ترجمة وتقديم: عماد فؤاد
لم يشهد الأدب الهولندي عاصفة أدبية تم الاختلاف حولها في القرن العشرين كالتي أثارها الروائي والشاعر جيرارد ريف (1923 - 2006)، والذي شكلت روايته الأولى "المساءات" (1947) أول تعبير أدبي عن خواء ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأصبح ريف بفضلها ثالث اثنين كانا في مقدّمة المشهد الأدبي الهولندي آنذاك؛ هاري موليش وويليم فريدريك هيرمانز، وصار الثلاثة يشكّلون "مثلّث الأدبي الهولندي" ورموزه، حتى أطلق عليهم "الثلاثة الكبار"، تمييزًا لهم عن أقرانهم في بلجيكا: لويس باول بون وموريس مترلِنك وهوغو كلاوس.
وعلى الرغم من أن ريف اخترع لنفسه خلفية خيالية باعتباره الطفل الهولندي المولد للاجئين من البلطيق والروس، إلّا أنه كان ابنًا لأسرة هولندية من الطبقة المتوسطة، وربما بفضل والده الصحافي، التحق ريف بمدرسة أمستردام للفنون التصويرية في الفترة من 1945 إلى 1947، وبعد ذلك عمل كمراسل لصحيفة هيت بارول الهولندية.
ظهرت رواية "المساءات" لأوّل مرّة بـ"نصف" اسم مستعار هو "سيمون فان هيت ريف" عام 1947، وحققت على الفور نجاحًا كبيرًا وسط الأجيال الجديدة في هولندا وبلجيكا، فيما أثارت انقسامًا لم ينته حتى يومنا هذا بين النقاد، فمنهم من رفعها إلى أن تكون "أكبر وثيقة أدبية على الفراغ الذي خلّفته الحرب في نفوس الشباب الجدد، بعد أن أفسدت دراستهم ومسيراتهم الأكاديمية وخابت آمالهم"، ومنهم من رأى فيها "كتابة مملّة وفارغة لا تقول شيئًا".
والحقيقة أن قارئ الرواية سيتفهم الفريقين، فالرواية التي ترصد الأيام العشرة الأخيرة من عام 1946، من خلال عيون بطلها الشاب فريتس فان إيجرز، لا يحدث فيها أي شيء؛ فريتس موظف بسيط في مكتب، لم يكمل تعليمه الثانوي، ويعيش مع والديه في الطابق الأول بأحد شوارع أمستردام، ومن هذا الطابق الأول نبدأ في تلمّس مشكلات ما بعد الحرب، حيث ندرة المساكن الهولندية وضيق الشقق المتاحة للسكن. ومن خلال السرد البطيء الذي تميز به جيرارد ريف، نبدأ في التعرف على مساحة الشقة التي يسكنها مع والديه، والتي تعلوها سندرة مخصّصة للاحتفاظ بإمدادات الفحم، والذي كان يعد حينها سلعة نادرة في هولندا المحررة حديثًا؛ حتى أن إضاءة الموقد وإبقائه مشتعلًا تصبح مشكلة تتكرّر طوال الرواية، خالقة لحظات من الشجار اليومي بين الأم وابنها الشاب، وتذمّر مستمر من الأب الذي يعاني من الصمم.
وضعت رواية "الأمسيات" جيرارد ريف في مصاف الكبار، لتتوالى بعد ذلك العشرات من أعماله الروائية والشعرية والمسرحية، ومن بينها روايته "وورثر نيلاند" (1949) التي حققت شعبية كبيرة فور صدورها، وفي عام 1956 أصدر ريف مجموعته القصصية "أربع حكايات شتوية"، والتي كتبها في الأصل بالإنكليزية، ثم أصدر: "عشر قصص مبهجة" (1961)، "في الطريق إلى النهاية" (1963)، "أقرب إليك" (1966)، "لغة الحب" (1972)، "أعزّائي الفتيان" (1973)، "أحببته" (1975)، و"آباء قلقون" (1988).
كما حرص جيرارد ريف بدءًا من الثمانينيات على نشر سلسلة من كتب المراسلات، افتتحها بـ: "خطابات إلى ويم ب. (1968–1975)" (1983)، و"رسائل آكل البطاطس" (1993). وقد حولت السينما الهولندية والبلجيكية العديد من رواياته إلى أفلام ناجحة.
فيما يلي نترجم مفتتح رواية "المساءات" لجيرارد ريف، أحد عمالقة الأدب الهولندي المعاصر...
المساءات
كانت الدنيا لا تزال معتمة حين استيقظ فريتس فان إيجرز، بطل هذه القصّة، في الصّباح الباكر من يوم الثّاني والعشرين من ديسمبر عام 1946، في الطّابق الأوّل بالمنزل رقم 66 بشارع سخيلدرسكادا في مدينتنا، نظر إلى الساعة ذات العقارب المضيئة والمعلّقة على مسمار، وتمتم: "السّادسة إلّا الربع، ما زلنا في الليل".
فرك وجهه وفكّر: "يا له من حلم بائس، عمّاذا كان يدور"؟ تمكّن من تذكّر تفاصيل الحُلم ببطء. كان يحلم أنّ غرفة المعيشة مليئة بالزّوار. قال أحدهم: "سيكون الطّقس جيّدًا نهاية هذا الأسبوع". في اللحظة نفسها دخل رجل يرتدي قبّعة مستديرة، لم ينتبه إليه ولم يستقبله أحد، لكن فريتس راقبه عن كثب. وفجأة سقط الزّائر على الأرض بضربة قويّة.
فكّر: "هل كان هذا كلّ شيء؟ ماذا حدث بعد ذلك؟ لا شيء، على ما أعتقد".
نام مرّة أخرى، واستمرّ الحلم من حيث توقّف؛ استلقى الرّجل - بقبّعته المستديرة مضغوطة على وجهه - في تابوت أسود كان يشغل أحد أركان الغرفة على طاولة منخفضة. وفكّر: "لا أعرف تلك الطّاولة، أمن الممكن أن تكون مستعارة"؟ نظر إلى الصندوق وقال بصوت مرتفع: "سيعطّلنا هذا غدًا على أيّة حال". قال رجل أصلع الرأس بوجه أحمر ونظّارة: "هل تراهن أنّني أستطيع ترتيب الجنازة بحلول السّاعة الثانية بعد الظّهر"؟ استيقظ مرّة أخرى. كانت السّاعة السّادسة وعشرون دقيقة. قال لنفسه: "لقد نمت طويلًا، ولهذا السبب أستيقظ مبكّرًا. لا يزال لديّ ساعة كاملة".
سقط في سبات بطيء ودخل غرفة المعيشة للمرّة الثّالثة. لم يكن هناك أحد. مشى إلى التابوت، نظر إلى الدّاخل، وفكّر "لقد مات وبدأ يتعفّن".
فجأة غُطّي المشهد بجميع أنواع أدوات النجارة، مكدّسة على حافة التّابوت: مطارق، مثقاب كبير، مناشير، موازين مائية، آلات تنعيم الخشب، أكياس مسامير وزرّديّات. وحدها اليد اليمنى للرجل الميّت كانت مرتفعة.
فكّر: "لا يوجد أحد هنا، لا أحد في البيت كلّه. ماذا عليَّ أن أفعل؟ الموسيقى، نعم فهي تساعد". انحنى على التّابوت باتّجاه جهاز الرّاديو، لكنّه في اللحظة نفسها رأى اليد التي تحوّل لونها إلى الزّرقة، بأظافر طويلة بيضاء في أطراف الأصابع، ترفع نفسها ببطء. تراجع إلى الوراء مصدومًا. وفكّر: "لا يجب أن أتحرّك، وإلّا سيحدث ذلك". غاصت اليد إلى الأسفل ببطء. عندما استيقظ، شعر بضيق في التّنفس. "السابعة إلّا عشر دقائق"، تمتم وهو يحدّق في السّاعة. "ما هذه الأشياء السيّئة التي أحلم بها". استدار ونام مرّة أخرى.
عاد إلى غرفة المعيشة من جديد عَبْر ستائر خضراء سميكة؛ كان الزّوار موجودون مرّة أخرى. اقترب الرّجل ذو الوجه الأحمر منه وابتسم قائلًا: "هذا لن يُجدي، إنها العاشرة صباح الاثنين، ونحن نضع التّابوت منذ فترة طويلة في غرفة الدِّرَاسة". فكّر فريتس: "غرفة الدِّرَاسة؟ هل هذه في منزلنا؟ بالطّبع، هو يعني الغرفة الجانبية". حمل ستّة أشخاص النّعش على أكتافهم. هو نفسه تقدَّم لفتح الباب، وفكّر: "هناك مفتاح في الباب، هذا شيء جيّد".
في البداية كان التّابوت ثقيلًا للغاية وكان الحمّالون يمشون بخطوة موحّدة وبطئية. فجأة رأى أنّ قاع التّابوت قد بدأ في التّرهل والانبعاج. فكّر: "سوف ينكسر، فظيع! لا يزال الجسم سليمًا من الخارج، لكنّه من الدّاخل عبارة عن هريسة صفراء هشة. ستسقط على الأرض وتتحوّل إلى عجينة".
عندما وصلوا منتصف الممرّ، انثنى قاع التّابوت بشدّة حتى شكّل شِقًّا، ظهرت منه ببطء اليد ذاتها، إلى أن خرجت الذّراع كاملة تدريجيًّا. اقتربت الأصابع من رقبة أحد حاملي التّابوت وتحسّستها، فكّر فريتس: "إذا صرختُ فسوف يسقط كلّ شيء". راقب قاع التّابوت وهو ينبعج أكثر فأكثر، واقتراب اليد من حلق حامل التّابوت شيئًا فشيئا. قال: "لا أستطيع فعل أيّ شيء، لا يمكنني فعل أيّ شيء".
استيقظ للمرّة الرّابعة وانتصب في الفراش. كانت الساعة السابعة وخمس وثلاثون دقيقة. والجو بارد جدًا في غرفة النوم، بدا جليديًّا. عندما نهض بعد جلوسه خمس دقائق، قام بإشعال الضّوء. غطّى النّصف السّفلي من النّوافذ. مشى مرتجفًا إلى الخزانة. وفكّر حينما كان يغتسل في المطبخ: "يجب أن أتمشّي لمسافة قصيرة في الليل قبل الذّهاب إلى الفراش، عندها سيكون النّوم أعمق". انزلقت الصّابونة من بين أصابعه واضّطر إلى البحث عنها لبعض الوقت في المساحة المعتمة أسفل الحوض. تمتم: "إنّها بداية جيّدة".
فكّر فجأة: "إنّه يوم الأحد، هذه ضربة حظّ". قال لنفسه: "لقد استيقظتُ مبكّرًا جدًا، يا لي من غبيّ". ثمّ فكّر: "لا، بهذه الطّريقة لن يكون يومًا مريحًا. فلم أستيقظ في الحادية عشرة هذه المرّة". بدأ في الهمهمة وهو يجفّف وجهه، دخل إلى غرفة نومه، ارتدي ملابسه ومشّط شعره أمام المرآة الصّغيرة المعلَّقة جوار الباب. قال: "الوقت لا يزال مبكّرا جدًا، لا يمكنني الدّخول بعد".
ذهب وجلس إلى مكتب صغير، تناول أرنبًا من الرّخام الأبيض بحجم علبة ثقاب، ونقر به برفق على ظهر المقعد. ثم أعاد وضعه على كومة الورق التي أخذه من فوقها. ارتجف، نهض وعاد إلى المطبخ وأخذ من صندوق الخبز شريحتين، وضع الأولى في فمه في بضع لقيمات والثانية بين أسنانه وهو يعبر الممرّ إلى القاعة ليرتدي معطفه.
تمتم: "نزهة صباحيّة جميلة ومفعمة بالحيويّة".
عندما نزل الدّرج، نبح كلب لدى جيران الطّابق السّفلي وهو يمرّ ببابهم. أغلق الباب الرّئيسي برفق وتتبّع الطّريق المغطّاة بالثّلوج إلى النّهر، والذي، باستثناء وسطه، كان متجمّدًا بطبقة داكنة من الجليد. الرّياح كانت قليلة. والنّور لم يكن مُكتملًا بعد، لكن مصابيح الشّوارع كانت مطفأة بالفعل. فوق حوافّ السّقوف وقفت صفوف من طيور النّورس. رمى آخر قطعة من شريحة الخبز - التي عجنها على شكل كرة - على الجليد، فنزلت عشرات الطّيور. الأوّل، الذي أراد أن يخطفها، أضاعها. بدأت قطعة الخبز في التّحرّك، متدحرجة في حفرة صغيرة وغرقت قبل أن ينقر عليها طائر آخر. أطلق برج الكنيسة ضربة جرس واحدة.
فكّر وهو يستدير يمينًا مُتابعًا ضفّة النّهر: "يوم مبكّر، سيكون يومًا جيّدًا. الجوّ بارد والوقت مبكّر ولم يخرج أحد بعد، لكنّي فعلت". عبر الجسر الكبير حول المحطّة الجنوبيّة وسار أسفله عائدًا. قال لنفسه: "إنّه لأمر رائع أن تمشي في الصّباح الباكر. النّاس في الخارج ويشعرون بالانتعاش وفي مزاج جيّد. لن يكون هذا يوم أحد مريحًا أو ضائعًا".
عندما عاد إلى الممرّ، كان الماء يصدح في المطبخ؛ في غرفة المعيشة وجد أمّه تحضّر مائدة الإفطار. قال: "لم تتأخّري بالتأكيد"! فأجابت: "أبوك لديه نزوة، أراد أن يستيقظ مبكّرًا ويعمل بجد اليوم". نظر فريتس إليها بحدّة. كان وجهها مرتاحًا. جاء والده من المطبخ مرتديًا فانلته الدّاخلية وسرواله بالفعل؛ فيما ترك الحمّالتين تصلان إلى الأرض، كان وجهه لا يزال مبلَّلًا.
قال فريتس: "صباح الخير يا أبي". شعر كما لو أنّ عليه أن يدفع حجرًا عبر القصبة الهوائيّة بأكملها كي ينطق بهذه الكلمات، الحجر الذي سقط الآن عند قدميه: "صباح الخير يا ولدي". أجاب أبوه. جلسوا إلى الطاولة.
فكّر: "يجب أن أنتبه، يجب أن أراقب عن كثب". ظلّ ينظر إلى والده منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها بتناول الطّعام. فكّر: "يمضغ بدون صوت، لكن فمه يستمرّ في الانفتاح". نظر إلى رقبته وشعر بالغضب في داخله. قال لنفسه: "سبع ثآليل، لماذا لم يزلها؟ لماذا لا نتخلّص على الأقلّ من تلك الأشياء"؟
كانت والدته تسكب الشّاي. تناولت كوبها وشربت بهدوء. قرّب والده الكوب في منتصف الطّريق فقط إلى فمه، ثمّ مدَّ رأسه إلى الأمام، وضمّ شفتيه وهو يشرب بصوت عالٍ وسأل: "هل ألقيتِ نظرة على المدفأة، يا بنت؟". أجاب فريتس: "نعم".
قال الأب: "انظري يا أمُّ، إنّه يتحدّث بالفعل".
عندما انتهوا، استمرّ والده في ارتداء ملابسه بالغرفة الخلفيّة، وبعد تنهيدة عميقة، جلس على مقعد جوار المدفأة وفي يده كتاب. نظر إليه فريتس وهو جالس. فكّر: "لماذا هذه التّنهيدة الضّخمة؟ لماذا يخور هكذا"؟ نظر إلى الرّأس بشعرها المصبوغ، المتلاشي هنا وهناك، والممشّط إلى الوراء، والشّفتين السّمينتين للفم وهما تبتسمان بضجر، والكفَّين البُنيّتين بأصابع قصيرة سميكة، التي ببطء، بعد لمسات حريصة للصفحات، قلبتها.
فريتس نفسه جلس على الأريكة بالقرب من النّافذة. انحنى قليلًا، وفتح الرّاديو باحثًا عن المحطّات. تمتم وهو يُشبك يديه خلف رقبته، متّكئًا على ظهره ويستمع: "سوناتا لباخ". دخّن والده غليونًا وأطلق الدّخان الأزرق ببطء في سحب رقيقة.
نادت أمُّه من المطبخ: "فريتس، أين تركت مفاتيح السندرة؟" أجابها عندما دخلتْ: "لم تكن معي". سألته: "مع مَنْ إذن، في رأيك"؟
قال: "لم تكن معي".
واصلت الأم: "ألم تُحضر أيّ فحم البارحة؟ أنتَ من أحضرتَ الفحم أمس". قال: "لا، لم أحضر أيّ فحم".
"ربّما صعدتَ إلى الطّابق العلويّ وتركت المفاتيح بعد ذلك على طاولة في مكان ما".
قام ودخل إلى المطبخ. تبعته أمّه. سأل وهو يرفع السّتائر مُتحسّسًا الإفريز الدّاخلي أسفل النّافذة بالكامل: "أليست موجودة حقًا على حافّة النّافذة"؟ قالت أمّه: "المفاتيح كانت معكَ، يجب أن نعثر عليها، وإلّا فإنّ المدفأة ستنطفئ. المفاتيح كانت معك بالأمس، أنتَ كنتَ آخر من أحضر الفحم".
نظر إليها، الوجه الجاف، الشَّعر الرَّمادي، الزّغب الفاتح حول الفم والذّقن، والذّراعان اللتان تتحرّكان باستمرار. فكّر: "ساعدينا، الصّوت مرتفع للغاية؛ من أين يأتي"؟ دخل والده المطبخ بقدميه في الجوربين، ممسكًا بالكتاب في يده وسبّابته بين الصّفحات، سأل: "ماذا هنالك مجددًا؟ ألا تهدئان". قالت والدة فريتس: "لا تكن هكذا واذهب إلى الدّاخل؛ من يصدر الضوضاء هنا"؟
قال والده: "هذا الهدير وهذه الزمجرة، ما هذا بحقّ الجحيم"؟ استدار واختفى في القاعة ورأسه منحنية.
قالت أمّه: "اذهب لترى ما إذا كان المفتاح لا يزال هناك". صعد فريتس الدّرجات حتى أرضية السندرة، وجد المفتاح في القفل، مشبوكًا في المفتاح الثاني بواسطة سلك حديدي، فتح الباب وأخذ معه كيسًا ورقيًا من الفحم سريع الاشتعال، في الطّابق السّفلي ألقى بالمفاتيح على حافّة النافذة في المطبخ، مُصدرًا ضجّة. قالت أمّه، التي جاءت للتوّ من غرفة المعيشة: "والآن، لم تجلب أيّ فحم بالطّبع". قال: "ها هو الكيس". قالت "لم يكن هذا هو المقصود. عليك دائمًا إخراج الفحم من كيسه في السندرة داخل طبق، وإلّا سيخرج كلّ هذا الغبار هنا".
بمجرّد دخولهم غرفة المعيشة، قام والده بإيقاف موسيقى الرّاديو، كانت مقطوعة متعدّدة الألحان للكمان والقيثارة. قال: "هذا مزعج، دعونا نستريح لحظة". غرق في كرسيّه بتنهيدة نصف مكتومة، فتح الكتاب واستمرّ في القراءة. نظر فريتس إلى السّاعة على رفّ المدفأة. كانت العاشرة وعشرون دقيقة. فكّر: "الصّباح سريع. لو في أيام آحاد أخرى لكنت لا أزال في الفراش الآن، إذن لم أضيّع سوى القليل من الوقت". ذهب إلى غرفة نومه، وسحب كتابًا بعد كتابٍ من الخزانة، تصفّحها وأعادها إلى مكانها. تمتم: "الجوّ بارد هنا"، ثمّ عاد إلى غرفة المعيشة، أخذ صحيفة من كومة الصحف وجلس جوار النّافذة.
رأى المارة في الخارج يتحرّكون بسرعة ووجوههم مشدودة ومتوتّرة. كانت السّماء صافية ولونها أصفر قذر. في السّاعتين اللتين أمسك فيهما الصّحيفة دون قراءة، جالسًا على الأريكة، متابعًا الأحداث في الخارج، مرّ - في اتجاهات مختلفة - أربعة جنود، امرأتان، مع كلّ منهما عربة أطفال، وزوجان شابان، ورجل يحمل طفلًا، وصبيًا معه فتاة على ظهر دراجته. ومجموعة من الأطفال بقيادة اثنين من السّادة. رأى كيف حاول أحد الجيران الإمساك بكلبه، الذي لا يريد دخول البيت، بالصّياح والتّهديدات. فكّر: "أنا مستمرّ في البقاء هنا جالسًا لا أفعل شيئًا. وقد انتهى نصف اليوم". كانت السّاعة الثّانية عشرة والرّبع.
وضع والديه معطفيهما. قالت أمّه: "انتبه جيّدًا للجرس، سنقوم بتمشية صغيرة". ثم نظرت من النّافذة وتابعت: "علينا أن نسرع؛ يمكنك أن تقول إنّ الثلج قادم. هيّا أيها الأبّ، أسرع. أراكَ لاحقًا. هلا أغلقت الباب خلفكَ لو غادرتَ"؟
كرّر فريتس لنفسه عدّة مرات: "هلا أغلقت الباب خلفكَ لو غادرتَ". قام بتشغيل الرّاديو حين نزل والداه السلّم ببطء وسمع الباب الخارجيّ يُغلق. أعلن المذيع عن الوقت الصّحيح: ستّ دقائق قبل الواحدة والنّصف. أخذ من جيبه علبة تبغ بيضاوية مطليّة بالنّيكل ولفّ سيجارة، حرَّك مؤشّر المحطّات المضيء باحثًا، لكنّه لم يجد شيئًا. قام بإيقاف تشغيل الجهاز مرّة أخرى، وعبر الممرّ إلى الغرفة الجانبية، كانت هناك بعض الأوراق المبعثرة وكتبًا مفتوحة متقاطعة على المكتب، فتح علبة تبغ خشبية، أمسك بعض التبغ بين أطراف أصابعه، ووضعه في صندوقه الخاص، الذي انزلق مرّة أخرى في جيبه.
توقّف في الطّريق إلى غرفة المعيشة أمام المرآة الكبيرة في الممرّ، تحرّك فمه إلى اليسار ثمّ إلى اليمين؛ ثمّ انقلبت الشّفة العلويّة إلى الأعلى وانقلبت السّفلية من الدّاخل إلى الخارج وإلى الأسفل. ثمّ فحص وجهه من الجانب، أخذ مرآة حلاقة صغيرة مستديرة من المطبخ، وأمسكها بجانبه، وهكذا، بكلتا المرآتين، قام بفحص رأسه بالكامل؛ من الأعلى، من الخلف، ومن الجانبين. ثم أطفأ الضّوء في الممرّ وفتح باب الغرفة الجانبيّة. قال بهدوء: "في وضح النّهار". وبعدما ألقى نظرة كاملة على رأسه مرّة أخرى، قام بتمشيط شعره وأعاد تشغيل الضّوء. قال في نفسه: "علينا أن نرى تأثير ضوء النّهار مع المصباح الكهربائي". وبصوت مرتفع: "إنّه شيء يشبه رؤوس اللفت، ولكن هناك مهارة يجب الإشارة إليها".
تنهّد، علّق مرآة الحلاقة من جديد على مقبض نافذة المطبخ ودخل غرفة المعيشة. كانت السّاعة الواحدة تقريبًا. جلس على الأريكة. فكّر: "قطعنا أكثر من نصف الطّريق، فترة ما بعد الظهيرة بدأت قبل ساعة. لقد أهدرت وقتًا ثمينًا لم يعد من الممكن استعادته". قام بتشغيل الرّاديو، ولكن قبل أن تبرق أنوراه، أطفأه مرّة أخرى، قام وفتح الأبواب الجرارة ودخل الغرفة الخلفية. دفع ستارة الدّانتيل الطّويلة جانبًا وضغط وجهه على لوح الزّجاج. تركت جبهته علامة دُهنية عليه. ضغط وجهه من جديد ونظر إلى الأسفل.
في حديقة المنزل الملاصق جهة اليمين، كان هناك كلب من فصيلة "كيس هوند" جالسًا يتبرّز تحت شجرة ورد كبيرة. وثلاثة معاطف تجفّ على حبل الغسيل. تحتها جلس رجل ذو شعر أبيض يقطع الخشب في الممرّ الخرساني للحديقة. بين الحين والآخر، وعقب ضربة من ضرباته، تطير قطعة خشبية مسافة طويلة في الهواء.
عضّ فريتس العارض الخشبي بين قسمي النّافذة بأنيابه، مرّر لسانه فوق الزّجاج واتّجه إلى المطبخ. أخذ حفنة من حطب المدفأة من كيس ورقي في الزّاوية، ووضعها على طاولة المطبخ وفتح النّوافذ بصمت. وكلَّما ضرب الرّجل فأسه مباشرة، ألقى قطعة من الخشب بعيدًا في الحديقة، في أماكن مختلفة: على الحصى أو الصخر أو على السّياج؛ كلّ مرة بقوّة، بحيث تُصدر الكثير من الضّوضاء. في المرّة الرّابعة، وقف الرّجل، بعد أن التقط القطع، ينظر إلى الخشب لفترة طويلة. ألقى فريتس قطعة أخرى في الطّرف الأيسر من الشّارع، ثمّ أغلق النّافذة، تمتم مستديرًا وهو يتنهّد: "السّاعات الفارغة".


تحميل المقال التالي...