}

"القهوة خانة" بإسطنبول: هل كانت مجرد أماكن لاحتساء القهوة؟

ضفة ثالثة- خاص 14 أبريل 2026
ترجمات "القهوة خانة" بإسطنبول: هل كانت مجرد أماكن لاحتساء القهوة؟
صورة لمقهى في إسطنبول عام 1901

ترجمة وتحرير: مي عاشور

الأماكن ليست حيزًا مكانيًا شاهدًا على مرور الزمن وتحولاته فحسب، ولكنها أيضًا توثق التغيّرات التي تحدث للبشر وتدوّن نقاط التحول في التاريخ. بينما كنت أتصفح مجلة "نهايات" التركية، وقعت عيني على مقال كتبه مراد كوزل، وهو صحافي وكاتب وباحث تركي. تناول المقال المقاهي، وبداياتها في تركيا، وكيف تعاملت معها السلطة ورجال الدين في بادئ الأمر، وما هو الدور الذي لعبته في المجتمع التركي، وخاصة في عصر الدولة العثمانية، ويمكننا أن نفهم من خلال المقال أن المقاهي لعبت دورًا هامًا يجتاز كونها مجرد أماكن عامة للجلوس واحتساء القهوة، فمن خلالها نرى ونقرأ المجتمع، ونلمس التحولات المختلفة التي طرأت عليه.

يقول مراد كوزل إن المقاهي ما زالت تتمتع بمكانة خاصة في المجتمع التركي، فهي واحدة من أهم الأماكن للتواصل الاجتماعي. ولأن المقاهي في تركيا عرفها المجتمع منذ أمد بعيد - أي قبل أكثر من 400 سنة - فيصعب ربطها أحيانًا بالسياسة، أو تصور أن هناك علاقة تجمعها بها. ولكن قبل التطرق إلى هذا الموضوع، يصحبنا الكاتب في جولة سريعة للتعرف بداية على انتشار القهوة والمقاهي في تركيا قديمًا.

نعرف من خلال المقال أن القهوة بدأت تدخل إلى العالم الإسلامي في القرن الخامس عشر، واستنادًا إلى العديد من الروايات المختلفة والأقاويل المتباينة، انتشرت القهوة، في بادئ الأمر، في تركيا على أيدي الصوفيين عام 1550، وكان أول من عرفها هي "الطريقة الخلوتية"، وحينها استُقبلت القهوة بترحاب شديد، بل وحظيت بدعم من قبل المجالس الشهرية لهذه الطريقة، وكذلك في البلاط، وأواسط النخبة بالمجتمع العثماني.

وصاحبت انتشار القهوة وخروجها من حيز الأماكن الخاصة إلى المساحات العامة ردود أفعال متعددة، وكان الدين والسياسة هما المنبعان الأساسيان لردود الأفعال هذه. وفيما يخص الدين، كان الفقه هو المحرك الأساسي لها، فنرى أن العلماء لم يرحبوا كثيرًا بالمقاهي في البداية، وكان ذلك بسبب استهلاك الفحم أثناء تحميص حبيباتها. أما السبب الثاني لرفضها فكان "أسلوب حياة السفه"، والذي يتمثل في تنقل الفناجين بين الناس، ومن يد إلى يد، أثناء احتسائهم للقهوة. أما فيما يخص المواقف السياسية تجاه القهوة والمقاهي، يمكن أن نراه بشكل واضح في عصر السلطان مراد الرابع. وكان رفض القهوة بحجة أن الأماكن التي تبيع القهوة أو يتم التجمع فيها لشربها مفسدة للنظام الاجتماعي، بل هي نفسها أماكن فاسدة، بالإضافة إلى وجود آراء أخرى غذّت فكرة أن المقاهي هي أماكن عامة يتجمع فيها الناس غير أماكن العبادة. ويمكن أن نضع في عين الاعتبار أن ردود الأفعال السياسية التي ظهرت تجاه تنظيم واستخدام الأماكن العامة، كانت في أصلها بسبب المكانة المهمة للمقاهي في المجتمع، وكذلك كانت هناك دوافع أخرى خاصة بالسلطة أدت إلى معارضتها.

وفي كتاب "تاريخ پچوي"، ذكر المؤرخ إبراهيم أفندي - والذي دوّن في هذا الكتاب الفترة التاريخية بداية من فترة حكم السلطان سليمان القانوني وحتى موت السلطان مراد الرابع - أن أول "قهوة خانة" في إسطنبول تم تأسيسها بين عامي 1554-1555. وبتأسيس المقاهي تحولت القهوة معها، تلقائيًا، إلى مشروب اجتماعي، فأصبحت المقاهي أماكن للقاء والتسلية، بالإضافة إلى كونها شبكة للعلاقات الاجتماعية.

جزء من منمنمة تصور مجالس القهوة في الدولة العثمانية في القرن الـ 16


أما في مطلع القرن الثامن عشر، فقد تصالح العلماء ورجال الدين مع المقاهي والقهوة، لما لهما من مكانة مهمة في الحياة الاجتماعية في الدولة العثمانية، ومن أكبر الدلائل على هذا: خفض الضرائب الباهظة التي كانت تُفرض على القهوة. ونتيجة لهذا التغيير الذي طرأ، بدأ انتشار القهوة يتسع بين عامة الناس، بعدما كانت تقتصر فقط على محيط السرايا وبين النخبة، وبالتالي بدأت السلطة تتقبل المقاهي. بل تم تقبلها على أنها أماكن عامة يجتمع فيها الناس خارج نطاق الجوامع والحمامات التركية. وبعد القرن الثامن عشر، ظلت المقاهي موجودة، ولم تُمنع حتى في عصور القمع، بل - على العكس تمامًا - زادت أهميتها وفائدتها بالنسبة للسلطة والنظام الحاكم؛ لأنها كانت مصدرًا ممتازًا للحصول على الأخبار والمعلومات. وفي نفس الوقت، استفاد العلماء أيضًا من المقاهي، واستغلوها بغرض تطوير المجتمع وتنميته. ويمكن أن نستدل على ذلك بإنشاء مقاهٍ مجاورة للمساجد أو إدارتها من قبل الأوقاف في هذه الفترات.

كانت المقاهي مرآة للمجتمع إذ لطالما عكست صور الأنماط الجندرية الموجودة فيه. فمثلًا، لو نظرنا في وقتنا الحاضر، سنجد أن المقاهي في المخيلة الاجتماعية هي حيّز خاص بالرجال، يقضون فيها وقتًا طويلًا، وهناك يلتقون بأصدقائهم ويدردشون معهم، ويلعبون الداما والطاولة والشطرنج وغيرها، وتكون القهوة هي الرفيق الملازم لهذه الألعاب والصاحب الدائم عند تبادل أطراف الحديث. كما أن المقاهي كانت بمثابة أماكن للترفيه والفنون، فهناك ظهرت العديد من العروض الفنية والترفيهية، والتي يمكن أن نستقي كذلك منها الثقافة والتراث، ومن بين هذه العروض كان الأراجوز والمدّاح، إلى جانب الأمسيات الشعرية الموسيقية. وكانت تزداد هذه الفاعليات بشكل خاص وملحوظ في ليالي رمضان.

واشتهرت بعض المقاهي بأسماء جماعات عرقية بعينها، مثل: مقهى التتار، والبوسنيين، والأرناؤوط، والعرب، وغيرها. وكانت المقاهي مصدرًا مهمًا للمعلومات، وحيزًا يُظهر فكر شريحة معينة في المجتمع تجاه موضوع ما، أو حتى الآراء التي تتردد في المنطقة بشأن أمر بعينه. ومن الأشياء الهامة التي دخلت إلى المقاهي وتفاعل معها المجتمع بشكل كبير كانت الجرائد والمذياع، وغيرها من وسائل الإعلام. وبعد دخول الراديو والجرائد إلى المقاهي دخل الجرامافون، والذي بواسطته فُتحت أبواب شتى للتسلية.

ومع كون المقاهي أماكن للدردشة وتبادل أطراف الحديث، كانت أيضًا أماكن تولدت فيها وانتشرت العديد من الحركات والتيارات الفكرية. وكمثال على ذلك، ففي عام 1911، ألقى الكاتب والسياسي والمفكر وأحد رواد الحركة الطورانية، يوسف آقتشورا، خطابًا تحت عنوان "الذي بنى الحضارة التركية"، وكان هذا الخطاب في أحد المقاهي الذي يحمل اسم مقهى "فوزية". ويجدر هنا أن نشير إلى أن المقاهي اكتسبت أهمية وثقلًا سياسيًا منذ حركة "تركيا الفتاة". بالغوص في البحث والتحقيق في الوضع الاجتماعي الذي اكتسبته "القهوة خانة" في المجتمع العثماني. ويمكن أن نؤكد أنه كانت هناك صبغة سياسية للتجمعات واللقاءات في الأماكن العامة أيضًا. فلو دققنا النظر في كلمتي "الجلوس والحديث" في الأماكن العامة، سيلتمع في أذهاننا الرابط الذي يجمع السياسة بالكلام.

كانت للمقاهي أهمية في عصر الدولة العثمانية، وبالتالي يمكن أن نبصر بوضوح الدور المؤثر الذي أضفته على الحياة الاجتماعية، وتكوين رأي عام في الفضاءات السياسية (وكمثال يمكن ذكر دور المقاهي الفعال والملموس في "عصيان الإنكشارية"). وبتحليل التفاعل المتبادل للتحولات الثقافية والسياسية التي مرت بها المقاهي - على مر الزمن والفترات المختلفة - سندرك سبب تأجيرها من أجل الدعاية الحزبية، وهو أمر مألوف وكان يحدث بشكل دائم في فترات الانتخابات.

يختم الكاتب مقاله بتوضيح العلاقة بين السياسة والكلام، فيقول إننا عندما ندقق النظر في سبب تسمية الاجتماعات السياسية باسم "جلسة"، أو عندما نفكر في العديد من جذور التعبيرات السياسية، على سبيل المثال كلمة "اعتصام" (وهنا يقصد الكاتب الكلمة في اللغة التركية)، سيلوح لنا على الفور أفق مشترك من التفسير؛ وهو أن العنصر المؤسس للسياسة هو "الكلام" أو "المحادثة"، ببساطة لأن السياسة تتشكل بالكلام، وكذلك بالتواصل، وتبادل الأفكار.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.