}

لماذا لا يقدّم تحدي "عدم فعل شيء" نفعًا كثيرًا؟

كريستين فرينش 1 أبريل 2026
ترجمات لماذا لا يقدّم تحدي "عدم فعل شيء" نفعًا كثيرًا؟
(Getty)

 

ترجمة: سارة حبيب


الباحث المختبري في مجال المَلَل جيمس دانكيرت يقول إن هوسنا الجماعي هذا في غير محلّه

 

يجلسون وحيدين في غرفة، بلا أي تعبير على وجوههم، لا يفعلون أي شيء على الإطلاق، بينما تعدّ مؤقتات ضخمة الساعاتَ والدقائق تنازليًا. لا كتب، لا أجهزة، لا طعام، لا وسائل تشتيت، لا نوم. إنه تحدٍّ يفرضه بعض أفراد جيل زِد على أنفسهم على منصة تيك توك: تحدي "عدم فعل شيء" (The "Do Nothing" challenge). الفكرة هنا هي السعي عمدًا إلى الملل من أجل استعادة فترات الانتباه المستنزَفة، ليكون هذا بمثابة علاج لحالة التحفيز المفرط المحمومة التي يتسم بها عصرنا المشتَّت. وبعض هذه الفيديوهات تحصد ملايين المشاهدات.

إنه تحوير جديد على فكرة قديمة. فقبل أكثر من عقد، أطلق الفنان الكوري الجنوبي ووبسيانغ "منافسة التحديق في الفراغ" (The Space-Out Competition) لمكافحة الإنهاك. ومنذ ذلك الوقت، تطورت الرغبة بالسكون في أشكال عديدة، بما فيها هوس الحديث بشأن ما يُعرف باسم "الراودوغينغ" (rawdogging)؛ مصطلح بات يعني تحمّلَ أي نشاط روتيني ممل من دون وسائل مساعدة، لا سيما الرحلات الجوية الطويلة. وقد أثار هذا الترند ضجة كبيرة لدرجة أن الجمعية الأميركية للهجات اختارت كلمة "rawdog" لتكون كلمة العام 2024.

لكن، تحدي "عدم فعل شيء" وترند "الراودوغينغ" يشيران إلى سوء فهم جوهري لكيفية عمل الملل والانفصال، على حد قول جيمس دانكيرت، الباحث في مختبر الملل في جامعة واترلو. فالملل أقرب إلى الجوع منه إلى القداسة، كما يرى دانكيرت، وإجبارُ نفسك على الشعور به لساعات طويلة لا يمتلك في حد ذاته قوة مُجدِّدة. بالأحرى، يشير هذا الشعور إلى أن شيئًا ما في انتباهك، فاعليتك، أو إحساسك بالمعنى، ليس في حالة انسجام.

تحدثتُ مع دانكيرت حول سبب افتتاننا الكبير بالملل في هذه اللحظة الثقافية، السبب في أن بعض الناس يواجهون صعوبة أكبر في التعامل مع الملل مقارنة بغيرهم، وإحباطه حيال الفكرة الراسخة التي تعتبر الملل أرضًا خصبة للإبداع.

(*) لماذا برأيكَ أصبحنا مفتونين بالملل إلى هذا الحد في الآونة الأخيرة؟

في بدايات العقد الأول من الألفية، كنا نبدأ جميع أوراقنا العلمية بعبارة: "الملل ظاهرة لم تُدرَس بما يكفي"، لكن لم يعد بوسعنا قول ذلك الآن، لأنه خلال العشرين سنة الأخيرة ازداد عدد الذين يجرون الأبحاث عليه إلى حد كبير. تهدف بعض أحدث هذه الأبحاث إلى فهم العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والملل. وقد يخيل إلينا أنه مع وجود الكثير من المحتوى بين أيدينا الآن، بات من المؤكد أن الملل سيزول. لكن، ما نكتشفه أن الملل في الواقع آخذٌ في الازدياد. بالتالي، يقول أحد الافتراضات إن قدرتنا على التواصل بشكل جيد تنخفض، ومع حدوث ذلك، نصبح أكثر مللًا.

جيمس دانكيرت


(*) يبدو أن الملل يعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين. هل ثمة تعريف قياسي علمي جيد للملل؟

ثمة تمييز من المهم تحديده هنا. "الملل كحالة" هو شعوري في اللحظة الحالية بأنني: "أشعر بالملل الآن". فماذا يفعل هذا النوع وظيفيًا؟ الهدف من هذا الملل أن يشير إليك أن "ما تقوم به الآن لا ينفع. عليك القيام بشيء آخر". ومن ثم هناك "الملل كصفة"، أو "قابلية الملل". وهو يشير إلى الأشخاص الذين يختبرون الملل بشكل متكرر وبشدة، وهو يجعلهم يشعرون أن حيواتهم تفتقر إلى المعنى.

(*) هل هنالك أية سلبيات فعلية للملل القسري؟ أقصد مستخدمي تيك توك الذين يصورون أنفسهم وهم لا يفعلون أيّ شيء لساعات وساعات وساعات. هل هذا مُجدِّد حقًا؟

الهدف الأساسي لمشاعر الملل من نوع ملل اللحظة الحالية هو أن يقضي الملل على نفسه. الملل يريد ألا يكون موجودًا، صحيح؟ لذلك، أن نعتنق الملل ونقول: "أوه، سأحاول أن أقوم ببعض الراودوغينغ على هذه الرحلة لمدة 12 ساعة". فهذا مجرد استعراض. وهو لا يصغي جيدًا لما يخبرك إياه الملل حقًا؛ أن عليك إيجاد شيء ذي مغزى لتقوم به.

لكن الأمر الآخر هو أنهم يفهمون احتياجاتهم بشكل خاطئ. إنهم لا يريدون الملل. يريدون الانفصال. وذلك أمر طبيعي تمامًا. وقد اعتدنا أن نتحدث عن هذا بطرق أخرى: الاسترخاء التام دون فعل شيء (vegging out) أو حتى مجرد الراحة بحق السماء! بمعنى، أيَّ شيء يأخذك بعيدًا عن ضغوطات الحياة اليومية الطبيعية التي نختبرها جميعًا. لكني أعتقد أن علينا أن نختار عمدًا تلك الأوقات والأنشطة التي تكون أوقات انفصالنا- والقيام بالراودوغينغ إزاء الملل (تحمله دون وسائل مساعدة) ليس الطريقة الصحيحة. إنها مجرد فكرة غبية في جوهرها. كذلك، في المثال أو المثالين التي اطلعت عليها، ما لاحظته هو أن هؤلاء الأشخاص كانوا يشعرون بعدم الراحة، أليس كذلك؟ بالتالي، هم في الحد الأدنى يختبرون إحدى السمات الأساسية للملل. فإذا كنت تريد أن تنفصل عن هرج ومرج حياتك، لماذا عساك تنخرط عمدًا في شيء يجعلك تشعر بالسوء؟ هذا لا معنى له بالنسبة إلي.

(*) يزعم بعض الناس أن الملل يشبه نوعًا من اليقظة الذهنية، أو أنه يساعدهم على التعامل مع المشاعر والأفكار التي كانوا ربما أكثر خوفًا من مواجهتها. وكلا هذين الشيئين يمكن بالتأكيد أن يكونا غير مريحين. كيف تميز بين عدم الارتياح الناجم عن الملل وعدم الارتياح الناجم مثلًا عن اليقظة الذهنية أو التأمل؟

ممارسة اليقظة الذهنية، كما أفهمها، لا توصف عادة بأنها غير مريحة. بالأحرى، هي قد تتيح لك أن تتعامل مع أفكار وتجارب حياتية هي في حد ذاتها غير مريحة. لكن ممارسة اليقظة الذهنية تُعتبر عمومًا إيجابية تمامًا، حسب اعتقادي. اليقظة الذهنية هي أيضًا مسألة ممارسة. إنها أمر يتطلب وقتًا لإتقانه. لذلك، لا يمكن أن تتوقع أن تقوم بجلسة يقظة ذهنية لمدة ساعة فقط فتحلّ جميع مشاكلك. عليك أن تستمر بممارستها على مدى عدة شهور وسنوات.

عام 2014، نشر تيموثي ويلسون وفريقه ورقة بحثية حملت عنوان "فكر فحسب" (Just Think). في تلك التجربة، وضع الباحثون المشاركينَ في غرفة لمدة 15 دقيقة بدون أن يكون معهم أي شيء سوى أفكارهم. أخذوا هواتفهم المحمولة. لم يكن ثمة ما ينظرون إليه في الغرفة. ليس بوسعهم فعل أي شيء. وكل ما عليهم فعله هو أن يجلسوا على كرسي، هم وأفكارهم. ثم سألوهم عن شعورهم تجاه التجربة. وأحد الأمور التي ضاعت وسط الضجة الإعلامية حول هذه الورقة بعينها هو أنه في الواقع ثلث المشاركين قيّموا التجربة على أنها ممتعة. ثلث المشاركين كانت لديهم مشاعر متناقضة، وثلثهم كره التجربة إذ اعتقدوا أنها مملة وفظيعة. من ثم، تضمنت الورقة تسع تجارب، لكن التجربة التي لفتت انتباه وسائل الإعلام كانت تلك التي تضمنت إعطاء خيارين: إما الجلوس في غرفة لمدة 15 دقيقة من دون فعل أي شيء سوى التفكير، أو تعريض نفسك لصدمة كهربائية.

وكان المشاركون قد جربوا هذه الصدمات الكهربائية قبل بدء الخمس عشرة دقيقة، وقيموها على أنها سلبية وسيئة. كما قالوا إنهم على استعداد لدفع مبالغ معينة من المال لئلا يختبروها مرة أخرى. ومن ثم، عند وضعهم في الغرفة لمدة خمس عشرة دقيقة، نسبة ملحوظة منهم - رجال أكثر من النساء- عرّضوا أنفسهم لهذه الصدمات الكهربائية، بدلًا عن الجلوس وعدم فعل شيء. أحد الشبان عرّض نفسه لـِ196 صدمة كهربائية خلال 15 دقيقة. بالنسبة إلي، ما يدل هذا عليه هو أننا تطورنا لنكون مهيئين للفعل، لا التفكير. التفكير شيء عظيم ورائع. اللغة شيء عظيم ورائع. لكننا تطورنا لنتحكم بأجسادنا ونتفاعل مع البيئة حولنا.

الملل شائع أيضًا عندما نشعر بأننا مقيدون؛ عندما لا نمتلك أي استقلالية أو فاعلية. أي، لا نشعر أننا قادرون على التصرف بالطرق التي نريدها. بالتالي، كل هذه الأمثلة والبيانات تشير إلى أن القيام بالراودوغينغ إزاء الملل في رحلة جوية هو مجرد فكرة سخيفة. فهو يتعارض مع ما تطورنا في الحقيقة لفعله. بالأحرى، من الأفضل أن تقول: "حسنًا، أمامي رحلة مملة. ما الشيء ذي المغزى الذي بوسعي القيام به؟" يمكن أن يكون شيئًا بسيطًا مثل محاولة حل أصعب لغز سودوكو واجهته في حياتك. وليس من الضروري أن يكون شيئًا ذا مغزى كبير مثل معالجة السرطان، فأي شيء يهمك يظل من الأفضل تجربته في رحلة جوية طويلة بدلًا من مجرد محاولة الجلوس مع هذه الحالة وعدم فعل شيء.

(*) ذكرتَ سابقًا أن بعض الناس أكثر قابلية للملل من غيرهم، وفي أحاديث أخرى سمعتك تقول إن هذا مرتبط بمشاكل تتعلق بضبط النفس وتقدير الذات. لماذا؟

في الواقع، نحن لا نزال نعمل على هذه المسألة. لكن يبدو أن ضبط النفس هو مجموعة من العمليات التي تتيح لك أن تسعى بفعالية إلى تحقيق أهدافك. إنه يتيح لك أن تنظم أفكارك، تصرفاتك، وعواطفك سعيًا إلى ما يهمك. غالبًا، ما نراه في الأدبيات هو أن الناس يتحدثون عن ضبط النفس بوصفه في المقام الأول تحديًا يتعلق بالتثبيط. لكن بالنسبة إلى قابلية الملل، أعتقد حقًا أنه نوع مختلف من ضبط النفس يعاني الأشخاص منه- ما ندعوه صعوبة الانطلاق إلى الفعل. عندما يأتي إليك طفل في الخامسة من عمره ويقول: "أشعر بالملل"، فإنك، كوالد، تميل إلى رد فعل تلقائي وتقول: "لماذا لا تفعل هذا؟ لماذا لا تلعب بالليغو؟ لماذا لا تذهب للعب في الخارج؟ لماذا لا تذهب وترسم؟ لماذا لا تقرأ كتابًا؟". الطفل يعرف أن كل تلك الخيارات متاحة. كل ما في الأمر أنه لا يريد تلك الأشياء في الوقت الحاضر. هذه هي مشكلة قابلية الملل. أنت لا تريد ما هو متاح الآن، ولا تعرف ما الذي تريده.

(*) ذلك مثير للاهتمام حقًا، لأن ثمة دراسة صدرت مؤخرًا حول الدافعية عند قرود المكّاك، لا سيما فيما يتعلق بالبدء بمهمة، حتى مهمة يُتوقع أن تكون مجزية. وقد وجدت الدراسة بشكل أساسي أن ثمة دارة في العقد القاعدية في الدماغ عندما يتم تثبيطها، يكون بوسع القردة البدء بالمهمة، حتى إن كانت الجائزة مرفقة بعقوبة غير سارّة. لكن، إن كانت هذه الدارة نشطة، لا يستطيعون فعل ذلك. بحسب علمك، هل يوجد توقيع مُميِّز للملل في الدماغ؟

الإجابة عن ذلك السؤال هي: لا. ثمة بحث عظيم لليزا فيلدمان باريت يتحدث عن فكرة وجود تواقيع لكل أنواع التجارب العاطفية. وأعتقد أننا كنا نبحث عن ذلك لعقود. أقصد، ما هو توقيع السعادة؟ ما هو توقيع الغضب؟ والإجابة هي أنه لا يوجد حقًا توقيع فيزيولوجي أو عصبي واحد. لدينا شبكات واسعة النطاق مهمة للتفاعل مع العالم. وثمة الكثير من التداخل.

لكن، أحد أجزاء الدماغ الذي يبدو مثيرًا للاهتمام حقًا فيما يخص الملل هو القشرة الجزيرية التي هي بالغة الأهمية من أجل تمثيل ما ندعوه الإحساسات داخلية الاستقبال، أو إحساسات الجسم الداخلية. مثلًا، الشعور بالجوع والعطش، فراشات المعدة، تسارع ضربات القلب. وما تقترحه فيلدمان باريت - التي تركز كثيرًا على الاكتئاب وقليلًا على القلق- أننا نستخدم هذه الحالات الجسدية الداخلية لنتنبأ بكيفية شعورنا لاحقًا. لذلك، الشخص القابل للملل ربما لديه فحسب توقع خاطئ بالحصول على مكافأة. ربما لا يعرف ما الذي سيعطيه شعورًا جيدًا. ربما لا يعرف ما الذي سيكون مشوقًا أو ربما لا يستخدم هذه الإشارات الداخلية بدقة. لقد نشرنا بعض الأبحاث حول هذه المسألة وهي تُظهر أن الأشخاص القابلين للملل ينتبهون أكثر لحالاتهم الجسدية الداخلية، لكنها نوعًا ما تُشعرهم بالحيرة. كذلك، قد لا يفسرونها بشكل جيد. ثمة مفهوم يُعرف باسم "الأليكسيثيميا" وهي تعني صعوبة تسمية حالاتك العاطفية والتمييز بينها، والأشخاص القابلون للملل تكون لديهم عادة مستويات أعلى من الأليكسيثيميا، كذلك.

الملل لم يجعل هندريكس عبقريًا، الممارسة جعلت هندريكس عبقريًا (Getty)



(*) يقترح بعض الباحثين أن ثمة علاقة بين الملل والإبداع. هل تعتقد أن ثمة وجه حق هنا؟

لطالما كانت فكرة الإبداع مصدر إزعاج بالنسبة إلي، والكثير من زملائي الذين يقومون بأبحاث تتعلق بالملل يشعرون على هذا النحو، أيضًا. أعتقد أن ثمة رغبة كبيرة عند الناس في أن يعتقدوا بأن الملل على نحو ما سيجعلهم مبدعين. لكنْ، إذا فكرنا بالأمر، المنطق لا يستقيم هنا. لذلك، بدأتُ التفكير بما يلي: "من أين تأتي الرغبة؟" سيقول المشاهير غالبًا: "شعرتُ بالملل، لذلك فعلتُ كذا". ولأننا ننظر بإعجاب إلى الفنانين المشهورين، نفكر: "أوه. واو، لا بدّ أن الملل أداة مفيدة حقًا في جعلك مبدعًا".

القصة التي استخدمتُها كثيرًا في الماضي تتعلق بجيمي هندريكس. يشاهد شخص ما جيمي هندريكس وهو يعزف لأول مرة، فيعجب به كثيرًا ويقترب منه في الكواليس ويقول له: "يا رجل، أين كنتَ مختبئًا؟" فيجيب هندريكس: "كنت أعزف في تشيتلن سيركيت، وشعرتُ بملل قاتل". و"تشيتلن سيركيت" كانت موجودة في الخمسينيات والستينيات وهي سلسلة آمنة من أماكن العرض للأميركيين السود ليؤدوا فيها كل شيء من الستاند أب كوميدي إلى الموسيقى وغيرها. لكنّ نوع الموسيقى المتوقع في تشيتلن سيركيت كان تقليديًا ولم يعجب هندريكس. لذلك، فعل شيئًا آخر وأصبح عازف الغيتار الماهر الذي نعرفه. لكن المنطق هنا خاطئ تمامًا. الملل لم يجعل هندريكس عبقريًا، الممارسة جعلت هندريكس عبقريًا. محاولة القيام بأشياء مختلفة جعلت هندريكس عبقريًا.

العبقرية حل رائع للملل، لكن ليس بوسعك أن تأمل أن يعمل الأمر بالعكس. لذلك، بالنسبة إلى الورقة البحثية المنشورة عام 2014 التي يستشهد بها الجميع وتقول إن الملل يجعلك مبدعًا: ثمة الكثير جدًا من المشكلات في تلك الورقة. وقد حاولنا صنع نسخة منها ووجدنا العكس: كلما جعلنا الناس أكثر مللًا، قلَّ إبداعهم.

(*) كنتُ أظن أن الأشخاص الذين يملّون بسهولة يميلون إلى البحث عن الجدّة أكثر.

ذلك استنتاج معقول، لكننا في الواقع وجدنا صعوبة في إثباته. الأشخاص القابلون للملل يريدون الجِدّة، لكنهم يخفقون في الانطلاق إلى الفعل. بالتالي، حالة الملل المؤقتة في حد ذاتها ربما تعمل تمامًا بالطريقة التي أشرتِ إليها- تدفع نحو السعي للجِدّة. لكن السعي إلى الجِدّة وحده لن يجعل المرء مبدعًا. بل ما يفعله بتلك الجِدّة، ما يفعله بالشيء الجديد الذي يعثر عليه ويعود إلى ممارسته.

(*) ذكرتَ في مواضع أخرى أن الحيوانات تشعر بالملل. كيف نعرف ذلك؟

لا أعرف إن كنتِ قد شاهدتِ حيوانات المِنك في البرية. إنها تتحرك بخفة. وهي تبدو مخلوقات صغيرة مشاغبة. ومع ذلك نربيها لأجل فرائها، وهو أمر مقزز. لكن، ما فعلته جورجيا ميسن وريبيكا مار هو أنهما أسكنتا مجموعتين من المنك في نوعين مختلفين من الأقفاص. وُضعَت إحدى المجموعتين في أقفاص من النوع الذي نربيها فيه عادة في مزارع الفراء، حيث لا يوجد داخلها ما تفعله. ممل جدًا. والأخرى في قفص يحتوي على الكثير من الأشياء الصغيرة لتلعب بها حيوانات المنك.

أسكنت الباحثتان المجموعتين لأسبوعين في أنواع أقفاص مختلفة. وفي نهاية الأسبوعين، عرّضوا الحيوانات لأنواع مختلفة من الأشياء. عرّضوهم أولًا لأشياء تقترب منها حيوانات المنك عادة- ويبدو أنه بالنسبة إلى المنك، فرشاة الأسنان تشبه مؤشر الليزر بالنسبة إلى القطط. إنهم يعشقونها بشدة. يحبون فراشي الأسنان. لذلك، يعرّضونهم لشيء مثل هذا، شيء يقتربون منه عادة. ويعرّضوهم كذلك لأشياء يتجنبونها عادة- صورة ظلّيّة لحيوان مفترس أو رائحة بول حيوان مفترس. أشياء يتجنبونها عادة. ومن ثم هنالك المجموعة الثالثة من الأشياء وهي أشياء محايدة. أشياء رأتها هذه الحيوانات سابقًا- مجرد زجاجة من الماء أو شيء من هذا القبيل.

يعمل المنطق هنا على النحو التالي: إذا كانت الحيوانات في القفص الخالي من أي شيء تفعله مكتئبة، ستبدي اهتمامًا أقل بفرشاة الأسنان والأشياء التي تحبها عادة لأنها مكتئبة. وإذا كانت لا مبالية بعد قضاء أسبوعين في الأقفاص، لن تبدي أي اهتمام بأي شيء. لن تظهر أي سلوك، لا اقترابًا ولا تجنبًا. لن تهتم بأي من هذه الأشياء. وإذا كانت تشعر بالملل، ستقترب من أي شيء- وستقترب حتى من الأشياء التي تتجنبها عادة، مثل الصورة الظلّيّة للحيوان المفترس. وذلك بالضبط ما اكتشفته الباحثتان. حيوانات المنك التي كانت في القفص الخالي من أي شيء تفعله لأسبوعين اقتربت بسرعة - سرعة أكبر مقارنة بالمجموعة الأخرى- وعشوائيًا من كل أنواع الأشياء كما لو أنها كانت مستميتة للحصول على أي تحفيز وأرادت فحسب أي شيء تقوم به.

(*) ما الذي جعلك ترغب بدراسة الملل؟

ثمة شيئان حفّزاني لدخول مجال الأبحاث المتعلقة بالملل. أحدها أني، في أواخر مراهقتي، وبداية عشرينياتي، بدأتُ أحس بالملل كثيرًا وكرهته. أردت أن أجد طرقًا لإزالته من حياتي. والآن لم أعد أعتقد أن هذا ممكن أو مرغوب. لكن، في الوقت نفسه تقريبًا، تعرّض أخي لحادث سير تسبب له بإصابة دماغية خطيرة نسبيًا. وبعد عدة شهور، بعد إعادة تأهيل جدية، أبلغنا إنه شعر بالملل كثيرًا. بالنسبة إلي، كان ذلك دليلًا على أن شيئًا عضويًا تغير في دماغه. أحد عواقب تلك الإصابة الدماغية جعلت الأشياء التي كانت يومًا ممتعة تبدو مملة. وهكذا، أردتُ أن أفهم ما الذي حدث في دماغه ليسبب له ذلك.

(*) هل ساعدتك دراسة الملل على الشعور بملل أقل؟

لا أعتقد أن دراسته جعلتني أشعر بملل أقل. أعتقد أن الوقت جعلني أشعر بملل أقل. وتلك إحدى الأشياء التي تُظهرها البيانات: الملل يرتفع في سنوات المراهقة ثم يبدأ بالانخفاض في أواخر المراهقة وبداية العشرينات. ثمة دراسة لأليسيا تشين وزملائها تحمل عنوان: "أن تشعر بالملل في الولايات المتحدة الأميركية". في منتصف أعمارنا، عندما نكون مشغولين بمهننا، أطفالنا ومثل تلك الأمور، ينخفض الملل لأننا لا نملك وقتًا له. ثم يبدأ بالارتفاع مجددًا في الستينات والسبعينات من أعمارنا. وما بدأنا باكتشافه أكثر قليلًا هو أن ذلك ربما يتعلق بالوحدة بقدر أي شيء آخر. بالتالي، في العقود الأخيرة من حياتهم، البشر الأكثر ارتباطًا اجتماعيًا يشعرون بملل أقل. ثمة بحث عظيم قام به زميلي مارك فينسكي الذي أثبتَ مؤخرًا أن فقدان السمع عند كبار السن مؤشر للملل.

إذًا، دراسة الملل لم تجعلني أقل مللًا، غير أنه مع مرور الوقت ومع كل ضغوطات الحياة، لم أعد أشعر بالملل كما في السابق. وآمل بأني في العقود الأخيرة من حياتي، سأولي اهتمامًا للارتباطات الاجتماعية وأتجنب الملل.

(*) كريستين فرينش: صحافية ومحررة. حاصلة على ماجستير في مجال الصحافة العلمية من جامعة كولومبيا، وتعمل في هذا المجال منذ عام 2013. تكتب في مجال البيئة، الصحة، والتكنولوجيا.

 

رابط النص الأصلي:

https://shorturl.at/XGSLG

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.