}

الحقيقة التاريخيّة وقصائد أخرى

إستر يانسما 20 فبراير 2026
ترجمات الحقيقة التاريخيّة وقصائد أخرى
تمتلك إستر يانسما عينًا حادة ترقب أصغر التفاصيل

ترجمة وتقديم: عماد فؤاد


على العكس من التقليد المتبع في بلجيكا وهولندا، حصلت المجموعة الشعرية الأخيرة للشاعرة الهولندية الراحلة إستر يانسما "يجب أن نستمر، ربّما، في التفكير" على جائزة مجلة آواتر المتخصّصة في الشِّعر لعام 2025. وقد صدرت المجموعة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 عن دار بروميثيوس الهولندية العريقة، وفازت هذا العام بلقب المجموعة الأكثر تقديرًا من قبل 37 قارئًا محترفًا من هولندا وإقليم فلاندر البلجيكي.
رحلت إستر يانسما في 23 كانون الثاني/ يناير 2025 بعد صراع مع مرض السرطان استمرّ لسنوات، ووفقًا لعضو لجنة التحكيم الشاعر والناقد الفلامنكي بول ديمتس، تظهر يانسما في هذه المجموعة ما يعنيه "الخروج من الحياة بضجّة"، ففي مجموعتها الشِّعرية الحادية عشرة والأخيرة "يجب أن نستمر، ربّما، في التفكير"، تركز يانسما على "لانهائية الوجود" وفقًا لما جاء في بيان لجنة التحكيم، وعلى توديع الأشياء في مطلقها: الصباحات، صوت الترام في المنعطفات الحادة، البيضة إذ تفقس عن فرخ يتساءل عن ماهيّته، الطيور في ليالي الشتاء الباردة، العابر المرتبك وسط الزحام، مياه الأمطار تسقط من أسطح البيوت على حجارة الأرصفة.
تمتلك إستر يانسما (1958 - 2025) عينًا حادة ترقب أصغر التفاصيل وأبسطها وأكثرها عادية وألفة، لتعبّر من خلالها عن معانٍ فلسفية تنظر إلى حقائق الكون كالموت والحياة، الوجود والعدم، الزمن والناس، عبر عيون طفلة مندهشة أمام "عادية" العالم "وتعقيده" في الآن نفسه، لكن عقلها عقل عالمة تعرف الفرق بين رؤية الأشياء بالعين المجرّدة، أو إخضاعها لعدسات الميكروسكوب العلمي التي تظهر ما خفي على أعيننا البشرية.
سبق أن تناولنا أعمال يانسما في مقال موسّع منتصف العام الماضي في "ضفَّة ثالثة"، وقبلها قدّمنا ترجمة لعدد من قصائدها، واليوم نترجم المزيد من قصائد يانسما عن الهولندية، وهي مجتزأة من مختارات شعرية موسّعة تصدر للشاعرة قريبًا باللغة العربية.

نافذة في الهواء
تلقّيت رسالتك اليوم
لم أفتحها
وضعتها على سريري
سكون
خلف نافذتي طائرة ورقية صغيرة
في الهواء
وهنا في الغرفة
المزيد والمزيد من الظلال
أريد استعادة هذا اليوم، والحفاظ على نفسي: فتاة مع رسالة
لذلك
لا أفتح رسالتك.

(من مجموعة "فرسان السقف"، 2000)

جنازة


غادِر مملكة العفن - حيث أفواه باردة كالشّمع
تمضغ ما تبقّى مِنْكَ حول المائدة،
ترفرف الأيدي كالفراشات البطيئة حول جمجمتك
والحب يترنّح مثل دخان السّجائر
بين شفرات الكلمات المثلومة -
غادِر... وادْخل الحديقة...
إنهم يسيرون هناك أيضًا... صغارٌ
أذرعهم النحيلة بيضاء وخرقاء
ولا يرونك.
احْفر حفرةً واسْتلقِ هناك سترى أن الوقت لا يعني شيئًا أحيانًا تُمطر فوقكَ، هذا كلّ شيء.

(من مجموعة "دوّامة الريح" 1993)

محادثة الدّقائق العشر

بعد أن بذل المعلِّمون قصارى جهدهم
في فهم النساء اللاتي ينحنين إلى الأمام متظاهرات بالتنهّد
عرفوا أن هناك غضبًا، ورايات حمراء فاضحة في الرؤوس
ونبرات صوتية تخرج عن مسار النوايا.
كانت النسوة مذعورات ومتشائمات بشأن المستقبل
وقد تجمّدن في مواجهة القوى التي طلبت منهنّ الرّكوع على الطاولات
وانكمشن في مقاعدهنّ، متمسّكات برعاية أبنائهنّ
وحقّقن ما يلي:
أولًا: سنبذل قصارى جهدنا لأنّنا طيّبات.
ثانيًا: بعد شهر سنعرف ما إذا كانت حيواتهم
ستنجح أم لا. سنبلغكم بذلك كتابةً إذا رغبتم.
ثالثًا: هذا اتّفاق على المُنْتَج.

(من مختارات: "في مكان ما إلى الأبد"، 2015)

ابحثْ


مَنْ منَّا أين، تسأل بيضة وتنكسر
يسأل رأس الفرخ الرّمادي الرّطب الذي يبرز منها،
بوقاحة: مَنْ؟ لا أعرف أين نحن، إنها إجابة.
أنا هنا، تقول البيضة، ألا تراني؟
أسألُ مَنْ منَّا الحقيقي، مَنْ إذًا؟
نحن جموع، كثيرون، حشود
ألقتها الصّدفة السوداء اللانهائية
بعشوائية في فناء... بعشوائية في حظيرة
ما نسمّيه الآن بالأرض والمجرّة
حيث نرى ضوءنا ينير ويبرق أثناء سقوطنا
فنسمّيه الحقيقة
هذه إجابة. ولكن ليست لبيضة
ليست لرأس الفرخ
الذي يصوصو: أيُّها العارف الغريب، أيها المُجيب
مَنْ أنا؟

(من مجموعة: "يجب أن نستمرّ، ربّما، في التفكير" 2024)


تدرُّب

"هل تتضخّم أجسامنا؟" تسأل "أود"
"نعم، شيء من هذا القبيل" يجيب الرأس
"أو ربّما نتقلّص فجأة بشكل كبير"
"هل الاختفاء أمر غريب؟" تسأل "أود"
"نعم، بالتأكيد"، يجيب الرأس
"ربّما يكون نوعًا من الانفجار العكسي،
تلك البداية الأولى التي يعرفها الجميع"
"هل سأخاف؟" "نعم، أحيانًا ستخافين
وأحيانًا ستضحكين أيضًا
لأنها مغامرة جديدة تمامًا"
"المغامرات رائعة. كيف ستنتهي؟"
"إذا كنت تعرفين النهاية، فلن تكون مغامرة بعد الآن
أليس كذلك؟"
"آآه..." "وسأبقى معك،
سأرافقك خطوة بخطوة".

(من مجموعة: "يجب أن نستمرّ، ربّما، في التفكير" 2024)

الحقيقة التاريخيّة


هل هذه هي الحقيقة الآن
هذا الصمت الخشبيّ البالي في بيت متهالك
الذي، مثل الأواني المحروقة في واجهات العرض
يعدّ أمرًا مهمًّا، صنعه أجدادنا؟
أم هذا:
أناسٌ يعيشون مَحْنيّين على الحقول ونيران الحطب
خسروا الاختيار مُبكرًا، وأطفالهم في أعمار غضّة
متّكئين على أدوات ذات مقابض
يتلصّصون - بوجوه مشوّهة
بسبب أوجاع الأسنان -
على كلِّ ما هو مختلف؛
المسافرين، النّساء الجميلات
وأحيانًا تُغرس مذراة العشب في النّار
لتثير اللهب.
أناس رائحتهم ليست طيّبة
لم يكونوا بأيِّ حال أكثر متعة
يعملون بجدّ
يؤمنون بالله وبمئات الآلاف من الخطايا التفصيليّة
يذبحون الخنازير
لأجل الطّعام
والغرباء
لأجل راحة البال؟

(من مجموعة: "فرسان السقف"، 2000)

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.