}

آلهة الإغريق: لماذا سحروا الناس؟

كريستين برينك 24 فبراير 2026
ترجمات آلهة الإغريق: لماذا سحروا الناس؟
زيوس

 

ترجمة: سوار ملا

 

الحكايات والأساطير الإغريقية، التي كانت تُروى قديمًا للجمهور على ألسنة مغنّين جوّالين، لا تزال، بعد أكثر من ألفي عام، مصدرًا للدهشة والرهبة في آنٍ واحد. حتّى أولئك الذين لم يقرأوا يومًا لهوميروس أو هسيودوس يعرفون النجوم: زيوس وبروميثيوس، هرقل وأخيل، باندورا وأفروديت، نرسيس وهياكينث.

قد لا تكون قصصهم حاضرةً في ذهن إنسان الإنترنت (الهومو إنترنيتيكوس)، غير أن سحرهم أبقى شخوصهم حيّةً؛ ومنهم ينبثق الثراءُ الشعريُّ للقصص التي يتناقلها الناس عنهم.

علّمت المسيحيّةُ الناس أن ثمّة إلهًا واحدًا، أمّا الإغريق فكان لديهم عشرات الآلهة. اثنا عشر منهم على جبل الأولمب وحده، فضلًا عن عدد لا يُحصى من أنصاف الآلهة، والأبطال والكائنات الهجينة. ولم يكونوا شخصيات متعالية مثل موسى وعيسى ومحمّد، إنما كانوا شخوصًا ربما يشبهونك ويشبهونني؛ وبالطبع خالدين. كانوا "إنسانيّين، مُفرطي الإنسانيّة" على حدّ تعبير نيتشه. امتلكوا مشاعر وضيعة ونبيلة، وجوانب سامية وأخرى مرعبة، ناهيك عن أهوائهم الجنسيّة الجامحة التي تسبّبت بكوارث لا تنتهي. لقد كانوا بين البشر ويشبهونهم. ولهذا سحروا الناس وأمدّوا حكاياتهم بمادة لم تنضب حتّى عصرنا الحديث.

قلّة قليلة من الناسِ تحتفظ اليوم بكتب هوميروس على طاولاتِ أسرّتها، كما أن أقليّة محدودة جدًا تجد متعتها في الجرارِ العتيقة المزدانة برسومات أسطورية. ومع ذلك، لا يزال الأدب والقصص المصورة والأفلام تعمل بنشاط على إعادة صياغة الأساطير الإغريقية وتقديمها لنا. وللدلالة على أنه بالكاد هناك ما هو أكثر تشويقًا منها، صدرَ مؤخّرًا كتابٌ جميل الإخراج، يزيد على خمسمائة صفحة، يُعيد بحسب عنوانه الأميركي الفرعي سرد حكايات آلهة الإغريق "للقرّاء المُعاصرين". مؤلّفته، سارا إيلس جونستون، أستاذة الفيلولوجيا في جامعة ولاية أوهايو الأميركية، والمتخصّصة في الميثولوجيا والدين الإغريقيين، لا تُثقِل قارئ كتابِها بلغةٍ "مبسّطة" على نحو فجٍّ؛ إنّها تسرد بسلاسة وبأسلوب معاصر، مع حساسية خاصة تجاه دور النساء، إذ تُسمّي فظائع الآلهة دونما مواربة. فالاغتصاب تسمّيه اغتصابًا؛ وكان زيوس بهذا المعنى مُغتصِبًا متسلسلًا.

هل كانت هيلانة حقًّا في طروادة؟

في مقدّمتها البارعة، تصحبنا جونستون في رحلة زمنية عجيبة إلى مدينة إغريقية قديمة كان عالمها اليومي مشبعًا بالأساطير. ثمّ تدعنا نغوصُ داخل عالم كانت فيه حكايات الآلهة تُروى وتُغنّى وتُؤدّى وتُعاد زخرفتها وصياغتها مرة بعد أخرى. وتشيرُ جونستون إلى أن حضور الأساطير، مرئيّة على الجرار وفي المنحوتات، ومسموعةً في الملاحم والتراجيديات وأغاني الأعراس، قد ساعد الإغريق القدماء على تملُّك شخصيات الأساطير تملّكًا ذهنيًا ووجدانيًّا.

تناقل الناس هذه الحكايات شفهيًّا لزمن طويل، هكذا، من فم إلى فم، إلى أن دوّنت. وفي خضمّ هذا الانتقال عبر الزمنِ كانت تتبدّل، مما أدّى إلى صيغ متعدّدة للقصّة الواحدة؛ ففي كريت، مثلا، رويت حكاية ولادة زيوس على نحو مختلف عمّا كانت عليه في أتيكا. وكذلك ثمّة روايات متعدّدة حول اختطاف هيلانة؛ فتارةً تمضي إلى طروادة طواعيّة، وتارةً تستجيبُ على مضض. بل ثمّة روايات تذهب إلى أنّها لم تكن في طروادة أصلًا.

علاوةً على ذلك، كانت آلهة الإغريق تُبعَث حيّةً في وعي البشر القدماء عبر تشعُّب صلات القرابة بينها. فقد امتدّت هذه القرابات حتى عتبة الزمن التاريخيّ. فلم تكن هيلانة ذات صلة بوالديها إليذا وزيوس، وبإخوتها كليتمنسترا والديوسكوري (كاستور وبولكس) فحسب، بل ارتبطت كذلك بمينيلاوس وباريس ودوفيوس. وكانت لها ابنة تُدعى هرميون تزوجت من أوريستيس، الذي أنجب بدوره ابنًا من أندروماخي، وهكذا دواليك. إزاء علاقات قرابة من هذا النّوع يُصابُ عالم الأنساب بالدوار. فشجرة نسب خطيّة بالكاد تستطيع الإحاطة بالتشابك بين الفاعلين.

ومما يبعثُ على الدوار أيضًا بطولات وجرائم ثيسيوس وهرقل. القوى الإعجازيّة للأبطال، والحِيَل التي لجأوا إليها، أمور غير مسبوقة، وما تزال تشكّل قراءة مشوّقة ومؤثرة لقراء اليوم. أما المعجزات، التي تتوالى كخدع سحرية، فتجعل أسرار الكتاب المقدّس تتوارى في الظلّ.

ولادة أثينا من رأسِ أبيها، على سبيل المثال، تتجاوز قدرة المخيّلة الحديثة: يبتلع زيوس زوجته ميتيس وقد باتت في هيئة فراشةٍ، لأنّه يخشى مولودها القادم، بعد أن أنبأه وحيُّ بأنّ هذا الطفل سيُضاهيه في القوّة. وهكذا ينمو الطفل في جوف زيوس ويُنزِل به صداعًا لا يُطاق. فيأمُر أبُ الآلهة بشقّ رأسِه، فتخرج منه أثينا، ضئيلةً للغاية في البدء، لكنّها في درعٍ لامعٍ منذ اللحظة الأولى. وما تلبث أن تبلغ تمام قوامها، ولم تكد تولد حتى تكلّمت بصوتٍ يهدرُ كالرعدِ. وتُولد آرتميس، ابنة زيوس، في ديلوس، لتُعيِن على الفورِ أمّها ليتو في ولادة أبولو. وما إن يولد هذا الأخير، حتى يُعلِن، وهو يرفسُ عنه الأقمطة، بجملٍ تامّة: "أنا الإله أبولو، ومن الآن فصاعدًا سأبلّغ البشرَ الفانين إرادة زيوس". ثمّ ينطلق يجوب الأرض. وهذا أمرٌ لا بأس به بالنسبة لرضيع!

وكان هيرقل، ابن الحسناء ألكميني، شوكةً في عينِ الإلهة هيرا. فوالده زيوس، الذي دأب على خيانة أمّ الآلهة، كان قد خانها مع ألكميني أيضًا. واستبدّت بهيرا رغبةٌ جامحةٌ في الانتقام، إذ لم يكن في حسابها سوى موت الطفل. أما زيوس فأراد أن يضفي على الصبيّ مزيدًا من الألوهيّة، واستعان لذلك بهيرمس. وقام هيرمس بتهريب الطفل هرقل إلى غرفةِ هيرا النائمة، وألصق الصبي المكروه بثديها. وحين استيقظت، أدركت من كانت تُرضع، فانتزعت الثدي من فم الطفل، ومن اندفاع حليبِها الفائر عاليًّا تشكّلت درب التبانة. يا لها من تحفةٍ كوسمولوجيّة!

محبوبون ومُنتَهَكون

تحوّلات الآلهة، أفعالُهم وموبِقاتهم، حقدهم ونوازعهم إلى الانتقام، إلى جانب أهوائهم وشفقتهم، كلّ ذلك يشكّل أعجوبةً من أعاجيب الخيال.

زيوس في هيئة بجعة، زيوس في هيئة ثور، زيوس في هيئة سحابة، والأجرأ زيوس متقمّصًا هيئة أمفتريون، إذ لم تكن ألكميني العفيفة لتُدخِل إلى فراشها سوى زوجها. محبوبون ومخدوعون ومُنتَهَكون؛ هكذا كان روتين الآلهة، ولم يكن لنوع الجنسِ شأنٌ يُذكَر. فقد أنجبت هيرا، من دون تدخّل خارجي، طفلها المشوّه هيفيستوس. كلّ شيءٍ كان في متناول الآلهة.

لقد وُفِّقَت سارا إيلس جونستون بكتابٍ يستطيع العارفون والهواة تقديره على حد سواء. يمكن قراءته فصلًا فصلًا، ويمكن أيضًا التهام هذا المجلّد الضخم من دون إفلاته من اليد عطلة نهاية أسبوع كاملة. ومن يبقى غير مكتفٍ، يستطيع الرجوع إلى قسم المصادر الممتدّ على ثلاثين صفحة، ثم يحاول استجلاء خطوط القرابة الكبرى في عالم الآلهة عبر أكثر من عشرين صفحة في فهرسِ الشخصيات الأسطوريّة من الألفِ مثل أخيل إلى الزاي مثل زيوس.

إنه كتاب أخّاذ على درجة عالية من الإتقان.
خلاصة القول لقرّاءِ اليوم، أنّنا من دون الآلهة والأبطال والأساطير لا نستطيع أن نفكّر، ولا أن نبدع شعرًا، ولا حتّى أن نحلم.

الحمدُ لزيوس.

 

(*) نُشر هذا النص بتاريخ 12/12/2025، في صحيفة "نويه تسوريشر تسايتونغ"  NZZ الألمانية

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.