نزل الإعلان عن اتفاق بقيمة 83 مليار دولار بين شركة "نتفليكس" مع شركة وارنر بروس بيكتشرز نزول الصاعقة على صناعة السينما في أميركا والعالم. وعلى الرغم من معارضة كثير من نجوم السينما للصفقة، وبغض النظر عن تأثيرات هذه الصفقة على صناعة السينما والاقتصاد، فإنّ الخبراء واثقون الآن من أنّ "نتفليكس" أعلنت بدء ثورة حقيقية في هوليوود، ستترك آثارها على صناعة السينما في العالم كلّه.
البدايات
في تسعينيات القرن العشرين، تسارعت وتيرة التقدم التكنولوجي، وراحت التقنيات الجديدة تظهر وتختفي في سنوات فقط، بحيث لم يعد في الإمكان مواكبة التغيّرات في مجال التكنولوجيا. وهكذا كان الأمر في عالم الأعمال، فقد أصبحنا نرى شركة ما في "قمة السلسلة الغذائية"، لنجد بعد سنوات معدودة أنّ شركات جديدة منافسة قد أزاحتها عن عرشها. حدث الشيء نفسه مع شركات عملاقة مثل: "نتسكيب"، و"كوداك"، و"بولارويد".
بالنسبة لشركة "نتفليكس"، فقد بدأت عملها في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين بتوزيع أقراص DVD عبر البريد، لتصبح الآن واحدة من عمالقة هوليوود. بدأت القصّة عام 1997، عندما استعار ريد هاستينغز، مهندس البرمجيات، ورجل الأعمال من وادي السيليكون في كاليفورنيا، شريط فيديو لفيلم "أبولو ــ 13"، ولكنّه نسي أن يعيده في الوقت المحدّد إلى متجر Blockbuster، التي كانت واحدة من أكبر شركات التوزيع في العالم، والأولى في أميركا. كانت محالّ بلوك بوستر تشبه المكتبات الضخمة، تصطف أمامها طوابير طويلة من الزبائن الراغبين في استئجار فيلم ما. وكانت شركة التوزيع تفرض غراماتٍ باهظة عند التأخّر في إعادة الكاسيت في الوقت المحدد. وهذا ما حدث مع مهندس البرمجيات ريد هاستينغز، الذي طالبه محلّ التأجير بدفع غرامة تأخير ماليّة.
استشاط ريد هاستينغز غضبًا، وضاق ذرعًا بكلّ هذا. وبعد تفكير هادئ، قرر، ليس فقط إنشاء منافسٍ لبلوك بوستر، بل وتدميرها تمامًا. هكذا بكلّ ببساطة! اتفق ريد ورفيقه مارك راندولف على تقديم خدمات تأجير الأفلام عبر البريد. في البداية، لم تسر الأمور على ما يرام، فقد كان حجم الشريط ضخمًا، مما أدخله ضمن فئة الطرود التي تفرض عليها رسوم كبيرة. من ناحيةٍ أُخرى، كان الكاسيت هشًّا، ويتطلب تغليفًا دقيقًا مكلفًا، بالإضافة إلى أنّ فترة التوصيل كانت تستغرق أيامًا. جاءت المفاجأة السارة من اليابان، التي اخترعت للتو تقنية أقراص الـDVD عام 1996. اشترى هاستينغز قرص DVD من متجرٍ جنوب كاليفورنيا، ووضعه في ظرفٍ بريديّ عاديّ، وأرسله إلى منزله عبر البريد العادي، فوصل الظرف في اليوم التالي سالمًا. وهكذا، بدءًا من عام 1997، أسّس الشريكان شركةً لتأجير أقراص الـDVD عبر البريد، مستوحين جزئيًّا نموذج العمل من شركة أمازون، التي كانت تقوم منذ سنواتٍ ببيع الكتب عبر موقعها الإلكتروني، وترسلها إلى الزبائن عبر البريد.
كان إنشاء موقع إلكتروني سهلًا على هاستينغز، ولكنّ الشركة الجديدة كانت تحتاج إلى اسم. وجاء اسم نتفليكس من مزيج من الكلمات، وهما كلمة "Net" مشتقة من كلمة إنترنت، و"Flix" هي نسخة مختصرة من كلمة flicks التي ترادف كلمة movie "فيلم"، وضعهم معًا وستعرف سبب تسمية Netflix.
أعجب أسلوب التسليم الجديد العملاء، مما دفع هاستينغز للعمل على حلّ مشكلةٍ أُخرى: رسوم تأخير الإرجاع. للتخلّص من المشكلة، أطلقت "نتفليكس" في عام 1999 خدمة اشتراكٍ شهري لتأجير الأقراص، وقامت بإلغاء رسوم التأخير.
تجاهلت شركة بلوك باستر ما يحدث، فقد كانت في أوج ازدهارها في أواخر التسعينيات، وتمتلك أكثر من 9000 متجر موزّعة في جميع أنحاء البلاد، وكانت قيمتها السوقية آنذاك أكثر من 5 مليارات دولار.
في عام 1998، شاهد الأميركيون على الهواء مباشرة الفضائح الجنسية للرئيس الأميركي بيل كلينتون مع المتدربة مونيكا لوينسكي. وفي عام 1999، أصبحت جلسات استماع مجلس الشيوخ حدثًا تلفزيونيًّا بارزًا، فقررت "نتفليكس" بيع أقراص DVD عن جلسات استماع كلينتون ومونيكا. كان عليهم العمل بسرعةٍ فائقة، فالمنافسة في أوجها. قامت "نتفليكس" بنسخ الأقراص بسرعةٍ فائقة، وجعلت عددًا منها يسجّل من دون علامة التمييز. في النهاية، قام أحد العاملين بخلط ملفّات أشرطة الفيديو، وبدلًا من نسخ جلسات الاستماع، قام بنسخ أفلام إباحية صينيّة على مجموعة كبيرة من الأقراص التي لا تحمل علامة التمييز. لم تعلم الشركة بالأمر إلا بعد اتصال كثير من العملاء المستغربين. لاحقًا، ذكر هاستينغز أنّ الشركة تجنبت بصعوبةٍ بالغة دعاوى قضائية كانت ستكون مدمّرة للشركة. لحسن حظ الشركة، جاءت تسوية الأمر بسيطة التكلفة للغاية، فقد عرضت الشركة على العملاء المتضررين خصوماتٍ على اشتراكهم للشهر التالي، فوافقوا مسرورين، وبهذا انتهى الكابوس!
سباق محموم
شهد عام 2000 كارثة جديدة، عرفت بانهيار قطاع التكنولوجيا، حيث انخفضت أسهم عدد من الشركات بشكلٍ حادّ، بما فيها شركات التداول الإلكتروني. بدأت مبيعات "نتفليكس" بالتراجع، ووجدت نفسها أمام خيارات صعبة: الإغلاق، وخفض التكاليف بشكلٍ كبير، أو البحث عن شريكٍ أكبر للمساعدة في إدارة التدفق النقدي. أرسل هاستينغز وراندولف عرضًا بالشراكة إلى عدد من الشركات، فاستجابت شركة بلوك باستر بشكلٍ مفاجئ. اقترح الشريكان دمج "نتفليكس" في بلوك باستر كقسمٍ للإنترنت مقابل 50 مليون دولار. يتذكَر راندولف اللقاء: "عندما سمعوا الرقم، لم يتمالك مسؤولو بلوك باستر أنفسهم من الضحك. قالوا أشياء من قبيل: سننظر في عرضكم أيّها السادة... ربما..."، وهذا كان يعني عمليًّا "لا".
لإنقاذ الشركة، اضطر الشريكان إلى تسريح 40% من الموظفين، وقاما بإبلاغ كلّ موظف بقرار الفصل شخصيًّا، معربين عن أسفهم. لاحقًا، صرّح أحد الموظفين المسرحين أنّهم لم يحملوا أيّ ضغينة تجاه الإدارة، وأنّ بكاءهم عند تبلغهم القرار كان نابعًا من محبتهم للعمل في "نتفليكس".
قررت الشركة المخاطرة بكلّ شيء، فطرحت عام 2002 أسهمها للاكتتاب العام في بورصة ناسداك بسعر 15 دولارًا للسهم الواحد. وعلى عكس التوقعات، لاقت الأسهم إقبالًا كبيرًا من المستثمرين، وتمكنت الشركة من جميع مبلغ ضخم آنذاك (82.5 مليون دولار)، مما سمح لها بإعادة بعض موظفيها إلى العمل، وجذب مزيد من العملاء.
جذبت الشركة انتباه شركة أمازون، وول مارت، وبلوك باستر، التي أرادت فهم كيف تمكّنت الشركة من إرسال أقراص الـDVD بهذه السرعة. تظاهر ممثلو بلوك باستر أنّهم عملاء "نتفليكس"، وطلبوا رؤية "كيف تعمل شركتنا المفضلة"، فسمح لهم بالدخول، وعرفوا كلّ شيء. بعد زيارات مماثلة، أدركت الشركة أنّها تعرضت لعملية تجسس صناعي من جانب منافس.
فشلت كافة الجهود التي قامت بها شركة بلوك باستر للخروج من مأزقها، فأعلنت إفلاسها عام 2010.
في تلك الأجواء، حصلت "نتفليكس" على حقوق فيلم "بيت البطاقات/ House of Cards" البوليسي السياسي، وحوّلت الرواية التي كتبها السياسي البريطاني مايكل دوبس عام 1989 إلى مسلسل "بيت البطاقات" الذي حقق نجاحًا باهرًا، وارتفع عدد مشاهدي "نتفليكس" بشكلٍ هائل، كما فاز بطلا المسلسل كيفن سبايسي، وروبن رايت، بجوائز غولدن غلوب المرموقة.
ساهم تغيّر اهتمام الجيل الجديد في نجاح المسلسل، إذ كان جيل الألفية يفضّل بوضوح المسلسلات التلفزيونية على الأفلام التقليدية. وبعد نجاح "بيت البطاقات"، أطلقت "نتفليكس" مشاريع أُخرى، جنت من خلالها أرباحًا بملايين الدولارات، منها: "Orange is the New Black"، ومسلسل "أشياء غريبة/Stranger Things". علاوة على ذلك، حصدت هذه الأعمال جوائز عديدة، فأصبحت "نتفليكس" لاعبًا رئيسًا في صناعة السينما.
صراع العمالقة
عند انتشار وباء كوفيد ــ 19 في العالم عام 2020، ارتفعت شعبية منتجات "نتفليكس" بشكلٍ هائل، وكذلك أرباحها التي وصلت أرقامًا خيالية، واستطاعت إقناع الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل بالمشاركة في سلسلة وثائقية عنهما بعنوان "هاري وميغان"، التي عرضت عام 2022. خلال الفترة 2021 ــ 2022 عرضت على شبكة "نتفليكس" خمسة من أكثر عشرة مشاريع شعبية، وكان فيلم الرسوم المتحركة "KPop Demon Hunters/ صائدو الشياطين الكيبوب"، من إنتاج سوني بيكتشر، الذي عرض على نتفليكس، الأكثر شعبية في عام 2025.
بعد كلّ هذه الإنجازات، توجهت نتفليكس" للاستحواذ على شركة .Warner Bros Discovery. بعد التوصل إلى اتفاق استحواذ أوليّ بين الشركتين، ثارت ضجة في عالم صناعة السينما. فقد عارض نجوم هوليوود الصفقة، ومنهم نجمة السينما جين فوندا، التي وصفتها بنهاية استقلالية وارنر بروس قائلةً: "تصعيد مقلق يهدّد صناعة الترفيه بأكملها، وكذلك المجتمعات التي تخدمها، وربما التعديل الأول للدستور (الذي يحمي حرية التعبير)". من جانبه، وصف مايكل أولبري، الرئيس التنفيذي لشركة سينما يونايتد (التي تمثّل 30 ألف دار عرض سينمائي في الولايات المتحدة) استحواذ "نتفليكس" بأنّه: "تهديد غير مسبوق"، وتعهّد بمواجهته. من ناحية أُخرى، اتصل ديفيد أليسون، الرئيس التنفيذي لشركة بارامونت، بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأخبره أنّ الصفقة تقوّض مبدأ المنافسة نفسه، وأكّد للرئيس أنّه سيقوم بإصلاح شبكة CNN (التي لا يحبّها ترامب وتملكها شركة وارنر)، بشرط أن تشتري باراماونت شركة وارنر بروس.
وبغضّ النظر عن نتيجة معركة الاستحواذ على وارنر بروس، فقد غيّرت "نتفليكس" بالفعل صناعة السينما العالمية إلى الأبد.


تحميل المقال التالي...