ترجمة وتقديم: عزة حسين
تقديم
في هذا النص المنشور في صحيفة "الغارديان" البريطانية بتاريخ 27 فبراير/ شباط الماضي، تقدم الكاتبة السودانية البريطانية سارة العريفي ما يشبه الشهادة على روايتها الأحدث "كليوباترا"، الصادرة باللغة الإنكليزية عن دار "هاربر كولينز".
وهي رواية سيرة ذاتية لكليوباترا، الملكة الفرعونية القديمة، التي تربعت على عرش مصر وهي في التاسعة عشرة من عمرها بعد وفاة والدها. وواجهت طوال حياتها، تحديات كبيرة، وخاضت معارك ضارية للحفاظ على عرشها وتحويل الإسكندرية إلى مدينة مزدهرة، ولكن تورطها مع الإمبراطورية الرومانية كسا أسطورتها طابعًا تراجيديًا، لم ينته بوفاتها منتحرة؛ إذ تحولت الملكة المغدورة إلى فريسة لكتبة التاريخ المتحيزين، الذين لم يروا فيها سوى امرأة مُغوية أضاعت مملكتها وأفسدت قادة روما.
وفي هذه الرواية التي سرعان ما تصدرت مبيعات الكتب الأدبية خلال العام الجاري، تستعيد سارة العريفي قصة كليوباترا بغرض إنصافها وتنقية سيرتها من الإشارات المتحيزة التي كانت نهبًا لها، طوال مئات القرون الفائتة، حيث تصف العريفي كليوباترا بأنها "كانت أسمى من ذلك، كانت باحثة، وأمًّا، وصديقة".
في السطور التالية نصّ المقال:
من كانت كليوباترا الحقيقية؟
لطالما أسرتني الملكة المصرية (كليوباترا) منذ طفولتي، لكن البحث في الأرشيف لم يُفضِ سوى إلى خرافات ودعاية رومانية قديمة. لذا كان الخيال سبيلي إلى تحريرها من الأساطير المُتحيزة ضد المرأة.
ساحرة، عاهرة، شريرة – قلما تعرضت امرأة في التاريخ إلى التشويه والافتراء كما تعرضت له كليوباترا السابعة. لقد أفسدت المصادر القديمة إرثها عبر محاولات التقليل من شأنها وتصويرها كمجرد امرأة "غريبة ومغوية". لكن ما يسعدني هو أن اسمها اخترق حجب الزمن، وحظي باعتراف وشهرة تفوق بمراحل الرجال الذين كتبوا عنها. اسأل طفلًا في العاشرة عن "بلوتارخ" وسيعقد حاجبيه، لكن اسأله عن "كليوباترا" وستلمع عيناه فرحًا.
أنا أيضًا لمعت عيناي حين طلبت مني معلمتي في المدرسة رسم كليوباترا. بحثت يداي الصغيرتان في علبة الألوان، والتقطت اللون البني الذي كان سنّه سليمًا تمامًا من قلة الاستخدام. لقد كان اللون الأكثر وحدة في العلبة؛ لا يُستخدم إلا لرسم الطين أو لحاء الأشجار. حينها، رسمت وجهًا يعكس ملامحي ولوني.
بعد سنوات، بدأت دراستي للماجستير في الدراسات الأفريقية بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS). وكامرأة تنحدر من أصول غانية وسودانية وبريطانية، كنت متعطشة لتسمية مشاعر الاغتراب التي انتابتني، كما كنت فضولية نحو فهم السبب الذي جعل الطفلة التي كنتها تجد تقاربًا بينها وبين كليوباترا.
لم يكن اهتمامي منصبًا على مناقشة لون بشرتها – فقد أُسهب في ذلك من قبل آخرين – بل حول سبب شعوري بالارتباط بها. ورغم الفاصل الزمني بيننا، إلا أن الفجوة لم تكن بالاتساع الذي تخيلته؛ فقد عاشت في زمن أقرب إلى تاريخ ميلادي منه إلى زمن بناء الأهرامات، التي كانت بالنسبة لها آثارًا قديمة مغطاة بالنقوش.
لقد علمت – وأنا أغوص في كتبي – أن كليوباترا كانت "عالمة" أيضًا ومتعدّدة اللغات؛ تتحدث ثماني لغات على الأقل. كما أشارت نصوص لاحقة إلى اهتمامها بالخيمياء والعلاجات الطبية، ما يرجح أنها نشرت أبحاثًا خاصة بها في وقت ما.
لقد تتبعتُ خيوط "أسطورة" كليوباترا عبر العصور، سعيًا لإعادة بناء نسيج حياتها. وأقول "أسطورة" لأن إرث كليوباترا توغل عبر القصائد والمسرحيات والأفلام وحتى ألعاب الفيديو، وازدهرت قصتها لتتجاوز بكثير ما علمنا إياه التاريخ.
وقد لعبت إليزابيث تايلور دورًا لا يقل أهمية عن المصادر القديمة في تشكيل صورتها؛ إذ عزز تصويرها الحسي وسط أضخم ديكور سينمائي عُرف حينها، أسطورتها كامرأةٍ "مغوية" و"ساحرة" – امرأة تملك من المال أكثر مما تملك من العقل، لدرجة أنها قد تذيب لؤلؤةً لا تقدر بثمن في الخلّ لمجرد تسلية ضيوفها.
غير أنني كلما تعمقت في القراءة عن كليوباترا، أدركت أننا لا نعرف عنها شيئًا على الإطلاق؛ فالمصادر الأولية من عصرها تكاد تكون معدومة. حتى "بلوتارخ" – الذي أثرت تدويناته المؤرخة لحياة أنطونيوس وقيصر في مسرحيات شكسبير – كتب قصصه بعد أكثر من 100 عام على وفاة كليوباترا؛ وهكذا تلاشت الخيوط التي كنت أتتبعها عبر الزمن وتقطعت.
أيضًا دوّن المؤرخون- سويتونيوس وأبيان وديو - رواياتهم بعد وفاة كليوباترا، لكن الملاحظ على تلك الروايات أنها تميزت بعاملين حاسمين. أولهما: أنهم كانوا جميعًا رومانًا؛ وبالتالي كان لديهم مصلحة أكبر في الادعاء بأن كليوباترا أفسدت قادتهم، بدلًا من وصفها بأنها امرأة ذكية قادرة على عقد تحالفات استراتيجية. وثانيهما: أنهم كانوا رجالًا. كانت كراهيتهم للنساء سلاحهم الأقوى. وكان من الأسهل بكثير وصفها بـ "الملكة العاهرة" بدلًا من الاعتراف بأنها كانت جديرة بحب قيصر أو أنطونيوس.
لقد ألهمتني دراساتي كتابة رواية تاريخية عن الملكة العظيمة، لكن ما ظننت أنه سيكون منهلًا غنيًا بالمصادر، تبين أنه مستنقع من الدعاية السياسية ونميمة البلاط القديم.
لقد كانت كليوباترا تمثل النقيض للعالم الروماني؛ فهي أنثى مترفة ومتمردة. حتى قصة "اللؤلؤة المذابة" (التي رواها بليني الأكبر بعد قرن من وفاتها) كانت وسيلة لتمجيد "التعقل الروماني" في مقابل "البذخ" المصري.
وكنت أدرك أيضًا الحقيقة المرة حول ندرة وجود مصادر قديمة من خارج العالمين اليوناني والروماني. وأنني إذا أردت أن أضيف أبعادًا وتفاصيل دقيقة لحياة كليوباترا متعددة الثقافات، كان عليّ البحث فيما هو أبعد مما وصل إلينا عبر عيون الرجال الذين سعوا لتشويه سمعتها. لكن ذلك وضعني أمام مأزق: أين يبحث المرء عن التاريخ بعيدًا عن الكلمة المكتوبة؟
وحينها أدركت أن التاريخ "النقي" لا وجود له؛ فالتاريخ – مثل الرواية – يمتلك على الدوام "سردية" معينة. ومن هنا جاءتني الفكرة: هل يمكنني استخدام تجاربي وتجارب النساء من حولي لملء الفجوات في قصة كليوباترا؟.
لقد تحول بحثي نحو الداخل، وسرعان ما أدركتُ أن الكتاب الذي أردت تأليفه عنها لن يكون مجرد رواية تاريخية، بل سيكون "مذكرات".
اكتملت الرواية بسرعة بعد ذلك. وفقط أثناء التحرير، رأيت حجم تجاربي الخاصة المنعكسة على الصفحات. فعلى سبيل المثال، كان صراعها في بدايات الأمومة قريبًا جدًا من تجربتي؛ لأنني بدأت الكتابة في الأسابيع الأولى التالية لولادة ابني. ورغم أنني لم أخبر يومًا عبء إدارة دولة، إلا أنني أعرف شعور دخول غرفة اجتماعات مليئة بالرجال المصممين على تهميش صوتي.
في روايتي كليوباترا ترفض الصمت. هي حكيمة بقدر ما هي ماكرة، ولديها عقل أرجح بكثير مما يظنه الآخرون. لكنها لم تمتلك دائما الثقة الكافية. وهذا التحوّل من الشك إلى الجرأة هو مسار أخبره جيدًا.
هي ملكة تسعى لبذل قصارى جهدها في عالم يميل فيه الرجال للاستماع إلى ابنها ذي الخمس سنوات بدلًا منها. لكن حتى قصارى جهدك قد يبدو كالفشل؛ لذا سمحت لـ "كليوباترا الخاصة بي" بارتكاب الأخطاء، لأن هذا ما يجعلها إنسانة.
قصة كليوباترا هي الحكاية التي طالما تُقت إلى سردها؛ قصة امرأة مهمشة، معنفة أُسيء فهمها. وللأسف، هي حكاية تعرفها الكثير من النساء، مما يجعل إرثها اليوم أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى. ورغم آلاف السنين التي تفصلنا، فإن عالمينا ليسا مختلفين كثيرًا.
يومًا بعد يوم، أراقب حكوماتنا وهي تقترب من الوحشية الاستبدادية للممالك القديمة؛ حيث تُهدر حقوق النساء، وتواجه الديمقراطية الكثير من التحديات.
لكن ثمة شيء علمتني إياه كليوباترا: "الصمود لا يحدّه زمن". قد يكتب المنتصرون التاريخ، لكنهم لا يستطيعون سلبنا ذكرياتنا. سوف نتذكر، وسوف نصمد.
***
هذا المقال منشور باللغة الإنكليزية في صحيفة "الغارديان" البريطانية بعنوان:
?Scholar, seductress, alchemist: who was the real Cleopatra
ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:


تحميل المقال التالي...