}

درسٌ في الاقتصاد من تولستوي

نِكْ روميو 6 يناير 2026
ترجمات درسٌ في الاقتصاد من تولستوي
(Simon Bailly-Newyorker©)




ترجمة: لطفيّة الدليمي

في عام 1886، نشر ليو تولستوي قصّة قصيرة عنوانها "كم يحتاج المرء من الأرض؟ How Much Land Does a Man Need?". بطل القصّة مزارع فقير يُدعى باهوم Pahóm، يحلم بأن يصبح أحد كبار مالكي الأرض. لطالما حدّث باهوم نفسه قائلًا: "لو امتلكت أرضًا واسعة، حينئذ لما خشيت الشيطان نفسه!". لكن الشيطان كان يستمع لحديث باهوم؛ فاعتزم تدبير سلسلة من الأحداث له. اقترض باهوم المال لشراء المزيد من الأرض، ربّى الماشية وزرع الذرة، وأصبح ثريًا. في النهاية باع أراضيه بربح مجزٍ وانتقل إلى منطقة جديدة حيث استطاع شراء مساحات شاسعة من الأرض بأسعار زهيدة. شعر باهوم بالرضى لفترة وجيزة؛ لكن مع اعتياده على رخائه الجديد راح يشعر بالاستياء لأنه لم يزل مضطرًا لاستئجار الأرض لزراعة القمح، وكثيرًا ما كان يتشاجر مع الفقراء على نفس الأرض. ظن باهوم ونظراؤه من الطامحين للغنى السريع أن امتلاك المزيد من الأرض سيجعل كل شيء أسهل في رحلة الوصول إلى المال.

ثم حصل أن سمع باهوم عن الباشكير Baskhírs، وهم جماعة من الناس يعيشون في سهل خصب على ضفاف نهر، ويبيعون الأرض بأبخس الأثمان. ذات يوم اشترى كميات وفيرة من الشاي والنبيذ وهدايا أخرى، وسافر للقاء الباشكير. شرح له زعيمهم أنهم يبيعون الأرض يوميًا، وكان عرضه كالتالي: مقابل ألف روبل زهيد، يستطيع باهوم أن يمتلك من الأرض ما يكفيه ليوم كامل من المشي، شريطة أن يعود إلى نقطة البداية قبل غروب الشمس. في صباح اليوم التالي، انطلق باهوم عبر حشائش السهوب الكثيفة. وكلما توغل بعيدًا بدت الأرض أجمل. سار أسرع فأسرع، وأبعد فأبعد، سكرانًا بغواية الآفاق البعيدة. ثم بدأت الشمس تغيب في الأفق فعاد أدراجه؛ لكن التعب تسلل إليه. بدأت قدماه تتورمان، وخفق قلبه بشدة، وابتلت ملابسه بالعرق. ارتقى باهوم التل، بساقين تؤلمانه أشد الألم، مسرعًا نحو الزعيم الذي هتف قائلًا عندما رآه: "لقد كسب أرضًا كثيرة!"؛ لكن باهوم سقط أرضًا، وتدفّق الدم من فمه. ضغط الباشكير بأسنانهم على ألسنتهم شفقة عليه، ثم أخذ خادم باهوم المجرفة وحفر قبرًا بسيطًا يكفيه، طوله ستة أقدام. هكذا أجاب تولستوي على السؤال الوارد في عنوان القصة: هذه هي كل الأرض التي يحتاجها المرء!!.

لم يكن تولستوي خبيرًا اقتصاديًا؛ بل كان مبذرًا حد أنه خسر ذات مرة ضيعة عائلته الريفية في لعبة ورق. لكن قصّة "كم يحتاج المرء من الأرض؟" تحمل في تضاعيفها رؤى ثاقبة حول المال وعلم النفس والتفكير الاقتصادي. يسعى باهوم، الذي يطمح إلى تملك المزيد من المال بأي ثمن، إلى تعظيم أرباحه فقط؛ فيتوسع بلا هوادة إلى مناطق جديدة يرى فيها فرصًا، متجاهلًا "الآثار الجانبية" السلبية، مثل استنزاف التربة والضرر الذي يلحقه بعلاقاته الإنسانية. لفترة من الزمن، بدت دورة توسعه ناجحة، وفي كل مرحلة، كان لدى باهوم أسباب وجيهة للتوسع: جيرانه مزعجون، تملك الأرض أكثر كفاءة ومنفعة من استئجارها، الأرض الخصبة الصالحة للزراعة رخيصة. بالمعنى الضيق، كان باهوم يتصرف بعقلانية كاملة. لكن سلسلة من القرارات التي تبدو عقلانية تنتهي بكارثة؛ فمع كل مستوى جديد من الثراء، بدلًا من الاستمتاع بما يملكه، سرعان ما ينتاب باهوم شعور بالاستياء، ويعود إلى مستوى سابق من السعادة القائمة على طلب المزيد. في أواخر القصة، وحين يبلغ به الإرهاق حدًّا لا يطاق، كان بمستطاعه، بيسر بالغ، التخلي عن ألف روبل، والراحة على العشب، ثم العودة سيرًا على الأقدام إلى نقطة البداية. ما الذي حصل إذًا مع باهوم؟ اعتقد أنه بذل جهدًا كبيرًا بدا معه أن التوقف عن المطاولة سيكون حماقة، فيستمر في بذل المزيد من الطاقة في مسعى محكوم عليه بالفشل. قبل لحظات من موته، يدرك باهوم خطأه الفادح: "لقد طمعت في الكثير وأفسدت الأمر كله"، هكذا حدّثه عقله وهو ينازع حشرجة الموت. هنا من الطبيعي أن نتساءل: كيف يمكن لمشروع تجاري كل عناصره محسوبة بدقة أن يؤول إلى هذا الفشل الذريع؟

إحدى طرق فهم محنة باهوم هي القول بأنه فشل في التفكير بوضوح. يتحدث علماء الاقتصاد السلوكي اليوم، الذين يدرسون سيكولوجية الحياة الاقتصادية، عن "دوّامة المتعة hedonic treadmill" و"مغالطة التكاليف الغارقة sunk-cost fallacy"، معتبرين إياهما خطأين في التفكير. يعتقد هؤلاء العلماء أن باهوم وقع ضحية لأنماط التفكير الخاطئة هذه؛ لكن تولستوي رأى هذه الأنماط نفسها من منظور مختلف، باعتبارها مخاطر ضمن نطاق الاحتمالات الأخلاقية التي يستخدمها الشيطان نفسه للسيطرة على روح باهوم وأمثاله من البشر؛ فالسعي الحثيث وراء اللذائذ له عواقب أخلاقية – قد تكون مميتة أحيانًا – إذ قد تشوّه هذه اللذائذ المتعوية معتقدات باهوم وسلوكه. قبل تدخل الشيطان، وبحسب ما يرى تولستوي، كان باهوم يتمتع بقيم متواضعة جوهرها هذه المواضعة البسيطة: "مع أن حياة الفلاح ليست حياة رغيدة؛ إلا أنها حياة طويلة. لن نصبح أغنياء أبدًا؛ لكن سيكون لدينا دائمًا ما يكفينا من الطعام"، كما تقول زوجته في بداية القصة. كانت حياة باهوم خالية من الجشع المدمّر للذات. برغم ذلك، ومع اقتراب قصّة تولستوي من نهايتها، لم ير باهوم في اهتمام قوم الباشكير المحدود بالثروة تحديًا لقيمه، بل فرصة تجارية متاحة أمامه. لم يكن يراهم حكماء بل "جاهلين".

قصّة "كم يحتاج المرء من الأرض؟" تحمل في تضاعيفها رؤى ثاقبة حول المال وعلم النفس والتفكير الاقتصادي


رأى تولستوي بعدًا أخلاقيًا في التفكير الاقتصادي. ثمّة وقت رأى فيه أكابر الاقتصاديين هذا البعد أيضًا. كتب الاقتصادي اللامع جون ماينارد كينز John Maynard Keynes عام 1925: "يبدو جليًا يومًا بعد يوم أن المشكلة الأخلاقية لعصرنا تتعلق بحب المال". أدرك كينز، مثل تولستوي، أن العديد من الموضوعات الرئيسية الحاكمة في الاقتصاد ذات طابع أخلاقي وسياسي لا محالة. كتب كينز في مناسبة أخرى: "يتوجب أن يكون الاقتصادي البارع عالم رياضيات، ومؤرخًا، ورجل دولة، وفيلسوفًا – بدرجة أو بأخرى". برؤية متخمة بتشخيص تبيّن أنه سابق لأوانه، وصف كينز مستقبلًا يُنظر فيه إلى "حب المال – كملكية – على حقيقته الصارخة: مرض مثير للنفور والغثيان إلى حد ما". فضلًا عن كل هذا وصف كينز الرأسمالية السائدة – في سياق نقده لطبيعة الرأسمالية العالمية "المنحطة" و"الفردية" بعد الحرب العالمية الأولى – بأنها: "ليست ذكية، وليست جميلة، وليست عادلة، وليست فاضلة".

سيكون أمرًا عسيرًا للغاية في أيامنا هذه تخيّل إمكانية استخدام العديد من الاقتصاديين العالميين لهذا النوع من اللغة الأخلاقية والجمالية؛ فبدلًا من ذلك، يعتمد علم الاقتصاد على مفردات تكنوقراطية شبه علمية، تخفي المسائل الأخلاقية والسياسية التي تكمن في صميم هذا العلم. على سبيل المثال، جادل ميلتون فريدمان Milton Friedman في مقال نُشر عام 1953 بأن علم الاقتصاد يمكن أن يكون "علمًا موضوعيًا، بالمعنى نفسه الذي تُعتبر به العلوم الفيزيائية موضوعية"، وقد تبنى عدد كبير من الاقتصاديين الآخرين هذا الرأي لاحقًا. من هذا المنظور، تصبح التقييمات الأخلاقية لكينز أو تولستوي أو أي شخص آخر غير ذات صلة بواقع عالمنا المعاصر. يسمح هذا التظاهر بالحياد العلمي للاقتصاديين المعاصرين بتمرير شتى أنواع الادعاءات المشكوك بمصداقيتها في السياسات والخطابات العامة – ادعاءات على شاكلة أن النمو الاقتصادي يتطلب تفاوتًا كبيرًا في الدخل، وأن زيادة تركيز الشركات الصغيرة في شركات عملاقة عابرة للحدود القومية أمر لا مفر منه، أو أن اليأس هو الدافع الوحيد لتحفيز الناس على العمل. يُتخذ هذا في العادة ذريعة للحفاظ على الوضع الراهن الذي يُقدَّم على أنه نتيجة "قوانين" حتمية لا تتغير، تمامًا كما قالت مارغريت تاتشر في عبارتها الشهيرة: "لا يوجد بديل There is no alternative".

مع ذلك، بدا بعض الاقتصاديين الذين أعادوا إحياء أفكار كينز وتولستوي أكثر انفتاحًا على فكرة أن الاقتصاد فرع من فروع الفلسفة السياسية. وصف توماس بيكيتي Thomas Piketty "الوهم القوي للاستقرار الأبدي الذي قد يؤدي إليه الاستخدام غير النقدي للرياضيات في العلوم الاجتماعية". وأشار الاقتصادي ألبرت هيرشمان Albert Hirschman إلى أن أولئك الذين يتبوأون أعالي المجتمع غالبًا ما يسعون إلى "إبهار عامة الناس" من خلال إعلان أن مكانتهم هي "النتيجة الطبيعية الحتمية للعمليات الحاصلة". أضاف هيرشمان: "ولكن بعد كل هذه التنبؤات الفاشلة؛ أليس من مصلحة العلوم الاجتماعية أن تتبنى التعقيد حتى لو كان ذلك على حساب قدرتها على التنبؤ؟". في عام 1900، وفي كتاب بعنوان "عبودية عصرنا The Slavery of Our Times"، طرح تولستوي بعضًا من هذه الأفكار نفسها. كتب تولستوي: "في نهاية القرن الثامن عشر، بدأت شعوب أوروبا تدرك تدريجيًا أن ما بدا شكلًا طبيعيًا وحتميًا للحياة الاقتصادية، وهو وضع الفلاحين الخاضعين تمامًا لسلطة أسيادهم، كان خاطئًا وظالمًا وغير أخلاقي، ويتطلب تغييرًا". نعم، لا يمكنك تغيير قوانين الفيزياء؛ لكن بمقدورك تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية. الاقتصاد ليس حتمية رياضياتية في النهاية.

ولكن كيف لنا أن نغيّر تلكم القواعد؟ من الممكن أن نتخيل مستقبلًا ينظر فيه الناس إلى الأنظمة الاقتصادية التي لا تعكس القيمة الحقيقية للسلع – بما في ذلك تأثيرها على العمال والبيئة والأجيال القادمة – على أنها خاطئة بلا شك. قد يرى الناس في مستقبل ليس ببعيد نماذج ملكية الشركات الحالية، التي تسمح بمركزة هائلة للسلطة والثروة، على سبيل المثال، عبثية. لكن ما الذي سيحل محلها؟ ما هي البدائل الحقيقية؟ من غير المرجح أن يبدو لنا نهج تولستوي جذابًا؛ فهو يركز، في معظمه، على الإصلاحات الأخلاقية والروحية دون سواها.

مع ذلك، من الممكن الجمع بين الاقتصاد والأخلاق، من خلال تبني نماذج وسياسات اقتصادية تجسد واقعًا ملموسًا يصلح أن يكون بديلًا للشعارات الجوفاء التي تشير إلى إمكانية بناء عالم أفضل من خلال الصخب الأجوف. تعد مبادرات مثل "الميزانية التشاركية، وميزانية المناخ، وضمانات الوظائف، وملكية الموظفين، والأسعار الحقيقية، والأجور الكافية للعيش الكريم، وسوق عمل شبيه بسوق المرافق العامة للعمالة غير النظامية، وتعليم اقتصادي أقل جمودًا، ونماذج جديدة لرأس المال الاستثماري تقلل من التفاوت في الثروة..." عناصر فعالة لاقتصاد أكثر عدلًا واستدامة. الأفضل من ذلك أنها موجودة بالفعل. لا يوجد رد أقوى على اتهامات المثالية المفرطة من عرض نماذج ناجحة تعمل في الواقع بكفاءة.

من الممكن دمج هذه المناهج في واقعنا الحالي. على سبيل المثال، يمكن لرؤساء البلديات والمسؤولين المنتخبين تطبيق ميزانية المناخ أو الميزانية التشاركية بدون إحداث تغييرات جذرية في قطاعات أخرى من الحكومة. كما يمكن لقادة مجالس القوى العاملة ومسؤولي وزارة العمل المساعدة في إنشاء أسواق عامة للعمالة غير النظامية؛ ففي النهاية، توجد بالفعل أنظمة عمل مؤقتة في القطاع الخاص، مثل أوبر Uber. بمقدور أصحاب الأعمال التحول إلى هياكل ملكية مبتكرة (كما فعلت باتاغونيا عام 2022)، أو البدء ببيع السلع بأسعارها الحقيقية. كذلك يمكن للمستثمرين توظيف رؤوس أموالهم بطرق تقلل من التفاوت في الثروة. كما يمكن لأساتذة الاقتصاد وإدارة الأعمال توعية الطلاب والجمهور بالمناهج البديلة. بإمكان عامة الناس، ممن لا يشغلون مناصب قيادية، دعم هذه الجهود؛ فمدينة موندراغون، شمال إسبانيا، موطن لأكبر شبكة متكاملة في العالم من التعاونيات العمالية والتعاونيات متعددة الأطراف، وقد جرّبت أيضًا الميزانية التشاركية. كما تطبق مدينة أمستردام، مهد التسعير الحقيقي، نسخة من ميزانية المناخ. وتدفع العديد من الشركات ذات الملكية المشتركة أجورًا معيشية كريمة. يعيش الناس اليوم رؤية للاقتصاد بوصفه فضاء للعمل الأخلاقي والمساءلة، لا منطقة خالية من القيم، ذاتية التنظيم، تحكمها قوانين جامدة.

في عام 1933، قبيل افتتاح المؤتمر الاقتصادي العالمي، خاطب كينز جمهورًا عبر الإذاعة قائلًا: "احتياجات العالم ملحة. لقد أخطأنا جميعًا في إدارة شؤوننا. نعيش بؤسًا في عالم يزخر بثروات هائلة كامنة". وتساءل عن الاقتصاديين: "ألا يعود الوضع المأساوي الذي يشهده العالم اليوم جزئيًا إلى افتقارهم للخيال؟". لم يكن تولستوي اقتصاديًا؛ لكنه يمكن أن يعلمنا درسًا اقتصاديًا قيمًا. يجب أن نحول مفهومنا للاقتصاد من مجال مصمم لقوى مجردة إلى ساحة إنسانية للقرارات الأخلاقية. بغير هذا، كما قال كينز، فإن الاقتصاد سيكون خلوًا من أي عنصر من عناصر الذكاء والجمال والعدل والفضيلة.

(هذا النص مقتبس من كتاب "البديل: كيف نبني اقتصادًا عادلًا" The Alternative: How to Build a Just Economy).

(*) نِك روميو Nick Romeo: أستاذ في كلية الدراسات العليا للصحافة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. مؤلف كتاب "البديل..." المشار إليه أعلاه.

(**) الموضوع المترجم أعلاه منشور بتاريخ 16 يناير/ كانون الثاني 2024 في مجلة "نيويوركر" الأميركية، وهو مقتبس من كتاب روميو كما أوضحت أعلاه. العنوان الأصلي للموضوع باللغة الإنكليزية هو:

An Economics Lesson from Tolstoy

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.