى مجموعتين تقضيان الشتاء القطبي الطويل، واحدة على متن السفينة والأخرى في الكوخ. لاحقًا أُضيف كوخ ثانٍ. أما على ظهر "زاكسن" فقد حوّل الرجال إحدى الغرف إلى مقرّ للإقامة، كان يُدفأ من موقد الطهي لكنه كان محرومًا من ضوء النهار تمامًا.

في الثلاثين من آب/ أغسطس 1942، أطلقت المحطة أولى بالوناتها الراصدة للطقس، وسرعان ما انتظم إرسال البيانات يوميًا إلى محطة ترومسو. ظلت المجموعة تعمل في سرية تامة لأشهر طويلة بدون أن يكتشفها أحد.

لكن في آذار/ مارس 1943، رصدت دورية تزحلق على الجليد موالية للحلفاء مجموعة من رجال "العين الخشبية" على بُعد تسعة كيلومترات من المحطة. وقعت مناوشة قصيرة أسفرت عن أسر ضابط ألماني. وفي أيار/ مايو من العام نفسه، شنّت قاذفات أميركية غارة على المحطة، فدمّرت القنابل الحارقة الكوخ الذي يضم الأجهزة التقنية. بعد أسابيع قليلة، قررت القيادة الألمانية إنهاء المهمة وإجلاء الرجال جوًا إلى النرويج.

شكّل فقدان بيانات الأرصاد من غرينلاند ضربة موجعة للجهود الحربية الألمانية. لذلك سارعت البحرية في آب/ أغسطس 1943 إلى إرسال فريق جديد على متن سفينة الأرصاد "كوبورغ". نجح هذا الفريق في إرسال البيانات لعدة أشهر قبل أن ترصده دورية حلفاء أخرى، فاضطرت القيادة إلى إخلائه بدوره.

توالت البعثات الألمانية إلى غرينلاند وأرخبيل سفالبارد، لكن مشكلة الاستطلاع الجوي ظلت تؤرق القيادة العسكرية الألمانية. وقد تجلّت عواقب هذا القصور بوضوح مؤلم في مطلع حزيران/ يونيو 1944، حين فاجأ الحلفاء ألمانيا بإنزالهم الشهير على شواطئ نورماندي.

كان الجنرال الأميركي دوايت آيزنهاور قد حدد في البداية الخامس من حزيران/ يونيو موعدًا لعملية الإنزال، لكن الرياح العاتية والأمواج العالية أجبرته على التأجيل يومًا واحدًا. وبفضل التنبؤات الجوية الدقيقة التي كانت بحوزة الحلفاء، استطاعوا رصد فترة هدوء نسبي قصيرة ستسود الساحل الفرنسي في السادس من الشهر، فاغتنموها لشن هجومهم الذي غيّر مسار الحرب. أما الجانب الألماني، المحروم من معلومات مناخية موثوقة، فقد فوجئ بالعملية تمامًا.

حتى الأيام الأخيرة من الحرب، واصلت القيادة الألمانية محاولاتها اليائسة للسيطرة على ملف الأرصاد الجوية. كانت بعثة "هاوديغن" من آخر الفرق التي أُرسلت إلى الجليد الأبدي، وقد توجهت إلى أرخبيل سفالبارد لإنشاء محطة أرصاد جديدة. ضمّ الفريق أحد عشر رجلًا حملوا معهم نحو ثمانين طنًا من المعدات على متن سفينة "كارل ي. بوش" والغواصة 307. شملت الحمولة سبعة أطنان من الفحم، إضافة إلى أجهزة اتصال لاسلكي ومتفجرات وأسلحة وصناديق مؤن.

ومن طرائف ما سجّله أحد الجغرافيين المشاركين أن حصة كل رجل الشهرية من المشروبات كانت تشمل ثلاثة لترات من النبيذ الفرنسي الأحمر، ولترًا ونصف لتر من الكونياك، ولترًا من مشروب الشتاينهاغر، وثلاثة أرباع اللتر من الليكور. ربما كان ذلك تعويضًا عما ينتظرهم من عزلة قاسية في درجات حرارة تهبط إلى أربعين تحت الصفر.

باشر فريق "هاوديغن" عمله في أيلول/ سبتمبر 1944، وانتظم في إرسال بيانات الطقس عدة مرات يوميًا إلى محطة البحرية في ترومسو. لكن النصر الذي كانت تأمله القيادة الألمانية من وراء هذه المعلومات لم يتحقق. في الثامن من أيار/ مايو 1945، أعلنت ألمانيا استسلامها غير المشروط، وانتهت الحرب في أوروبا.

غير أن أحدًا يكاد يكون قد نسي أولئك الرجال المحاصرين في محطتهم الجليدية على أطراف العالم. فبينما كانت أوروبا تتنفس الصعداء وتبدأ في لملمة جراحها، ظل رجال "هاوديغن" عالقين في القطب الشمالي قرابة أربعة أشهر أخرى، ينتظرون من يتذكّر وجودهم.

أخيرًا، في الرابع من أيلول/ سبتمبر 1945، وصل إلى المحطة صياد فقمات نرويجي، فأجلى الرجال وسلّمهم إلى قوات الحلفاء. بذلك، دخل أعضاء فريق "هاوديغن" التاريخ بوصفهم آخر الجنود الألمان الذين استسلموا في الحرب العالمية الثانية، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من سقوط برلين وانهيار الرايخ الثالث.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.