يروي معرض "ماتيس: 1941 ــ 1954" الذي يستضيفه قصر غراند باليه في باريس قصة السنوات الأخيرة من حياة رائد الفنّ الحديث، الفنان الفرنسي الأشهر في القرن العشرين.
بعد نجاته من الاحتلال النازي، الذي كاد أن يفقد أحباءه خلاله، وعلى الرغم من قسوة المرض العضال الذي كان يعاني منه، وأفقده القدرة على استعمال فرشاة الرسم، استطاع هذا الفنان التأقلم مع وضعه الجديد، وجعل فنّه أكثر بهجة باستبدال فرشاة الرسم بالمقصّ.
يزخر مركز بومبيدو بأعمال هنري ماتيس، لدرجة أن القائمين على المعرض وجدوا صعوبة في اختيار الأعمال التي سيعرضونها هذه المرّة. تم اختيار موضوع المعرض بعناية فائقة: "الحياة بعد الموت". ففي عام 1941، كان ماتيس يصارع مرض سرطان المعدة، وخضع لعملية جراحية كبرى. بعد هذه الفترة العصيبة، لم تتغير حياة الفنان بشكلٍ جذري فحسب (أصبح يستعمل كرسيًّا متحركًا في تنقله، ولم يعد في مقدوره الرسم بحرية كما كان من قبل، بالإضافة إلى الفقر والحرب)، بل تغيّر فنّه أيضًا. لم يكن الأمر بالنسبة للفنّان يتعلّق بالبقاء في الساحة الفنيّة، بل بالانبعاث من جديد وإحداث ازدهارٍ جديد. يرفض ماتيس تقاليد الرسم سواء كان الأمر يتعلّق بفنّه، أو بتقاليد فنّ الرسم الأوروبي برمتّه. لم يعد يرغب بإنهاء لوحاته، ولم يعد يريد أن يكون مرتهنًا للسوق، أو لأصحاب المعارض. دمّرت الحرب العالمية الثانية النظام برمته، ولكنّها منحت هنري ماتيس فرصةً للعمل من دون ضغوط، ومن دون الالتزام بمواعيد تسليم نهائية.
بينما كان هيرمان غورينغ، القائد النازي وقائد القوات الجويةّ الألمانية، ينقّب بين اللوحات الفنيّة التي صادرها جنوده من متاحف باريس، وينتقي منها ما يناسب مجموعته الشخصية، كان ماتيس يعمل في مرسمه في مدينة نيس.
عاشت عائلة ماتيس تحت تهديد دائم. فقد كان ابنه جان متعاونًا مع المخابرات البريطانية، أمّا ابنه بيير فكان يساعد الفنانين اليهود، الذين كانت السلطات الفاشية تطاردهم، على الفرار إلى أميركا. أمّا ابنته الحبيبة مارغريت، فقد اعتقلتها السلطات النازية ومارست عليها كلّ أشكال التعذيب الوحشي، ولم تنج من الترحيل إلى ألمانيا إلًا بأعجوبة، إذ استطاعت في اغسطس/ آب عام 1944 الهروب من قطار الترحيل.
وعلى الرغم من الصعوبات والمعاناة التي مرّ بها، لم يُظهر الفنان في أيٍّ من أعماله ذرّة من الشفقة على الذات، فقد كان الفرح يتدفق بسخاءٍ من خلال كلّ عملٍ من أعماله، ليشاركه مع المشاهدين بسخاء.
في أعماله المتأخرة، عمد ماتيس إلى تقنية استخدام الورق القديم الملوّن (الديكوباج/ decoupage/ فن التزيين) لتحلّ مكان تقنية الرسم بالفرشاة. فمنذ عام 1943، اعتمد الفنان، بشكلٍ أساسيّ، على هذه التقنيّة التي ابتكرها بنفسه، فراح يلون أوراقًا بالغواش ثمّ يقصّ منها أشكالًا ويرتّبها بعد ذلك على خلفيّة بيضاء، أو ملوّنة.
في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، وبينما كان الفنان الأميركي بارنز ينجز لوحته الشهيرة "رقصة بطيئة"، كان هنري ماتيس يعمل على لوحةٍ مساحتها خمسون مترًا مربّعًا، مكوّنة من أجزاء كانت قد قصّت مسبقًا على أشكالٍ مختلفة. آنذاك، كانت هذه مرحلةً وسيطة بين مرحلتين من مراحل الفنّ: في المرحلة الأولى، كان يتمّ إتلاف قطع الورق المقوّى. أمّا في مرحلة ماتيس، فقد أصبحت هذه القطع الكرتونية منتجات نهائية.
جزئيًّا، كان قرار استخدام تقنية الديكوباج قرارًا ضروريًّا: فماتيس كان بالكاد يستطيع استخدام الفرشاة، أمّا الورق والمقصّ فمكّناه من توفير طاقته الضعيفة أصلًا. غير أنّ الأمر الأكثر أهميّةً أنّه استطاع مع هذه التقنيّة من مضاعفة إمكانيات التكوين. فقد أصبح في الإمكان تحريك عناصر الورق، وتغيير حجمها وإيقاعها. ونتيجة لذلك، لا تبقى اللوحة التي يشكّلها الفنان جاهزة، أو مكتملة، أو ثابتة، إلى الأبد. بل أصبح في الإمكان إعادة تركيبها وتحريكها، واستمرار عملية إبداعها إلى ما لا نهاية عمليًّا.
تتذكّر مساعدة الفنان، ليديا ديليكتورسكايا: "بعض أعمال الديكوباج أنجزت عمليًّا في بضع دقائق فقط. ولكن يجب التنويه إلى أنّ وراء تلك الدقائق كانت هنالك سنوات من التحضير والتكرار والتدرّب على هذه الحركة. وقدّ شبّه ماتيس نفسه بلاعب الأكروبات، الذي أصبحت حركاته السلسة ثمرة عمل شاقّ ودؤوب، وممارسة متواصلة".
يبدأ المعرض في قصر غراند باليه بلوحة "البلوزة الرومانيّة" الشهيرة (1940)، التي يقف الزوار أمامها طويلًا، وكأنّهم يستعدون لحركة الألوان والأشكال وتغيّرها. وهذا ما يحدث بالفعل. في إحدى القاعات، يعرض مقطع فيديو: ماتيس يعمل، يقصّ الخطوط والأحجام أمام أعين الزوار مباشرة، مستخدمًا مقصّ الخياطة الكبير. تعمل مساعدتاه الشابتان الجميلتان، بولتان مارتان، وكارمن ليشن، اللتان تبدوان وكأنّهما خرجتا من لوحاتٍ معلّقة في الجوار، على تثبيت قطعٍ من الورق الملون على بابٍ خشبيّ، وفقًا لتعليمات الفنان، الذي يرشدهما بعصا في يده إلى أمكنة دقّ المسامير.
يعدّ ماتيس فنّانًا ذا نزعةٍ تميل إلى الأحجام الكبيرة. لطالما كانت تجذب انتباهه الأعمال الضخمة، واللوحات الزخرفية الكبيرة، ولكنّه أصبح يمتلك الآن أداةً مكّنته من التلاعب بسهولة بالفضاء.
نقلت الكنيسة، التي سبق أن أنشأها الفنان، لوحاته إلى حيّزٍ ضخم صمّم لها خصيصًا، بحيث تتشبّع اللوحات بضوء الشمس. هنا، ينطق كلّ شيٍ بالإبداع: من الزجاج الملوّن إلى الملابس الكهنوتية. لم يعد ما هو أمام الزائر هذا مجرّد رسمٍ، بل بيئة لا بدّ له من دخولها.
يلخّص القسم الأخير، بلوحات "العارية الزرقاء" الشهيرة، هذا التطور. لقد رآها عشاق فنّ ماتيس مراتٍ عديدة، ولكنّها تستعيد في هذا المعرض مكانتها كإيماءةٍ ثوريّة يختزل فيها الشكل إلى رمزٍ ظليّ معمّم للغاية، ولكنّه لا يفتقد تعقيده ولا تجسيده. في باريس، يمكن أخيرًا رؤية أعمال ماتيس الأربعة جنبًا إلى جنب، بعد أن كانت مستقرة في ثلاثة متاحف مختلفة. هنا، في المعرض تعلّق الأعمال واحدة تلو الأُخرى على مستوى النظر، مما يسهّل الاقتراب منها، وإدراك كم هو معقّد هذا الظلّ، وهذا اللون الأزرق، معروضة كواجهة زجاجية من ورق بأطيافٍ ألوانٍ متنوعة.
المعرض ليس لفنانٍ غيّر لغته الفنيّة وبسّطها بعد أن أنهكه المرض، بل لفنّانٍ بلغ ذروة الكمال في أسلوبه الفريد. فالفنان ماتيس نبذ وهم العمق والكمال في الرسم، بل ونبذ حتى ثبات الشكل وديمومته، ليس بدافع التدمير، بل بحثًا عن أكثر أساليب التعبير مباشرة وشمولية. في الفنّ، لا يهتم ماتيس بما هو موضوعي، لأنّ الشكل عنده أهمّ من المضمون، والرسم أهمّ من الأدب. لقد كانت أعمال ماتيس خلال سنواته الصعبة مليئة بالسعادة والفرح، ولذلك كان زوار المعرض ممنونين منه بشكلٍ خاصّ.


تحميل المقال التالي...