ترجمة: سارة حبيب
في الشتاء الماضي، نجوتُ من شهور البؤس بقراءة كامل المجلدات الخمسة من يوميات فيرجينيا وولف. الكثير من الأشياء تحدث في تلك اليوميات، لكن الحدث الذي انطبع في ذهني يتعلق بقبعة جديدة. إنه عام 1926 واليوميّة تبدأ على النحو التالي: "إنه اليوم الأخير من يونيو/ حزيران وهو يمر عليّ وأنا في حالة يأس قاتم لأن كلايف سخر من قبعتي الجديدة، فيتا أشفقت عليّ، وأنا هويتُ إلى أعماق الكآبة". أوه، فيرجينيا، يا فتاة- أشعر بكِ! العار الناجم عن ارتداء الشيء الذي هو أكبر مما يجب أو الشيء اللامع بإفراط أو الشيء غير الملائم تمامًا ومن كل النواحي للمناسبة... جميعنا مررنا بهذا. مع ذلك، بدأ كل شيء على نحو جيد جدًا بالنسبة إلى فيرجينيا: خارجةً للسهر في المدينة، في واحدة من ليالي لندن الصيفية طليقة العنان، متجهةً إلى عدة حفلات مع فيتا ساكفيل- ويست، ينضم إليها الأصدقاء على طول الطريق وهي ترتدي هذه القبعة. والمثير للاهتمام هنا أنها لا تخبرنا أي نوع من القبعات بالتحديد. كل ما نعرفه أنها لم تكن تشعر تجاهها بشيء محدد، إلى أن صادفت أختها، فانيسا - التي كانت ترتدي "قبعة سوداء هادئة"- واتجه الجميع معًا إلى منزل صديق قديم، الناقد الفني كلايف بيل. وهناك وقعت الكارثة: "كلايف قال فجأة، أو بالأحرى صاح، يا لها من قبعة مذهلة هذه التي ترتدينها! ثم سألني من أين حصلتُ عليها. تظاهرتُ بالغموض، حاولتُ تغيير الحديث، لم يُسمَح لي، وجذبوني بينهم، مثل أرنب؛ لم أشعر قط بمثل هذا الإذلال... فصرتُ أتحدث وأضحك أكثر ممّا ينبغي. دَنْكن، المتزمت واللاذع كعادته، قال لي إنه من المستحيل تمامًا فعل أي شيء بقبعة مثل هذه... فغادرتُ مستاءة، تعيسة كما كنتُ طوال هذه السنوات العشر".
كثيرون منا سيعرفون دوامة الخزي هذه التي تلي كارثة في الموضة. لكني سأقترح أنه رغم أن أيًا منا لا يستمتع بأن يبدو سخيفًا، فالكتّاب يميلون على وجه الخصوص لأن يكونوا قلقين حيال أن "يبدوا بمظهر ملائم لدورهم ككتّاب". ربما لأن الدور ضيق للغاية. الممثلون والكوميديون والمغنون لديهم قدر معين من السخافة المسموح بها مضمّنةً في توصيفهم الوظيفيّ. المصرفيون والمحامون والمعلمون يستطيعون أن يرتدوا أكثر ملابسهم سخافة في ليلة سبت أو في حفلة. لكنْ، حتى في عطلات نهاية الأسبوع، يُفترض بالكتّاب أن يبدو- ماذا؟ جديّين، على ما أظن. وارتداء ذلك الدور - مع الحفاظ على متعة ملابسك- يمكن أن يسّبب الكثير من القلق. لن نعرف قط ما الذي كان فظيعًا إلى هذا الحد في قبعة فيرجينيا، لكنها لم تكن أبدًا قطعة الملابس الوحيدة التي جعلتها تعاني ممّا أسمته "الوعي المفرط بالملابس". في العشرينيات، التُقِطت صور لفيرجينيا لصالح مجلة "فوغ" وهي ترتدي فستانًا مستعارًا على الطراز الإدوارديّ بأكمام منفوخة وتنورة فضفاضة، ويمكن لنا أن نرى القلق باديًا على وجهها. نظرةُ عدم يقين تراجيدي- كوميدي، تقترب من الانقباض، كما لو أنها تقول: "هل هذا هو الشيء المناسب؟". طوال حياتها، كانت فيرجينيا المسكينة عالقة بين قطبي الشعور بالمبالغة في الأناقة أو قلة الأناقة، غير متيقنةٍ على السواء في حفلات المجتمع كما في قاعة بلدية وهي تلقي محاضرة عن الأدب.
هل يمكن أن تكون جديًّا وأنيقًا جديًّا (كثيرًا وعلى نحو جدي)؟ أتذّكر أني عانيت من قدر كبير من الوعي المفرط بالملابس عندما بدأت التدريس أولّ مرة في بوسطن، المدينة التي تأخذ نفسها بكثير من الجدية. بدا من المستحيل أن أحيد كثيرًا عن سروال الجينز الأسود، القميص الأسود، وسترة البليزر السوداء إذا كنتُ آملُ أن يتقبلني طلابي كأستاذتهم. وبعد بضع سنوات، انتقلتُ إلى نيويورك التي كانت في ذلك الوقت تنتمي إلى أسلوب كاري برادشو التي لم تكن تبالي بالسير في الشارع وهي ترتدي الليوتارد (زيّ الجمباز الضيق) والتوتو (تنورة الباليه القصيرة). كان تأثير كاري في كل مكان من شوارع مانهاتن الحقيقية وهذا جعلني أسترخي قليلًا. اشتريتُ فساتين متاجر التوفير من الأكشاك التي كانت تظهر بشكل دوري في "الشارع الثالث"، ومزجتُها مع أحذية فاخرة ومعاطف عتيقة الطراز.
وكانت لدي في هذا رفقة طيبة. بحلول العقد الثاني من الألفية، بات من المستحيل ألا ألاحظ أن العديد من الكاتبات اللاتي عرفتهن في نيويورك كان بوسعهن منافسة حتى كاري نفسها. في كل مرة كنت أرى الكاتبات هايدي جولافيتس، ليان شابتون وشيلا هيتي معًا، على سبيل المثال، كنت أفكر أنهن يبدَون أشبه بثلاث ممثلات أفلامٍ مستقلة يتجهن إلى مهرجان صندانس ممّا هن بأشخاص في مجال عملي. لم يكنّ حسنات الذوق في الملابس فحسب، بل رائعات، (وقد ألفنَّ معًا كتابًا رائعًا عن الملابس). ليان على وجه الخصوص كانت ولا تزال عبقريةَ متاجرِ التوفير، وكانت تعيد بيع ملابسها المستعملة لنا من حين إلى آخر في حفلات تسوّق تمتد طوال اليوم في شقتها، حيث كانت أغلى الملابس تباع بما لا يتجاوز مائة دولار. في تلك الأثناء، شعرتْ سراويلي الجينز الضيقة الداكنة باليأس وأحيلت ببساطة إلى التقاعد الدائم ما أنْ تعرّفتْ على زميلتي في جامعة نيويورك كاتي كيتامورا ومغامراتها المتنوعة مع قصّات السراويل. لماذا أرتدي اللون الأسود في حين أن كاتبات ببراعة أميناتو سو، سلون كروسلي، وأشلي سي فورد كن يرتدين كل ألوان قوس قزح؟
كذلك، كانت لدي سابقة تاريخية محلية في هذا المجال. فكثيرًا ما كنتُ أفكر في توني موريسون وهي في ملهى الرقص مرتدية قماش لوريكس يكاد يكون شفافًا، وفي جيمس بالدوين وهو يبدو أشبه براقص باليه منه بكاتب. هكذا، تخليتُ سريعًا عن قلقي وأطلقت لنفسي العنان. طوال عشر سنوات، كنت أوصل أطفالي إلى المدرسة ومن ثم أمشي صعودًا في "الجادة السادسة" إلى صفي في جامعة نيويورك مرتدية كل شكل من أشكال السخف يمكن تخيّله. درّستُ عن كافكا وأنا أرتدي قفطانًا وعن ميوريل سبارك وأنا أرتدي ملابس لامعة. ارتديتُ ملابس ذات كتل لونية مختلفة في صفٍّ عن رواية "العين الأكثر زرقة"، وارتديتُ أحذية صفراء لامعة ذات نعل سميك مع كعب دائري وآخرَ مثلث لأناقش النظريات الجمالية لسوزان سونتاغ. مع ذلك، لم أستطع أن أتفوق على طلابي أو أفاجئهم، فهم كانوا يخوضون التجربة ذاتها وبذات المثابرة. وفي أحد فصول الصيف، انتشر ترند ارتداء سراويل داخلية كبيرة الحجم، مثل نسخ عديدة من ليدي غاغا.
اكتشفتُ سريعًا أنه لم يكن ثمة كلايف بيل في مانهاتن السفلى. وعليك حقًا أن تبالغ للغاية لتحظى بالتفاتة من أي شخص على الإطلاق. فما من قبعة على وجه الأرض - مهما كانت مبهرجة أو ضخمة- من شأنها أن تصدم المتنقليّن اليوميين الذين اعتادوا على رؤية رجل ينزّه خنزيرًا ببطن كبيرة عبر القرية، أو يلمحون رو بول عند زاوية ماكدوغال. في مانهاتن، كان الجميع تقريبًا يرتدون ملابسهم كما لو أنهم شخصيات، وتبادر إلى ذهني أن الكتّاب ربما يتمتعون بأفضلية بسيطة في ذلك السيناريو، بما أن الشخصيات هي من ضروريات حياتنا. ولا بدّ لي من القول إني قضيتُ وقتًا ممتعًا وأنا أؤدي دور "الكاتبة" في أيامي في نيويورك. بشكل أساسي، كانت محتويات خزانتي كلها أشبه بملابس تنكرية. ولم أدرك إلا عند عودتي إلى إنكلترا أني لم أكن أملك أي تيشرتات، أو سراويل رياضية، أو أي شيء يمكن أن يعدّ "سروالًا عاديًا".
مؤخرًا، تذكرت أن العالم لا يزال ممتلئًا تمامًا بأمثال كلايف بيل؛ ويبدو أن الكثيرين منهم يعيشون في حيّي. منذ بضعة أيام، حاولتُ ارتداء جمبسوت قطني أحمر بسيط مع حذاء رياضي أحمر وأحمر شفاه باللون الأحمر، لكني لم أتمكن حتى من الوصول إلى متجر سينسبري من دون أن أحصد عدة ابتسامات متكلفة مترافقة مع التعليق المتكرر: "هل أنت ذاهبة إلى مناسبة خاصة؟" لذا، عدتُ في الغالب إلى ارتداء اللون الأسود، وأصبحت القبعات الوحيدة التي أرتديها هي القبعات الصوفية عندما يمطر الجو. أحاول تجنب حتى احتمال "الوعي المفرط بالملابس" وأقرأ أي دعوة أتلقاها بعناية فائقة لأحدّد إن كان التأنق مطلوبًا حقًا (غالبًا لا يكون كذلك). وبتُّ أفهم الآن أن "ملابس الكوكتيل" في لندن (الملابس شبه الرسمية للحفلات)، تعني ببساطة "عدم ارتداء الجينز". أما الفساتين التي كنت أرتديها في مانهاتن، فلم أعد أرتديها الآن إلا لحضور حفلة زفاف أو مناسبة فخمة جدًا.
لكن، وحتى من موقعي كمراقبةٍ في منتصف العمر تكتفي بمشاهدة الأزياء، فإني أشجع كل كاتبة شابة ألمحها تتجنب البليزر الرصينة المعتادة وتخاطر بأن تبدو سخيفة. ولكم أن تتخيلوا مقدار سعادتي وأنا أفتح نسخة من كتاب "مالٌ للتبذير" للكاتبة الدنماركية أستا أوليفيا نوردينهوف وأراها تظهر في صورتها التعريفية على الغلاف مرتدية ملابس جمباز حمراء مع عبارة "حارة كالجحيم" منقوشة على صدرها. المزيد من هذا، من فضلكم! فهو يزيد من متعة العالم وتنوعه وجماله؛ الأمر الذي حتى نحن الكتّاب - برغم الجدية التي يُفترض أن نتسم بها- نتوق إليه بقدر أي ضحية أخرى للموضة.
(*) زادي سميث: روائية وكاتبة مقالات بريطانية (1975- ). عُرفت بتناولها لقضايا العرق، الدين، والهوية الثقافية. من رواياتها "أسنان بيضاء" (2000)، "عن الجمال" (2005). فازت بجائزة أورانج للرواية، وجائزة جيمس تيت بلاك، وترشحت للبوكر عدة مرات. تم انتخابها زميلة في الجمعية الملكية للأدب عام 2002.
رابط النص الأصلي:
https://www.vogue.com/article/can-you-be-serious-and-seriously-glamorous-zadie-smith


تحميل المقال التالي...