}

المترجم ومُراجع الترجمة

محمود عبد الغني محمود عبد الغني 2 أبريل 2026
تغطيات المترجم ومُراجع الترجمة
(Getty)


"المُراجع يُصلح الفاسد ويزيد الصالح صلاحًا" [الجاحظ]


أصبح الجميع يدرك أن الترجمة، حسب ما يؤكد جان رينيه لادميرال، هي "أي عمل وساطة بين اللغات يُساعد على التواصل بين أفراد مجتمعات لغوية مختلفة". لكن الترجمة سعت، بعد فهم ماهيتها ووظائفها، إلى تطوير أدائها على الدوام. ولعلّ الثنائيات التي طبعتها واقترنت بها، والتي ليست بالضرورة من نفس النوع، هي أفضل ممثل لهاجس تقديم ترجمات لائقة بروح النص: اللغة المصدر/ اللغة الهدف؛ النص الأصلي/ النص المترجم؛ الترجمة الحرفية/ الترجمة الحرة؛ ترجمة الحرف، ترجمة الروح.

إن التنظير في مجال الترجمة هو حقل شاسع، أوقيانوس عظيم لا تحدّه العين. أما التعامل الإجرائي معه فلا شك ستنبثق عنه تأملات عدّة ومختلفة. وذلك يعرفه على حد سواء المترجمون، ومدرّسو الترجمة من خلال ممارسات ومنظورات التعليم المتنوعة، ومعلمو الترجمة المهنية، وعلم الأسلوب. لماذا هؤلاء وليس غيرهم؟ لأنهم يعلمون بعمق المهمة الشاقة التي يُقدم عليها كل مُراجع للنصوص المترجمة، في شتى الحقول.

تعود جذور هذا النقاش إلى العصور القديمة، لأن مسألة إعطاء الأولوية للغة المصدر أو اللغة الهدف ظلت شاغلًا رئيسيًا ومستمرًا منذ ذلك الحين. لعب شيشرون في روما القديمة (106 ق. م - 43 ق. م) دورًا محوريًا في إطلاق هذا النقاش، وذلك من جانبين: فقد كان أول من عبّر عن آرائه حول الترجمة، وفي الوقت نفسه، فتح باب النقاش حول اللغة التي يجب إعطاؤها الأولوية. كان يهدف إلى "لاتينية" النصوص اليونانية. وقد عكس هدفه، ذو البعدين السياسي والثقافي، رغبةً في تأكيد الهيمنة الرومانية. لغويًا، أظهر أيضًا وعيًا عميقًا بتنوّع اللغات. وقد تبنّى كلٌّ من مؤيدي النص الأصلي ومؤيدي النص المترجم شعاره الشهير: "ترجم المعنى للمعنى، لا الكلمة للكلمة". هنا علينا أن نتصوّر أن مراجعة الترجمة، ولو لم تكن علنية، ظلت هاجسًا مهيمنًا. خصوصًا وأنه، في العصور الوسطى، كان يُنظر إلى الإبداع الأدبي والترجمة في كثير من الأحيان على أنهما متكافئان. لذلك كان من الطبيعي تفسير شعار شيشرون السالف الذكر بطرقٍ مختلفة. هكذا، لم يُميّز الشاعر الإنكليزي جيفري تشوسر، في القرن الرابع عشر، في كتاباته كثيرًا بين أعماله الأصلية وتلك التي ترجمها. فقد نُظر إلى الأخيرة على أنها إبداعات قائمة بذاتها، تتمتع بوضع مستقل عن العمل الأصلي حسب جاكلين غيليمين- فليشر في دراستها "التنظير في الترجمة".

خلال عصر النهضة، هل قام المتخصصون ورجال الدين بمراجعة ترجمة مارتن لوثر للكتاب المقدس؟ حين برز هذا الاهتمام الجديد: جعل النصوص المترجمة مفهومة للعامة. ولهذا الغرض، شدد لوثر على استخدام اللغة اليومية، وبرر تعديل المصطلحات والتركيبات التي لم تكن مألوفة في اللغة الألمانية. هل رفع المراجعون أصواتهم؟ خصوصًا وأن الأمر يتعلق بترجمة كلام الله؟ وهل بإمكان التعبيرات الألمانية المألوفة أن تؤدي بكفاءة ما تؤديه اللغة العبرية والآرامية واليونانية القديمة (اليونانية العامية المختلطة)؟

ويمكن طرح نفس الأسئلة في القرن السابع عشر، وإلى حد كبير في القرن الثامن عشر، حيث شهد مفهوم الترجمة تحولًا جذريًا. فباسم الحرية، قامت الترجمات على تحويل العمل الأصلي، إلى حدّ أنها أصبحت في كثير من الأحيان مجرد تعديلات، ومن هنا جاء التعبير "الترجمات الجميلة غير الأمينة".

 يُبيّن جورج مونان وجهة نظره بوضوح: "لماذا ندرس الترجمة باعتبارها تواصلًا بين اللغات؟ أولًا وقبل كل شيء، لأنها كذلك"


إن منهجيات الترجمة التي طرحنا أفكارها إلى حد الآن، في هذا الحيّز الصغير، كانت تُعطي الأولوية للنص المترجم بطرقٍ مختلفة، إلا أن التركيز على النص الأصلي ظلّ حاضرًا بقوة. فعلى سبيل المثال، كما تقول جاكلين غيليمين- فليشر، في ترجمة الكتاب المقدس، وفي فتراتٍ تاريخيةٍ مختلفة، أدى الحرص على عدم تحريف كلمة الله إلى احترامٍ للنص الأصلي، وصل أحيانًا إلى حدّ التمسك الحرفي به. ومن الأمثلة على ذلك ترجمات الكتاب المقدس القديمة، والنسخة المنقحة من الكتاب المقدس في إنكلترا (1881-1885)، والنسخة الأميركية عام 1901. وفي الفكر الألماني كان تقدير النص الأصلي محورًا أساسيًا خلال العصر الرومانسي، إذ كان الهدف هو إحياء اللغة وإثراء الأدب من خلال النص الأصلي.

ما هو الوضع في القرن العشرين؟ في القرن العشرين، ازداد الوضع تعقيدًا. لم يتوقف النقاش حول منهجيات الترجمة، بل استمر وفق منظورات جديدة، فظهر تحول جذري موازٍ في العديد من الأعمال النظرية. وقد مثّل ظهور علم اللغة نقطة تحول حقيقية في المواقف المتبنّاة. لذلك نجد أن علماء اللغة احتكروا التنظير في الترجمة. لقد ظهر تأثير علم اللغة لأول مرة ضمن الإطار النظري للبنيوية، سواء في أوروبا الشرقية مع "مدرسة براغ"، أو في الولايات المتحدة، بقوة دافعة من يوجين نايدا (1914-2011)، رئيس جمعية ترجمة الكتاب المقدس. فأصبحت الترجمة، التي كانت تُعتبر حتى ذلك الحين فنًا، موضوعًا للدراسة العلمية. فبدأنا، لأول مرة، نرى ذلك الارتباط بين نظرية الترجمة ونظرية اللغة. ونتيجة لذلك أكد العديد من المنظرين على ضرورة الربط بين نظرية الترجمة ونظرية اللغة.

ترددت العديد من الانتقادات، مثلما فعل جورج شتاينر في كتابه "ما بعد بابل"، حيث خلق جدلًا بخصوص اللسانيات المجردة، وأكّد على أهمية خصوصية اللغات والثقافات. فمن الناحية النظرية، يمكن اعتبار هؤلاء المنظرين في قلب عملية مراجعة الترجمات من خلال التشكيك فيها. غير أن هذه المراجعات، ومختلف أشكال الارتياب، يجب ربطها بالمرحلة العلمية، وبمنهجية الترجمة، وبنوعية النص المترجم.

ارتباطًا بكل ما سبق، أصبح من الضروري القيام بتأمل نظري لتلك العبارات التي نجدها على أغلفة الكتب المترجمة، تحت اسم المترجم مباشرة، "مراجعة"، "تدقيق"... إلخ. إنها تخفي في ظلالها حقلًا نظريًا كاملًا، وتواري تبنيًا لمنهجية معينة للترجمة.

يوجد مُراجع الترجمة، الذي تعتمده غالبية دور النشر، داخل موقف ج. شتاينر: "أرى أن هناك مجالًا لمنهج يركز اهتمامه على اللغات، بدلًا من اللغة بحد ذاتها..." (بعد بابل، 107). فشتاينر ينظر إلى الترجمة من منظور واسع يشمل الترجمة داخل اللغة نفسها، ويعارض التوجهات المتطرفة نحو اللغة المصدر أو اللغة الهدف، مقترحًا موقفًا أكثر دقة، يركز على تحقيق التوازن بينهما. ونكون أمام "الترجمة داخل اللغة" حين يراجع المراجع النسخة المترجمة من دون الرجوع إلى الأصل.

إذا تقدمنا في البحث أكثر نجد أن جورج مونان سبق أن تناول هذا الموضوع. فمنذ الفصل الأول من كتابه "المشكلات النظرية للترجمة"، يُبيّن وجهة نظره بوضوح: "لماذا ندرس الترجمة باعتبارها تواصلًا بين اللغات؟ أولًا وقبل كل شيء، لأنها كذلك". وقد خصص جزءًا كبيرًا من كتابه للعقبات التي تمثلها الطرق المختلفة التي تُنظم بها البيانات التجريبية عبر اللغات في عملية الترجمة. حتى أن الفصل الخامس من هذا العمل يحمل عنوان "نشاط الترجمة وتعدد الحضارات". أما جان رينيه لادميرال، فيتبنى التمييز بين اللغة والكلام، فيُعلن: "لا تُترجم العلامات بالعلامات، ولا وحدات اللغة بوحدات اللغة، بل وحدات الكلام أو الخطاب...".

ومن زاوية أخرى، يمكن أن نضع مراجع الترجمة داخل حلقة الوصل بين المؤلف الأصلي ومتلقّي الترجمة، أي داخل النموذج التواصلي. وبذلك فهو في قلب ما يتبناه يوجين نايدا الذي ينظر إلى اللغة من منظور عالمي. وانطلاقًا من التقاليد الأميركية، يربط بين اللسانيات والإثنولوجيا. وهو يميز بين نوعين من التكافؤ: "التكافؤ الديناميكي" و"التكافؤ الشكلي". الأول هو أقرب ما يكون إلى الرسالة في اللغة المصدر، بينما الثاني هو التطابق بين الوحدات اللغوية على مستوى البنية النحوية. تشمل نظريته كلًا من الكاتب والمتلقي، وبالتالي تتوافق مع نموذج التواصل. فالمراجع، حسب هذا المنظور، ينظر إلى اللغة باعتبارها نظامًا دوليًا، على مستوى الخطاب ومستوى البنية النحوية. وذلك لا يمنع، طبعًا، وجود أنظمة لغوية وخطابية داخل النظام الدولي للغة.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.