غالبًا ما يتم ربط اللغة العربية بالإسلام، أو بالدين الإسلامي، لكنّها أيضًا ذات أهمية كبيرة لمسيحيي الشرق الأوسط؛ فهي لغتهم الأم، ولغة التبادل الثقافي والديني، والوسيلة التي تتيح لهم المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وعلينا القول إنه حتى في "العهد الجديد" تَرِد إشارات إلى اللغة العربية. ففي حدث العنصرة، بعد خمسين يومًا من عيد الفصح، حيث يُرسَل الروح القدس، كانت شعوب عديدة حاضرة في القدس، من بينها "العرب". وقد فهمت جميع هذه الشعوب رسالة الروح القدس بلغاتها الخاصة. ومن القدس، انتشرت المسيحية في كامل منطقة الشرق الأوسط. وكانت النقاشات العقائدية الحادة حول طبيعة يسوع المسيح سببًا في تشكّل كنائس متعددة ذات سمات ثقافية مختلفة: الكنيسة اليونانية، والآرامية، واللاتينية، ولاحقًا القبطية في مصر. كما أصبح الشرق الأوسط ساحة صراع بين الإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية الفارسية، اللتين أضعفتا بعضهما بعضًا إلى درجة سمحت للقبائل العربية المتّحدة تحت راية الإسلام، في القرن السابع الميلادي، بأن تغزو المنطقة بسهولة انطلاقًا من شبه الجزيرة العربية.
التعريب والثقافة المسيحية في الشرق الأوسط
نشأت الخلافةُ، التي اكتسبت طابعها الإسلامي والعربي، تدريجيًا. وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (646 ــ 705) فُرضت العربية كلغة رسمية، كما أُدخلت ممارسات تمييزية ضد المسيحيين/ المسيحيات. وبالنسبة لأتباع "مذهب الطبيعة الواحدة"(1) في مصر وسورية، فقد مثّلت الفتوحات العربية في البداية نهايةً للاضطهاد الذي مارسته الإمبراطورية البيزنطية، التي ــ مثل كنيسة روما ــ تبنّت عقيدة "الطبيعتين"(2). وبقي عدد من كبار الموظفين المسيحيين في مناصبهم. وعلى الرغم من العبء الضريبي الكبير (الجزية)، الذي فُرض عليهم، والذي دفع كثيرًا من المسيحيين إلى اعتناق الإسلام، فقد ظلوا حتى أواخر العصور الوسطى جزءًا كبيرًا، وربما الأغلبية، من السكان.
وقد رأى المؤرخ الأميركي جاك تانوس في كتابه "المؤمنون البسطاء" أنّ عمليات التحوّل الديني، وكذلك الحدود بين المسيحية والإسلام، كانت في البداية مرنة وغير واضحة، لدرجة أن الأساقفة كانوا أحيانًا يحاولون منع المسلمين من حضور القدّاس.
في مختلف كنائس الشرق الأوسط، بدأ مسار التعريب في فترات متفاوتة بحسب الكنيسة والموقع الجغرافي. فقد بدأت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في منطقة فلسطين وجنوب سورية ــ وهي الأكثر تأثراً بالثقافة اليونانية والهلنستية ــ هذا المسار أولًا. وكان ثيودور أبو قرّة(3) (حوالي 755 ــ 830) أول كاتب مسيحي يضع مؤلفات لاهوتية باللغة العربية. وقد أتاحت اللغة العربية نشر الأفكار وتبادلها خارج حدود الكنيسة الواحدة، وعلى امتداد الشرق الأوسط، وكان ذلك ضروريًا بشكل متزايد؛ لأن المؤمنين أنفسهم لم يعودوا متمكنين من اللغات اليونانية والآرامية والقبطية.
وفي القرن الثالث عشر، ظهرت في مصر ما يُسمّى بـ"النهضة القبطية"، حيث استخدم الإخوة الأربعة من عائلة العسّال(4)، الذين تولّوا مناصب رفيعة في الدولة، مواردَهم الخاصة لترجمة التراث الكتابي للكنيسة القبطية إلى اللغة العربية. ومن أجل هذا المشروع، سافروا إلى دمشق والقدس للاطلاع على مخطوطات كنائس أخرى، بما في ذلك الكنائس التي كانت الكنيسة القبطية على خلاف عقائدي معها. وقد أصبحت الأعمال التي نتجت عن هذه الجهود ــ مثل ترجمة العهد الجديد ــ مراجع معتمدة لقرون عدة. وعندما تأسس في القرنين السادس عشر والسابع عشر عدد من الكنائس الكاثوليكية، نتيجة انشقاقها عن كنائسها الأرثوذكسية الأم، استخدمت الرهبانيات التبشيرية الأوروبية اللغة العربية لنشر الكاثوليكية.
النهضة العربية
في القرن التاسع عشر كان المسيحيون/ المسيحيات من سورية ولبنان من أبرز الفاعلين في "النهضة العربية". كان هدفهم تعزيز الوعي بالإرث العربي المشترك بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وذلك من خلال تحديث اللغة العربية، وبالتالي نشوء العربية الفصحى الحديثة. كما تبنّوا أفكار الحداثة الأوروبية، وأدخلوها في النقاش الفكري والسياسي في الشرق الأوسط. وتُعدّ (فترة) النهضة بذلك لحظة الميلاد الأولى للقومية العربية.
ومن أبرز رموز النهضة كان بطرس البستاني (1819 ــ 1883)، المنحدر من جبل لبنان، والذي انتقل من المذهب الماروني إلى البروتستانتية. ألّف البستاني معجمًا كبيرًا للعربية الفصحى، وشارك في ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية وفقًا للنهج البروتستانتي.
جاءت هذه الجهود في ظل المذابح التي تعرّض لها المسيحيون في حلب (1850)، ودمشق (1860)، والحرب بين المسيحيين والدروز في جبل لبنان (1860). وعلى الرغم من العنف، كان النصف الثاني من القرن التاسع عشر فترة انتعاش وانطلاقة جديدة؛ فقد أسّس المسيحيون الصحف والمنتديات الأدبية، وألفوا أعمالًا جديدة، وترجموا الكتب الأوروبية إلى العربية.
فرَّ عدد من المسيحيين السوريين واللبنانيين من استبداد السلطان عبد الحميد الثاني (1842 ــ 1918) إلى مصر، حيث أسّس مسيحيان لبنانيان في الإسكندرية عام 1875 صحيفة "الأهرام" اليومية(5)، التي لا تزال أهمّ صحيفة عربية يومية حتى اليوم.
لقد كان إتقان اللغة العربية واستخدامها، وخاصة العربية الفصحى، بمثابة بوابة إلى "الحداثة"، وإلى الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، والمشاركة في الحياة العامة والسياسية والثقافية. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في حال المسيحيين السريان الأرثوذكس الذين فرّوا بعد الحرب العالمية الأولى إلى لبنان والعراق وسورية وفلسطين والأردن. يستخدم السريان الأرثوذكس، المعروفون أيضًا باسم "اليعاقبة"، أو الآراميين، اللغة السريانية الآرامية في طقوسهم الدينية. وقد كانوا قبل الحرب العالمية الأولى يعيشون بغالبيتهم في جنوب شرق تركيا، حيث كانوا يتحدثون الآرامية، أو التركية، أو الأرمنية، أو الكردية، أو العربية. وخلال الحرب العالمية الأولى، كانوا أيضًا من ضحايا الإبادة الجماعية في الأناضول. وبعد انتهاء تلك الحرب أصبحت اللغة العربية عاملًا مساعدًا ليس فقط على الاندماج في أوطانهم الجديدة، بل ــ وعلى نحو مفارق ــ على إحياء اللغة السريانية الآرامية من جديد.
العربية كجسر للثقافة المسيحية
كان والد فيروز (مواليد 1935)، إحدى أعظم مغنيات العالم العربي في القرن العشرين، واحدًا من هؤلاء المسيحيين السريان الأرثوذكس، وينحدر بالأصل من مدينة ماردين في تركيا الحالية. تُعد فيروز رمزًا للبنان الموحَّد والمُسالم. وإلى جانب رصيدها الغنائي الكبير باللغة العربية الفصحى، واللهجة اللبنانية، والآرامية السريانية، قدمت أيضًا مجموعة من الترانيم المسيحية التي سجّلتها عام 2015، من بينها الترتيلة القبطية المصرية "يا ميم ره يه ميم" (وتعني الأحرف "يا مريم"، وهو الاسم العربي للسيدة مريم العذراء)، التي أدتها بلهجة مصرية داخل أحد الأديرة الأرثوذكسية اليونانية في لبنان.
وهكذا يكتمل دور الحضارة العربية ــ المسيحية في سياقها المسكوني(6).
إحالات:
نشر موقع دير ستاندارد هذه المدونة ضمن برنامج مدونة أكاديمية الشباب، للكاتبة آنا هاغر، ويمكن قراءة المدونة الأصلية الألمانية على الرابط التالي:
https://www.derstandard.at/story/3000000295095/arabisch-als-christliche-sprache-bruecke-zwischen-glaube-und-kultur
آنا هاغر: باحثة زائرة حاليًا في جامعة فيينا النمساوية، حيث تعمل كباحثة ضمن منحة "إليزه ريختر" المقدّمة من صندوق دعم البحوث العلمية، وتبحث ــ من بين أمور أخرى ــ في إعادة بناء الجماعة السريانية الأرثوذكسية في لبنان. وقد أجرت سابقًا أبحاثًا في جامعة برينستون، وفي معهد الدراسات المسيحية الشرقية التابع لجامعة رادبود (هولندا) حول العلاقات المسيحية ــ الإسلامية والمسيحيين في الشرق الأوسط. ونُشر لها كتاب حديث بعنوان: "العلاقات المسيحية ــ الإسلامية في أعقاب الربيع العربي".
هوامش:
1 ــ مذهب الطبيعة الواحدة في هذا السياق يُشير إلى العقيدة الميافيزية، وهي العقيدة التي تقول إن للمسيح طبيعة واحدة متجسدة من طبيعتين إلهية وإنسانية، اتحدتا اتحادًا كاملًا من دون امتزاج، أو اختلاط، أو تغيير. وهي تختلف عن "الطبيعة الواحدة المونوفيزية"، التي رفضتها الكنائس الميافيزية. وهي العقيدة التي تتمسّك بها الكنائس القبطية الأرثوذكسية والسريانية الأرثوذكسية والأرمنية الرسولية والحبشية (الإثيوبية) والإيريتيرية الأرثوذكسية... أو الكنائس الأرثوذكسية الشرقية.
2 ــ عقيدة الطبيعتين تقصد بها الكاتبة العقيدة التي تقول إن المسيح يملك طبيعتين كاملتين إلهية وإنسانية، متحدتين في شخص واحد من دون اختلاط، أو امتزاج، أو تغيير. أي أن الطبيعتين متمايزتان، لكنهما متحدتان في شخص واحد. وهي العقيدة التي تبنّتها الإمبراطورية البيزنطية والكنيسة في روما والكنائس الأرثوذكسية البيزنطية لاحقًا والكنائس الكاثوليكية.
3 ــ ثيودور أبو قرّة هو قسيس ورجل دين وكاتب من سورية، وًلد في الرها في عام (750)، وتوفي في حرّان (820)، عن عمر ناهز 70 عامًا. ويكيبيديا.
4 ــ أولاد العسال من كبار علماء الأقباط ووجهائهم في القرن الثالث عشر. غالبًا كانوا من سدمنت بصعيد مصر، لكنهم نزحوا إلى مصر، واستقروا هناك. عمل بعضهم في الحكومة، وبعضهم تفرغ لخدمة الله، وكانت لهم منزلة رفيعة في عهد الدولة الأيوبية، لا سيما أبو إسحق، الذي كان مصاحبًا للأيوبيين في الشام، وكانت لهم منزلة سامية في الكنيسة، فانتخب منهم الصفي أبو الفضائل في عهد البابا كيرلس بن لقلق، ليكون كاتم أسرار المجمع الذي عقد على فض نزاع كنسي وقتذاك. (المزيد عن هؤلاء القديسين ومؤلفاتهم يُمكن الاطلاع عليها في موقع الأنبا تكلا). والأخوة هم: مؤتمن الدولة أبو اسحق بن العسّال، والأسعد أبو الفرج هبة الله، والصفي أبو الفضائل.
تذكر الباحثة بأن أولاد العسّال هم أربعة، بينما تذكر المصادر العربية الكنسية ثلاثة منهم مع مؤلفاتهم ومخطوطاتهم الكثيرة.
5 ــ تأسست صحيفة "الأهرام" المصرية في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1875 على أيدي الأخوين اللبنانيين بشارة وسليم تقلا، وصدر عددها الأول في 5 آب/ أغسطس 1876 كصحيفة أسبوعية في الإسكندرية، وسرعان ما تحولت إلى يومية، لتصبح أقدم وأهم مؤسسة صحافية في مصر والشرق الأوسط.
6 ــ المسكوني يقصد بها هنا الجامع والعابر للطوائف، والذي يتجاوز الانقسامات الكنسية الضيقة.


تحميل المقال التالي...