كيف ساعدت نبتةٌ مهداةٌ إيما فرويد على التعرّف أخيرًا على جدها الأكبر
بدأت القصة في شهر آذار/ مارس (2025). أرسلت إليّ صديقة رابطًا لفيلم بريطاني صغير عملت عليه ولكنه لم يصدر بعد. صُوِّر الفيلم في ويلز على مدار 18 يومًا بميزانية ضئيلة. ومع ظهور أسماء المشاركين في نهاية الفيلم، قال زوجي ريتشارد كيرتِس والدموع في عينيه إنه برأيه أحد أفضل الأفلام البريطانية على الإطلاق. عرضنا على الصديقة استضافةَ عرضٍ خاص للفيلم، ودعونا كل من نعرفهم من المؤثرين في وسائل الإعلام ليشاهدوا هذه التحفة الفنية التي تحمل اسم "أغنية قصصية عن جزيرة واليس"، ونساعد بهذا في انتشاره.
بعد بضعة أسابيع، جاء بطل الفيلم الذي شارك أيضًا في كتابته، توم باسدن، ومعه هدية كعربون شكر: أصيص بلاستيكي تتوسطه عصا مورقة. للصراحة، كنت أفضّل شمعة معطّرة، لكنني تأثرت بإحضاره تلك الهدية.
أخبرني توم عندها قصة هذه النبتة. كان هذا الغصن الصغير الضئيل شتلة من نبتة البيغونيا خاصته التي بدأت حياتها كشتلة أهداه إياها حماه، الكاتب باري وولش الذي حصل على نبتته كشتلة أهدته إياها مديرة اختيار الممثلين كورين رودريغيز عام 2017. والبيغونيا الخاصة بكورين كانت قد نمت من شتلةِ نبتةٍ نمت من شتلة أخرى أهدتها إياها الممثلة سالي مايلز في السبعينيات. بدأت نبتة سالي حياتها كشتلة أهدتها إياها مغنية الأوبرا كيرستن فلاغستاد في الخمسينيات. وكيرستن حصلت على شتلتها في الثلاثينيات من صديقها العزيز... سيغموند فرويد.
هكذا، وجدتُ نفسي أنتقل من اللامبالاة إلى عدم التصديق وأنا أمسك بين يديّ النبتة ذاتها التي كان جدي الأكبر سيغموند قد رعاها منذ حوالي 100 عام. تنمو الشتلة لتصبح نسخة طبق الأصل عن النبتة الأصلية؛ مهما بلغ عدد المرات التي يتم فيها تناقل شتلات من شتلات من شتلات، تظل جميعها مطابقة جينيًا للشجيرة الأصلية. توفي سيغموند قبل أن ألتقي به قط، لكني الآن أمتلك جزءًا صغيرًا من قصته. تَرِكة بيولوجية عاشت إلى جانبه وأمدّت مكتبه الرائدَ بالأوكسجين؛ آخذة بالنمو إلى جانب أفكاره المتطورة، مُرسيةً جذورها بينما يرسي هو نظرياته.
عاشت عائلة فرويد بأكملها في أوروبا إلى أن بلغ والدي الثامنة من عمره، ومن ثمّ اجتمعوا معًا في شمال لندن خلال السنة الأخيرة من حياة سيغموند؛ توفي سيغموند عندما كان والدي في الخامسة عشرة. لكن والدي، كليمنت، كان غير مرتاح أبدًا تجاه إرث جده. وكان يرفض الخوض في هذا الموضوع بأكثر من القول إن علينا جميعًا أن نقف على أقدامنا ولا نتسلّق على أكتاف شهرة الآخرين.
عمل والدي جاهدًا ليصنع اسمًا لنفسه، وتجنبَ موضوع علم النفس برمّته، إلى جانب قائمة الأشياء الأخرى التي يبغضها: السجائر، الثوم، العلكة، طلاء الأظافر، الموسيقى، العطور، وصنادل "دكتور شول". وفي إحدى المرات، عندما ظهر في برنامج جوني كارسون الحواري في الولايات المتحدة، كان قد اشترط في عقده ألا يجيب عن أي أسئلة تتعلق بسيغموند. ومن الواضح أن كارسون استشعر وجود قصة ما، وطرح عليه "سؤال الجَدّ"، فأجاب والدي باستفاضة عن والد والدته الذي كان يعمل مصرفيًا في برلين.
بحلول الوقت الذي ولدتُ فيه، كانت كلمة "سيغموند" ممنوعة الذكر في منزلنا. كان دير الراهبات الذي نرتاده للدراسة يقع على بعد 100 ياردة من منزل سيغموند القديم في هامبستيد، شمال لندن. وذات مرة عادت شقيقتي من المدرسة وهي تقول: "ذكرت الراهبات شخصًا يدعى سيغموند فرويد وقلن إنه من المفترض أن أعرف من يكون".
"آه"، قال والدي بنبرة جدية (نبرته الوحيدة)، "ذلك محرج. لقد كان جدي؛ وهو من اخترع مرحاض السيفون. إذا ذكر أي شخص اسمه مرة أخرى، غيّري الموضوع". وصدّقت شقيقتي ذلك لسنوات.
هكذا، نشأنا نحن الخمسة من دون أدنى معرفة بسلالتنا. لم تكن هنالك في المنزل أية كتب لسيغموند أو عنه، لا صور، لا قصص، لا تذكارات؛ بل مجرد تجمّد في الجو إذا ذكره أي شخص في حضور والدي. وحتى الآن، بعد مرور ستة عشر عامًا على وفاة والدي، لا أزال أشعر بقليل من الخوف من أنني قد أقع في ورطة جرّاء الكتابة عن جده.
هكذا، بينما كنتُ أضع هذه العصا المورقة القصيرة والبدينة على رف الموقد في غرفة جلوسي، أدركتُ أنها كانت الشيء الوحيد الذي امتلكتُه يومًا وله صلة ما بالرجل الذي غيّر طريقة تفكيرنا بأنفسنا، والذي كان أيضًا جدي الأكبر. لقد كان يقبع في الظل طوال حياتي إلى أن - على نحو غير متوقع، وأنا في الستينات من عمري - جاء شخص بالكاد أعرفه ليسلط ضوءًا خافتًا عليه. ومثل محقق ليست لديه أي فكرة عمّا يبحث عنه، قررتُ أن أنبش عميقًا في سلسلة الأحداث التي أدت في النهاية إلى امتلاكي قطعة صغيرة من هذا الماضي.
بحثتُ عن خصائص نبتة البيغونيا ووجدتُ أنها غالبًا ما تُقدَّم كهدية لرد الجميل. كنتُ أعلم أن توم أهداني الشتلة عرفانًا، لكن لماذا أهداه حماه الشتلة؟
باري
باري وولش - الذي أصبح الآن عمليًا أعز أصدقائي بعد أن تبادلنا عددًا من الرسائل الإلكترونية حول النباتات المنزلية التي تُزرع في أصص - أراد أن يشكر توم على عطلة عائلية كان قد نظمّها إلى ويلز. لكني أحب أن أتخيل أنه كان أيضًا يشكر زوج ابنته على منحنا المسلسل الكوميدي الرائع "Here We Go"، الذي ترشح لثلاث جوائز بافتا، وكان عمومًا مضحكًا وذكيًا.
كورين
باري الآن روائي، لكنه بدأ حياته العملية في السبعينيات كمسؤول إعلامي في مسرح ميرميد في لندن، حيث عمل إلى جانب مديرة اختيار الممثلين المشهورة كورين رودريغيز. حين كانت مراهقة، كانت كورين مسؤولة عن نادي معجبي ليبراتشي، لكنها طُردت منه بسبب هروبها المتكرر من المدرسة لمشاهدة عروض ليبراتشي. ولكونها لا تملك أي مؤهلات، أصبحت ضاربة على الآلة الكاتبة في مسرح "رويال كورت"، قبل أن تصبح أصغر مديرة اختيار ممثلين فيه. عام 2008، شُخصّت إصابة كورين بمرض السرطان، وقبل وفاتها بوقت قصير، قدمت لباري بادرة شكر على أربعة عقود من الصداقة: شتلة من البيغونيا الثمينة التي كانت الممثلة سالي مايلز قد أهدتها إياها.
سالي
كان لدى سالي الكثير لتكون ممتنة لأجله لكورين. فقد اختارتها كورين للتمثيل في العديد من المسرحيات والأعمال الفنية. بالإضافة إلى التمثيل، كانت سالي مغنية، كوميدية، مخرجة ومصممة؛ شعلةُ نشاط تتمتع بأخلاقيات العمل ذاتها مثل والدها، الممثل والمخرج غريب الأطوار برنارد مايلز الذي أمضى معظم حياته وهو يضع ببغائه الأليف على كتفه. كان برنارد يدير مسرح ميرميد حيث استعان بأسطورة الأوبرا النرويجية كيرستن فلاغستاد، وفي ذلك المكان أهدت كيرستن شتلة من البيغونيا الثمينة خاصتها لسالي. لكن لماذا؟
كيرستن
لاعتبارها أعظم مغنية سوبرانو فاغنريّة في القرن العشرين، كانت كيرستن مشهورة في زمانها بقدر ماريا كالاس، لكن مسيرتها المهنية تضرّرت بعد الحرب عندما سُجن زوجها للاشتباه في تورطه مع النازيين. وكانت كيرستن ذاتها قد دعمت المقاومة بقوة. لكن، في عام 1947 أطلق الجمهور الأميركي صيحات الاستهجان ضدها بمجرد صعودها على المسرح.
مع سمعة مشوهة، أتت كيرستن التي أصبحت أرملة مؤخرًا إلى لندن عام 1948 لإحياء حفلِ جمع تبرعات لصالح "النداء اليهودي المتحد". وهناك التقت ببرنارد مايلز، وأصبحا صديقين على الفور. وعندما زارت لاحقًا منزله في حي سانت جونز وود، أراها مبنًى كبيرًا لا يزال قائمًا في حديقته من الأيام التي كان فيها المنزل مدرسة.
كان المبنى يتمتع بخصائص صوتية رائعة، وفي تلك الظهيرة، عقدا اتفاقًا كان من شأنه أن يغير ركنًا صغيرًا من أركان المسرح البريطاني: إذا قام برنارد بترميم المخزن، ستقدم كيرستن عرضًا في ليلة افتتاحه. افتُتح مسرح ميرميد الأصلي، وهو مكان يتسع لمائتي مقعد مع خشبة على الطراز الإليزابيثي، في حديقة برنارد الخلفية في أيلول/ سبتمبر عام 1951. وقد نفدت تذاكر أول عشرين عرضًا لأوبرا "ديدو وإينياس" من بطولة كيرستن في دور ديدو، وحظيت بتقييمات نقدية إطرائية. وهكذا، كان هنالك مسرح ميرميد في لندن منذ ذلك اليوم وطوال الـ57 سنة التالية.
سمعة كيرستن المتضررة جعلتها هشّة. لذا، كانت ممتنة لبرنارد لأنه منحها هذه الفرصة لتقدم عرضًا في لندن، وهو كان ممتنًا لها لأنها دشّنت مسرحه. عند هذه المرحلة، طلب برنارد منها أن تكون عرّابة ابنته سالي، وهو ما عبّرت كيرستن عن شكرها له بإهداء ابنتها الجديدة في المعمودية شتلة من نبتة البيغونيا الثمينة الخاصة بها.
لكن الأمر اللافت للنظر هنا هو هذا: كانت سالي في السابعة عشرة من عمرها، وهو سنّ غريب للحصول على عرّابة. فلا بدّ من وجود سبب جعل عائلة مايلز ترغب في توطيد علاقة كيرستن بعائلتهم، ولم أستطع اكتشافه. واصلتُ التنقيب وعثرتُ على عَقد كيرستن الخاص بدور "ديدو" في مسرح ميرميد:
تتعهد المغنية بما يلي... أن تكون مطيعة، سهلة القياد، عذبة المزاج، ونافعة بكل السبل الممكنة. أن تسمح للإدارة بفحص حنجرتها بمنظار الحنجرة كلما احتاجوا إلى تشجيع. وهي تعد بألا تتباهى بالفايكِنغ.
تتعهد الإدارة بما يلي... أن تعزّ المغنية، تجلّها، تقدّرها، تتمسك بها، تولع بها، تعشقها وتؤلهها. أن توفر لها مكيالين من بيرة الشوفان السوداء يوميًا، وتوزع كالتالي: نصف مكيال عند الغداء، نصف مكيال عند العشاء، ومكيال كامل بعد كل عرض. أن تقدم لها مفاجآت صغيرة، تكتب لها رسائل وقصائد، وتغتنم كل فرصة لإضحاكها.
ليس هذا العقدَ المهنيّ الذي قد نتوقع أن يقدمه مسرح إلى مغنية أوبرا أيقونية؛ إنه يبدو أقرب إلى رسالة حب مازحة. ومن خلال تعمقي في البحث، عثرتُ على سيرة آلان ستراكان حول مسرح ميرميد، والتي تحتوي على اعتراف من برنارد أنه "وقعتُ في حب كيرستن منذ اللحظة التي رأيتها فيها... لم أستطع أن أرى أو أفكر في شيء غيرها لأربع أو خمس سنوات". وبالنسبة إلى محققة هاوية باتت مؤهلة مؤخرًا مثلي، كان هذا بمثابة كشف.
تبين في النتيجة أن آل مايلز كانوا غير تقليديين في منزلهم كما كانوا في مسرحهم. قال برنارد إن زوجته جوزيفين: "مثل زوجة صالحة، كعادتها دائمًا، أرادت لي أن أحصل على ما هو جيد لي". لقد كانوا عائلة متحررة من التقاليد. وجوزيفين ذاتها كانت على علاقة مع الروائية نويل ستريتفيلد التي ألفت رواية "أحذية الباليه". ومن الواضح أنها كانت موافقة على تسمية زوجها لصديقته الحميمة عرّابةً لسالي. بعد سنوات، أطلقت سالي اسم ديدو على ابنتها، تيمنًا بأشهر دور أوبرالي لكيرستن.
بحلول هذه المرحلة، كنت قد بدأتُ أصبح مهووسة بتاريخ البيغونيا الخاصة بي. انطلقتُ باحثةً عن مسرح ميرميد الأصلي. ولم تُظهر السجلات المتوفرة سوى الشارع الذي كان يقع فيه. لذلك، طرقتُ كل الأبواب إلى أن أُرشدت في آخر المطاف إلى مكان يدعى "ميرميد هاوس". تسلّلتُ عبر البوابات، لكن المسرح كان قد هُدِم.
في المنزل، حاولتُ أن أكشف عن المخططات الأصلية للمبنى. وفي هذه الحكاية الغريبة عن النباتات، الهدايا، وتاريخ العائلة الذي انكشف، تبيّن أن المهندس المعماري لمسرح ميرميد الأول لم يكن سوى ابن سيغموند، جدي إرنست فرويد.
كان إرنست (أو كما أدعوه "باب" التي تعني بابا في الألمانية)، زوجته، لوسي ("موتّي"، ماما في الألمانية)، والدي كليمنت وأخواه، لوسيان وستيفن، يعيشون في برلين. لكن في عام 1933 عُيّن هتلر مستشارًا، وبما أنهم يهود، لم تعد المدينة آمنة بالنسبة إليهم. وقيل لنا إن إرنست أفرغ حسابه البنكي، جوّف إحدى أرجل طاولة الطعام الخاصة به، حشاها بالنقود وأخذ عائلته - وطاولته - إلى لندن. استقرت عائلة اللاجئين هذه في منزل متلاصق صغير شمال غرب لندن، على بعد مربع سكني واحد من منزل برنارد مايلز.
سيغموند
لماذا إذًا أهدى سيغموند لكيرستن تلك الشتلة الأولى من البيغونيا في الثلاثينيات في فيينا؟ هل كان السبب صوتها ذائع الصيت؟ يبدو ذلك أمرًا بعيد الاحتمال؛ مثل والدي وابنتي، كان سيغموند يكره الموسيقى. كان تأثيرها عليه قويًا لكن أيّ شعور لا يستطيع السيطرة عليه كان يجعله يشعر بعدم الارتياح. قال مرة: "ثمة شيء ما في داخلي يتمرد على التأثر بشيء من دون أن أعرف السبب وراء تأثري على هذا النحو أو ماهية الشيء الذي يؤثر بي".
مع ذلك، كانت له سوابق في مجال هدايا البستنة. فعندما التقته فيرجينيا وولف عام 1939، من المشهور عنه أنه أهداها (ربما بشيء من الوقاحة) زهرة نرجس. وعندما نبشت أكثر في تاريخه - وهو أمر تجنبتُ فعله لزمن طويل - ظهرت المزيد من الأنشطة المتعلقة بالنباتات. رغم التهديدات المتزايدة، بقي سيغموند في فيينا حتى عام 1938، وهو الوقت الذي نُقل فيه مع زوجته إلى لندن. ولو بقي لفترة أطول، لربما انتهى به الأمر ميتًا في المعسكرات كما حدث لجميع شقيقاته الأربع الأصغر سنًا. وقد وُثِّق أنه من بين الممتلكات التي جلبها معه في رحلة النجاة الأخيرة تلك أريكته الشهيرة ونبتة زيمرلِنده (ما يعني حرفيًا في الألمانية "زيزفون الغرف") من شقته في فيينا، ومن تلك النبتة أُخذت الشتلات وتم توزيعها. وقد خُلِّدت هذه النبتة لاحقًا في لوحةِ عمي لوسيان فرويد التي حملت اسم "طبيعة صامتة مع زيمرلنده" وبيعت بحوالي مليون جنيه إسترليني عام 2018.
كانت هذه المعلومات تفتح أمامي أبوابًا لم أعتقد يومًا أني سأعبرها، لكن بابًا قادني إلى آخر إلى أن وصلتُ في النهاية إلى باب كبير أمامي مكتوب عليه اسم عمي. علاقة والدي كليمنت المحطمة مع سيغموند كانت تتردد أصداؤها في علاقة محطمة أخرى مع شقيقه لوسيان. أخبرته والدته ذات مرة أنها لا تملك من الحب إلا ما يكفي لواحد من أبنائها، وقد كان هذا الحب من نصيب لوسيان. وبحلول الوقت الذي بلغا فيه سن الرشد، كانا ينتميان إلى عالمين مختلفين. كان لوسيان لا يزال يتحدث بلكنة جرمانية قوية، أما والدي فبدا، وكان بالفعل، بريطانيًا تمامًا. حتى إنني لم أعلم أنه كان لا يزال يتقن الألمانية إلى أن سمعتُه، وأنا في الأربعينات من عمري، وهو يتحدث بها بطلاقة مع سائق تاكسي في برلين.
المرة الأخيرة التي رأى فيها والدي شقيقه لوسيان كانت في الستينيات، حين عرّج على مقهى في كامدِن، والطاولة الوحيدة المتوفرة كانت طاولة مشتركة. سأل النادل رجلًا كان جالسًا سلفًا إن كان يقبل مشاركة طاولته. رفع لوسيان نظره، رأى شقيقه، التفت إلى النادل وأجاب: "لا". ولم ير أحدهما الآخر بعدها قط.
لم أخض سوى محادثة واحدة فقط مع لوسيان. كان ذلك في اليوم التالي لجنازة والدي عام 2009 حين ذهبتُ لتناول العشاء في مطعمه المفضل. وبمحض الصدفة الغريبة، وجدتُ نفسي جالسة إلى الطاولة المجاورة لواحدة من أعز أصدقائي، إستر، ووالدها الذي لم أكن أعرفه... لوسيان. قدّمتني إلى عمّي. ولم يسر الأمر على ما يرام. قال بلكنته: "آه، كليمنت، يا له من حثالة". ولم أره بعد ذلك أبدًا.
عندما توفي لوسيان عام 2011، ترك منزله في كنسينغتون لمساعده ديفيد داوسون. وفي مهمتي المتعلقة بالنبتة، وضعتُ الخصومة الأخوية جانبًا، تصرفتُ بنضج وتمكنتُ من العثور على عنوان بريد ديفيد الإلكتروني. وجاء رده فوريًا: "غدًا عند الثالثة ظهرًا". بعد كل هذه السنوات، كنتُ على وشك زيارة منزل لوسيان للمرة الأولى، وكلّي أمل أن أحمل معي قطعة صغيرة من تاريخه، وإشارة رمزية لشجرة عائلتنا المفككة.
تبين أن منزل لوسيان يقع على بعد خمس دقائق سيرًا على الأقدام من المنزل في نوتينغ هيل حيث عشتُ لثلاثين عامًا. سألتُ ديفيد عمّا إذا كان لوسيان، مثل والدي، كانت له علاقة غريبة مع إرث سيغموند. "لا"، قال، "على الإطلاق. كان متصالحًا مع الأمر؛ اعتاد أن يروي قصصًا عنه تعود إلى أيام طفولتهما". ثمة قصص؟!
"حسنًا، أنتِ تعرفين بالطبع قصة الأسنان". لم أكن أعرف قصة الأسنان ولا أي قصة أخرى. "اعتاد سيغموند أن يذهب إلى وراء ساتر في غرفة معاينة المرضى مع زوجين من أطقم الأسنان الصناعية، ويمدّ يديه من جانب الساتر بينما يتبادل طقما الأسنان الحديثَ فيما بينهما". حكاية طريفة رائعة عن سيغموند. أول حكاية أعرفها عنه. أهداني ديفيد بكل لطافة شتلة من إحدى نباتات الزيمرلنده الخاصة بلوسيان والتي زعم لوسيان أنها تنحدر من إحدى نباتات الزيمرلنده الخاصة بسيغموند. وهي الآن تعيش على رف الموقد عندي إلى جانب بيغونيا سيغموند.
رحلتي الميدانية الأخيرة كانت إلى منزل سيغموند في هامبستيد. هناك أمضى سنته الأخيرة، والسرطان ينخر جسده، قبل أن يعطيه طبيبه جرعة مميتة من المورفين لإنهاء حياته بمساعدة طبية. لقد تحول المنزل إلى متحف اليوم؛ دفعتُ رسوم دخولي البالغة 14.50 جنيهًا إسترلينيًا، وخطوتُ إلى داخل قلب تاريخ عائلتي. تضمنت المعروضات صورًا فوتوغرافية وفيديوهات مشوشة، ولا أعرف بماذا فكر المشاهدون الآخرون المحترمون عندما صرختُ لا إراديًا "إنها موتّي!" حين ظهرت جدتي في إحدى اللقطات. وهناك، عند بسطةِ سلّمٍ فسيحة، تتشرب أشعةَ الشمس، كانت تقف البيغونيا الشهيرة. مصدرُ الحمض النووي لنبتتي، في منزل يحتوي على الكثير من الحمض النووي الخاص بي. إنه مكان يبعث الوجود فيه على السكينة والاستقرار. جذوري هنا؛ كل ما في الأمر أنني استغرقتُ وقتًا طويلًا لأعثر عليها.
يبيع فرانسيسكو، القيّم على المتحف، شتلات من النبتة المميزة للمساعدة في تمويل تكاليف تشغيل المتحف. "كنا نطلب 30 جنيهًا إسترلينيًا لقاء كل شتلة، لكنْ بما أنه ليس لدينا الكثير، رفعنا قيمة التبرع وفقًا لحجم الطلب؛ الأمر يشبه بورصة لندن"، قال. "ليس لدينا الآن سوى شتلة واحدة، لذلك سعرها 80 جنيهًا إسترلينيًا". أخبرتُه أنني أكتب مقالًا عن النبتة. "أوه، لا"، قال. "من الأفضل إذًا أن أجهز المزيد من برطمانات المربَّى".
أدرك الآن أنها ليست المرة الأولى التي أكتشف فيها عائلتي من خلال لطفِ الصداقة. لم أتعرف على ابنة لوسيان، إستر، لأنها ابنة عمي، بل لأن صديقنا المشترك الأقرب قدَّم كلًا منا إلى الأخرى حين كنا في الثلاثينات من أعمارنا. ومثل شتلتي، لو تُرك الأمر لروابط الدم بيننا، لما وُجدنا في حياة واحدتنا الأخرى. لقد التقينا من خلال الصداقة، ونعيش الآن في منزلين متجاورين.
كان سيغموند شخصًا مُزعزِعًا للمسلّمات سلّط الضوء على أهمية التجارب المبكرة في تشكيل السلوك. وقد تشكّلت علاقتي المبكرة بسلالتي بفعل قلقِ والدي من الاعتراف بجذوره التي أتى منها. وتقبلت ذلك التعتيم العائلي، لأنّ التساؤل بشأنه كان سيبدو مثل الحديث عن مرحاض السيفون.
لكن، خلال الأسابيع الأخيرة، شتلة صغيرة بستنيّة غيّرت الطريقة التي أرى بها شجرة عائلتي الآن. لقد أُجبِر والدي على مغادرة وطنه، ولكي يندمجَ أدار ظهره لثقافته ولغته. رفضتْه والدته سرًا، وشقيقه علانيةً. وفي عنقه كان يحمل اسم عائلة يربطه فورًا بجذوره، وبماضيه المعقد. لذلك، ربما كان رهابه من كلّ ما يتصل بإرث فرويد آليةً اتبعها للتكيّف؛ رفضٌ شخصي للأشخاص والبلد الذين رفضوه.
إذًا، هذه هي حكاية نبتة البيغونيا خاصتي. لقد كنتُ ابنة حفيد سيغموند منذ عام 1962، ومن خلال سلسلة النسب تلك، لم أحصل إلا على القليل. لكنْ، من خلال سلسلة طويلة من الامتنان، اللطف، الصداقة (والشهوة)، جاءت نبتة صغيرة بأوراق خضراء وأرجوانية لتمدَّ لي جذورًا في تربة ماضيّ الخصبة. وفي النهاية، كان الأصدقاء والغرباء هم من أتاحوا لي التحرر من تلك المسافة الموروثة التي فصلتني عن أقاربي الغابرين، وهم قدموني إلى عائلتي الغريبة والمتحفظة.
لقد أنبتتْ شتلتي للتو برعمها الأول الجديد. وسوف أمرّره إلى الآخرين بكل حب.
*****
(*) إيما فرويد: (1962-). إعلامية، ناشطة في المجال الخيري، كاتبة صحافية، وصانعة أفلام. قدمت عددًا من البرامج الإذاعية والتلفزيونية. تعمل كمحررة سيناريو ومنتجة مشاركة لأغلب أفلام زوجها المخرج ريتشارد كيرتِس مثل "Notting Hill" و"Love Actually". تشغل منصب مديرة مشروع "Red Nose Day"، وشاركت مع زوجها في تأسيس وإدارة مؤسسة "Comic Relief" الخيرية. حصلت على وسام الإمبراطورية البريطانية (OBE) عام 2011 تقديرًا لجهودها الخيرية.
رابط النص الأصلي: https://observer.co.uk/news/first-person/article/emma-freud-sigmund-freuds-begonia


تحميل المقال التالي...