}

رواية "غليف" لآلي سميث: شاهدة على حرب غزة

كيران جودارد 17 فبراير 2026

 

ترجمة: عزة حسين

 

[في هذه الرواية الثانية ضمن ثنائية حادة تقدم سميث مساءلة قوية للغة في عصر الدمار الشامل الآلي]

بوعي تام، تستبق الروائية البريطانية آلي سميث أكثر الانتقادات المحتملة لروايتها الأخيرة "نقش- Glyph"، عندما تضع على لسان إحدى الشخصيات: "لست متأكدة إذا ما كان على  الكتب المصنفة كروايات وقصص خيالية وما إلى ذلك، أن تكون قريبة من الحياة الواقعية... أو زاعقة سياسيًا إلى هذا الحد....".

تتفوق رواية "Glyph"، التي تتبع قصة الشقيقتين "بيترا" و"باتش" في تأملهما لمحاولات طفولتهما للتعايش مع حتمية الموت بعد فقد والدتهما، على كافة أعمال آلي سميث الأخيرة في التصدي بقوة لهذا الاتهام. فبينما قدمت سميث في "رباعية الفصول" تشريحًا خفيف الظل للانقسام الاجتماعي في بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وعالجت روايتها السابقة  "Gliff" عنف الدولة الأمنية، فإن الرواية الجديدة "Glyph"، عبر تناولها الصريح لنظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية اللذين ترتكبهما الحكومة الإسرائيلية في فلسطين، ترفع مستوى الرهان الأخلاقي بشكل حاسم. أو يمكن القول - بتعبير سميث - إن هذا العمل هو الفن في عصر الدمار الشامل الآلي.

كما هي الحال في معظم روايات آلي سميث، تستمد رواية "Glyph" قوتها الأساسية من اضطلاعها بالنبش في طبقات اللغة؛ من خلال رنينها الاشتقاقي ودلالاتها الكامنة.  فعلى سبيل المثال، رُسمت العلاقة الأساسية بين الأختين "بيترا" و"باتش" بخطوط خفيفة: مرحة ورقيقة وحانية. لكن ما رسّخ في ذهني بعد قراءة الرواية هو اسماهما لا صفاتهما؛ "بيترا"، المشتقة من الكلمة اليونانية صخرة بحمولتها الدلالية المتصلة بالخشونة، والصلابة، والثقل؛ في مقابل "باتش" التي تعني الرتق أو الترميم، بحمولتها الدلالية المتصلة بالرعاية، والمثابرة والبقاء. وفي رواية تتناول بصدق واحدة من "أطول وأكثر الاحتلالات العسكرية دموية في التاريخ الحديث"، فإن الاسمين يحملان إيقاعًا مدويًا بالغ التأثير، وهو إيقاع صارخ ومتنافرٌ في آن.

وبالمثل تستمد اثنتان من الصور المركزية في الرواية قوتهما مباشرةً من الرعب اليومي لتلك المجازر التوسعية.


تستمع الشقيقتان إلى قصة من الحرب العالمية الثانية، عن جندي شاب دهسته دبابة وتركت جثته لتتعفن على قارعة الطريق. ثم تبدآن لاحقًا في التواصل، بشيءٍ من الجدية، مع شبحه، الذي أطلقتا عليه اسم "غليف" (Glyph).

من جهة، تطرح سميث في روايتها السؤال حول ما يجعل الشخصية "سطحية" في مقابل ما يجعلها ثلاثية الأبعاد. ومن جهة أخرى -  خاصةً والعديد من القراء لديهم صور وتقارير عالقة في أذهانهم عن وفيات مماثلة في فلسطين - تطرح سميث تساؤلات أخلاقية جوهرية حول التمثيل بالجثث، وحول من يُسمح لهم بالكلام ومن تكمم أفواههم.

عندما تشاهد ابنة "باتش" المراهقة مقطع فيديو مؤلمًا لحصان عالق تحت أطنان من الأنقاض، فإنها تعلّق بأسى بأنه "ربما كان في غزة"؛ أما نحن القرّاء فلا يُترك لنا مجالٌ كبير للشك في ذلك. كما لا يساورنا أدنى شك عندما نصادف أوصافًا محبطة ويائسة لآلاف الأشخاص الذين قُتلوا في غزة خلال سعيهم للحصول على "مساعدة":

"هل سمعتم عن هؤلاء الناس الذين كانوا يصطفون للحصول على الطعام والقناصة الذين يطلقون النار عليهم؟ وكيف أن هؤلاء القناصة لا يطلقون النار عشوائيًا، بل يمارسون نوعًا من ألعاب القنص؟ فيصوّبون يومًا على الأيدي، ويومًا آخر يصوّبون على الرؤوس؟".

يستمر هذا الاقتباس، في سرد أجزاء أخرى من الجسد؛ في سيلٍ من الكلمات الذاهلة والمرعوبة واللاهثة. كما توظف سميث مهارتها الأسلوبية ونبرتها الخاصة ككاتبة ببراعةٍ فائقة عند تناولها للعبثية البيروقراطية والاستبدادية في الدولة البريطانية، فابنة "باتش" - التي تحرص على أن تفعل حكومتها شيئًا آخر غير تحرير شيكات "شديدة اللهجة" ردًا على جرائم الحرب الإسرائيلية - يتم اعتقالها بتهمة التلويح بوشاحٍ "بشكلٍ عدواني". ويتم إبلاغ والدتها لاحقًا بأن "التلويح بالوشاح ليس جريمةً جنائيةً بحد ذاته، ما لم يكن هذا الوشاحٍ مرتبطًا بمنظمةٍ محظورة... وقد أعتبر تلويح ابنتك بذلك الوشاح دعمًا ضمنيًا لمنظمةٍ محظورةٍ، وفي ضوء ذلك يتعين على الضباط  الموجودين في مكان الحادث حينها النظر في أي إيماءةٍ تجاه هذا الحظر الجديد".

إنها خطوة جريئة أن يتحلى المرء بهذا القدر من الثبات الأخلاقي، لا سيما في مواجهة ما يُنظر إليه على أنه تقليد جمالي راسخ يُعلي من شأن التباعد والسخرية (الباروديا)، ولكننا نرى في رواية "غليف" كاتبة بريطانية بارزة تستجيب لنداء اللحظة في وقت تردد فيه الكثيرون أو أشاحوا  بوجوههم بعيدا. كما أن انشغال سميث المحموم باللغة يجعلها مؤهلة بشكل خاص لهذه المهمة. فكما ذكّرنا أورويل فإن: "اللغة السياسية... مصممة لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والقتل محترمًا، وإضفاء مظهر رصين على الهراء المحض".

إن الحساسية اللغوية البالغة لسميث مضبوطة للتعامل مع ذلك السيل من عناوين الأخبار المجهلة، والتصنيفات المتنافرة والانقلابات اللغوية الصريحة، والمفارقات الدلالية المصاحبة لتلك المحاولات المستميتة لتبرير ما لا يُبرر.

توصف رواية "Glyph - نقش" بأنها "شقيقة" سابقتها "Gliff - لمحة" يربط بينهما الجو النفسي والجناس اللفظي. وهي السمات المعهودة بكتابة آلي سميث،  أن نجد أنفسنا مأخوذين منذ العنوان بحلية أسلوبية أو تورية لغوية ما، قبل أن يتكشف لنا جوهر الأمر بمجرد الاستغراق في اللغة ذاتها.

 Gliff، وهي كلمة اسكتلندية عامية تعني اللمحة الخاطفة أو الفزعة المفاجئة، تتجاور مع "Glyph"، التي تعني النقش أو الوسم أو الحفر؛ فلا يساورنا أدنى شك منذ البداية أننا انتقلنا من العابر إلى المقيم، من الصورة الزائلة إلى تلك الصور المحفورة غير القابلة للمحو. انتقلنا من كوننا مجرد مراقبين لنصبح شهودًا. مهما اشتد الظلام لن يكون بمقدورنا أبدًا أن نقول إننا لم نرَ.

 

(*) هذا المقال منشور باللغة الإنكليزية في صحيفة "الغارديان" البريطانية بتاريخ 27 كانون الثاني/ يناير 2026، ويمكن الاطلاع عليه بعنوان:

Glyph by Ali Smith review – bearing witness to the war in Gaza

 

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.