جان نان [1] غريبة عني، بل ويغلّف هذه الغرابة قدرٌ من الغموض. جان نان بالنسبة لي فراغٌ ممتد، وفي حضور الفراغ تزداد الجاذبية. المسافة التي تفصلني عن جان نان ليست قريبة ولا بعيدة، ولكنها مسافة تحتفظ بالمعزّة، وتزخر بالحنين.
جان نان، أنتِ جزء من قومية التبت، تنتمين للماعز والخراف، والمروج، وكذلك المعابد المهيبة التي تخطف الأنظار، بل وأيضًا لـ"اللاما" [2] الذي يرتدي عباءةً صينيةً طوبية اللون هو جزء من هويتكِ.
جان نان، يُخيَّل إليّ أنني لن أطأ عالمكِ أبدًا، تلوح العراقة والغموض من أعلى نقطة من ارتفاعكِ المهيب. جان نان، سأظلّ حبيس عالمكِ إلى الأبد، فبداخلكِ يتوارى مذاق التبت الخاص بكِ - والذي يجذب المرء- وكذلك اتساعكِ، وارتفاعكِ وعراقتكِ، وعذوبتكِ ونقاء مائكِ، وعشبكِ النضر، كأنني أحتضنكِ، وكأنكِ تتواثبين، حتى تدخلين إلى قلبي بحرارة أو ترفعين وجهكِ وتتطلّعين إلى أن أضمّكِ. جان نان، أشعلتِ خيالي المتّقد بالتاريخ، والثقافة، والبوذية، والفن.
ارتفاع هضبة التبت
هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر بها أن الهواء يضغط على رئتيّ بلا شفقة. عندما أغطش الليل، كنت قد وصلت إلى هضبة التبت آتيًا من بكين، وتمهّلت خطواتي على السهوب، كان الأفق منبسطًا والغيوم مشتّتة. عندما جلت ببصري من أعلى الجبل [3]، شعرت أن الجبال قصيرة، والسحب خفيضة، وكأنما السماء والأرض سيضغطاني بينهما. صعبٌ تخيّل أن التبتيين، ومَن عمروا جان نان، لا يتأثرون بارتفاع هضبة التبت، ولا يقهرهم هذا العلوّ. بمجيئي إلى جان نان، رأيت أهلها المحليين يستخدمون أداةً فريدةً للطهي؛ وهي عبارة عن طاسة ألومنيوم، مخصّصة لصناعة الخبز الصيني الرقيق، هي أكبر بكثير من الطاسة التي يستخدمها أهل الشمال، بل وأثقل منها بكثير، يبلغ وزنها بضعة كيلوغرامات. في بكين تُستخدم أيضًا طاسة الخبز الصيني الرقيق، ولكنها تكون مصنوعة من الحديد، الخبز الذي يُصنع في هذه الطاسة يكون رقيقًا، أما خبز طاسة الألومنيوم فيكون منفوشًا مخمّرًا. هناك صديق لي من مدينة لان جو أفشى لي سرًّا، وقال إنه بسبب شُحّ الأكسجين في المدينة، لا يُصنع الخبز على البخار، بل يُعوِّض الخبز المنفوش الذي يُصنع بواسطة طاسة الألومنيوم مذاق الخبز المصنوع على البخار. ارتفاع هضبة التبت يبعث القلق في النفوس، ويجعل المرء يشعر بالصداع وضيق التنفس. فإن شُحّ هواء هضبة التبت بشكل لم أتوقعه، جعل قلبي الطامع يسحب الأكسجين للتنفس في هضبة التبت.
هل ارتفاع هضبة التبت عن سطح البحر مهيبٌ بالفعل، هل حقًّا الأكسجين بها شحيح؟ رأيت رأي العين التبتيين الذين يحملون عجلة الصلاة اليدوية، ويحرّكونها لآلاف المرات أمام المعابد كل يوم، ولامست قدمي الأزهار والعشبات الجميلة الاستثنائية، وعندما التفتُّ صوب المعابد المهيبة، رأيت خُطًى ورعةً تقيّةً، بطيئةً ولكنها ثابتة؛ كانت خطى لسيدة مُسنّة من قومية التبت، ملابسها بالية [4] ولكن كانت يداها تحتكّان بالأرض بلا هوادة، مما يجعل مهابة هضبة التبت تنحني أمام ذلك الورع السامي.
شموخ هضبة التبت وارتفاعها، جعلني أتيقّن أنني صغير مثل الجبل عندما رأيت ورع التبتيين وانبطاحهم. ومهابة هضبة التبت جعلتني أُبصر هشاشة الحياة، عندما انحنيت لأستنشق رحيق الأزهار العطرة. هضبة التبت، رائحتكِ كانت قد غمرت جسدي، في اللحظة التي تركتكِ فيها ومضيت.
سحر النهر الأصفر
النهر الأصفر رمز للجمال كامنٌ في قلبي. ما حُفر في وجداني عن النهر الأصفر، هو أنه يزأر، ويهدر، ويتدفق ويجيش، كما أنه مهيب وواسع ومنبسط. ولكن ذلك في شلال خوكو. ذلك هو النهر الأصفر الذي قرأت عنه في الأعمال الأدبية المختلفة. النهر الأصفر، مكانته في قلب الصينيين كمكانة الأم، لطالما يتدفق ويجري في شرايين الناس المحبّين لهذه الرقعة من الأرض.
الاستمتاع بمنظر النهر الأصفر هو حلمي الأبدي. فعندما وقفت على ضفة حديقة نهر بينغ في مدينة لان جو، ورنوت إلى النهر المنساب بهدوء أسفل قدميّ، فوجئت أنه يفيض دفئًا كمشاعر الأم!، ينساب برقة وبخفة، مثل الأغاني ودندنة أغانٍ شعبية للأطفال قبل النوم، فهو يتدفق إلى بُعد قصيّ بلا تذمّر أو كلل. مياه النهر، صفراء اللون وممتدة، لا أُبصر رذاذ الأمواج بمجرى النهر، فهذا الجزء من النهر الأصفر أكثر صفاءً ولطفًا من أنهار الجنوب، وما زال يتدفق ويسري، في مساره من دون أن يهدأ.
ظللت واقفًا في ذهول هناك، أستمتع بجمال النهر الأصفر، وأراقب حركته. فأكثر ما أحببت سماعه، بل وأكثر ما تماهى إلى أذني هو صوت رذاذ الأمواج - الكبيرة والصغيرة- فهذا الصوت هو تمازُج بين الحماسة والشغف: النباتات تقلّصت، وكذلك الغابات، ولكن عزيمة النهر الأصفر في التدفق لم تتغيّر لآلاف الأميال، فهو يجيش لمسافات بعيدة، ولا يزال يغني بصوت رنان، ولا يحجم عن التدفق. يتقدّم. يتقدّم بجسارة!. هذا هو النهر الأصفر الذي طالما حلمت به، ورسمته في مخيّلتي!. يتدفق بلا تردّد في قلبي، بغضّ النظر عما إذا كان الجزء المتدفق في منطقة جان نان أو جزء شلال خوكو [5]، وبغضّ النظر عن مدى هدوئه أو ثورته. إن النهر الأصفر قد غرس في الصينيين الجسارة، فهو أشبه بالعروق التي تجري في أجسادنا، والظهر القوي الذي نستند إليه. النهر الأصفر، يغمرني بسحر ما، بل ويترك لنا جوهرًا حقيقيًّا عميق المغزى: "الاستمرار في تحسين الذات والسعي بلا هوادة في سبيل التقدّم".
ليلة على السهوب
عندما وطئت جان نان، أدركت أن الأسلاف والتاريخ هما أشبه بكتاب لا يُشبَع من قراءته إلى الأبد: "خذ معك البقول حتى لو شبعان، وخذ معك الملابس حتى لو الطقس حار". فهذه مقولة قديمة، ولكن من بين عشرات الأشخاص الذين يتحلّون بالعلم والثقافة، لم يكن هناك ولو شخص واحد، يحمل التعاليم القديمة في قلبه بصدق.
"الغروب جميل، والنجوم باردة، أما المروج فبلا خيم، وكأنها تأبى ارتداء ثوب خفيف". عندما زحفت خطى الليل بلا مقدمات، وباتت الرياح الباردة التي تعصف بالمروج مثل زبانية الظالم، بطشت بنا، نحن الغرباء عن المكان. نحن أبناء المدينة المساكين، لم يكن لدينا استعداد مسبق، وكأن البرد القارس تخلّل عظامنا وبات ينخرها، حتى صاح صديق وكأن صوته أفاقنا من شيء: "حضرت قصائد الشِّعر القديم".
بكين في شهر تموز/ يوليو تكون قائظة، درجة حرارتها المرتفعة تشبه الحرارة في أفريقيا. المجيء إلى جان نان لتجميع الأغاني الشعبية في أصله كان فرارًا من الطقس الحار. العديد من الأصدقاء كانوا يرتدون ملابس صيفية قصيرة وخفيفة، ولكن لا أحد منهم توقّع - بتاتًا- أن الليلة التي سنصل فيها إلى المروج، سيكون فيها البرد بلا شفقة، وسيجعلنا نرتجف بشدّة.
الخيمة، كانت أشبه بملاذ لنا، اندفع الجميع إلى داخلها متحاشين البرد مثل نمر ينقضّ على فريسته. معطفٌ كبيرٌ زيتيٌّ يُستخدم في الجيش، ذكّرنا مجدّدًا بالغرض من الملابس، فهي ليست -فقط- لستر أجسادنا، ولا لمظهرها الأنيق. ففي بكين لا يمكن أن يرتدي أي منا مثل هذا المعطف الكبير المتّسخ. "يُجبَر المرء على أن يطأطئ رأسه، عندما يقطن سقف شخص آخر"؛ مما يعني في ظلّ ظروف معينة عندما لا يكون باليد حيلة، لا يكون للمرء خيار آخر سوى القبول بالوضع الراهن. فهذه المقولة القديمة، أثبتت صحتها بجدارة. المعاطف كانت أشبه بمواد الإغاثة، التي وصلت إلينا، وفي ومضة عين، غمرنا لونها الذي يشبه لون العشب الأخضر. هناك شخص يملك حسًّا فكاهيًّا، قال: "أتت منظمة السلام الأخضر!".
وسط الابتسامات المتبادلة، كذلك تبادلنا النظرات مثل الجنود المهزومين، لم تعد هناك أناقة، وجُرِّدت مظاهرنا من شكل مُهندم عهدناه في الماضي. وسط زخم الضحكات، انسحبت لسعة البرد من داخل الخيمة، لكن ما لم نتوقعه أن البعوض على المروج كان متوحّشًا، ينتهز فرصة البرد ويتغذّى على عظامنا الباردة ودمائنا الساخنة. هناك شخص استخدم لعابه ومسح به فقاعة حمراء أحدثتها لدغة البعوضة على ذراعه، بل وقال ضاحكًا إن البعوض اليوم في منتهى السعادة؛ لأنه دائمًا ما يمصّ دماء المواشي، ويعاني من سمك جلدها الخشن، فبشرتنا -مقارنةً بها- طريّة وناعمة. فجأةً ارتجلت هذه القصيدة، وسط ضحكات أصدقائي الرنانة:
ضوء القمر المتناثر يفتّش عن سكون الليل وبرودته،
الأعشاب النضرة والبراري ممتدة لا يحجبها شيء.
أكثر ما تتطلّبه اللحظة هي زجاجة خمر،
الغروب المعلّق في نهاية الأفق يُضيء جان نان.
"بدأت الحفلة الساهرة للتخييم"، هكذا صاح صوت من خارج الخيمة، تردّد صداه في أغوار ليل المروج المعتم، فأدفأ دماءنا الباردة فجأةً.
تصاعدت أغنية في الأجواء: "الشمس تشعّ نورًا على آلاف الأميال، والنسر يبسط جناحيه ويحلّق في الآفاق". توهّجت النيران، أما فتيات وفتيان قومية التبت، فقد تحلّقوا حول نيران الخيمة المتّقدة ورقصوا بخفة فراشة. مثل هذا المنظر، كان قد نسج لحظةً استوطنت في قلوبنا منذ أمد بعيد. ألم نتطلّع إلى هذا المشهد في أحلامنا؟ خلعنا المعاطف الكبيرة، وانصهرنا مع جموع الراقصين، قلّدناهم تقليدًا أعمى، كنا نرقص مبتهجين. كنا نقلّدهم بطريقة مثيرة للضحك، حتى إن أصدقائي الكتّاب انتشوا حدّ تحريك أيديهم وأرجلهم بثقل وبطء. وعلى الرغم من جهلهم بالرقص، لكنهم انطلقوا في أوج سعادتهم مندمجين مع الأجواء. كانت النيران تتراقص أمامي، وكذلك الناس. وكأن الناس والنيران يتراقصون معًا.
تطايرت ألسنة اللهب، وتقهقر البرد القارس، وانتعشت المروج، وضحكت الوجوه. الأقدام اليمنى تتقافز، والأيادي اليسرى تتراقص في الهواء على نفس وتيرة الرقص لمجموعة الفتيان والفتيات المتراقصين، وكأن أصابعهم الحيوية تقلّد خيوط بزوغ الشمس، وسعادة الحصاد الوفير. من خلال انعكاس اللون الأحمر للهب على الوجوه الباسمة، قرأت هذه الكلمات: أكثر ما تحبّه الحياة هو البساطة.
جاو يان بياو (1959- ): أديب وكاتب صيني معاصر، يكتب بمذاق بكين. ناشط اجتماعي، رئيس المركز الدولي للكتابة في جامعة بكين للغات والثقافة، ونائب رئيس رابطة أدب القوميات الصينية. صدر له 13 عملًا أدبيًّا، وأُدرجت بعض أعماله في المناهج الدراسية الصينية.
هوامش:
[1] جان نان: ولاية ذاتية الحكم لقومية التبت، تقع في الجزء الجنوبي الغربي لمقاطعة قانسو (أو كما تُكتب أيضًا جان سو). تقع بين حافة الشمال الشرقي لهضبة التبت، وغرب هضبة اللوس. كما أنها منطقة حفاظ وإمداد لمصادر مياه النهر الأصفر واليانغتسي.
[2] اللاما: رتبة معلّم أو كاهن في البوذية التبتية.
[3] يقصد الكاتب جبل ليان خوا، وهو جبل شاهق الارتفاع.
[4] هنا يصف الكاتب الحجّاج التبتيين.
[5] أكبر شلال في النهر الأصفر.


تحميل المقال التالي...