}

العنصرية في كرة القدم... بين الملاعب والمدارس

ماجد عزام ماجد عزام 5 أبريل 2026
تغطيات العنصرية في كرة القدم... بين الملاعب والمدارس
فينيسيوس جونيور يتبنى إشارة "لا للعنصرية" في لندن (12/11/2025/Getty)

أثارت ادعاءات البرازيلي فينيسيوس جونيور، لاعب نادي ريال مدريد، بتعرضه قبل أسابيع إلى عبارات عنصرية من منافسه الأرجنتيني جيان لوكا بريستياني، لاعب نادي بنفيكا، جدالات وسجالات حادّة لم تنته حتى الآن، مع مقاربات مختلفة للحدث تجاوزت أسوار ملاعب كرة القدم إلى المدارس والمجتمع. الإسباني جوسيب غوارديولا، مدرب نادي مانشستر سيتي، قال إن الأزمة العنصرية متفشية في المجتمعات، وبالتالي فمواجهتها المجدية تبدأ بالمدارس لا الملاعب، خاصة أنها جاءت بعد تصريحات عنصرية بدت وكأنها مرت مرور الكرام لجيم راتكليف، أحد ملاك نادي مانشستر يونايتد.
هذه الحادثة دفعت الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، ونظيره الدولي "فيفا"، إلى فتح تحقيقات فيها. وبينما وقّع الأول عقوبة احترازية وفورية بإيقاف اللاعب الأرجنتيني لمباراة واحدة، مع مناقشة قانون في البرازيل سمّي باسم فينيسيوس من أجل مواجهة أقوى للعنصرية في الملاعب تصل إلى حد إنهاء أي منافسة تحدث فيها ممارسات عنصرية، وقانون آخر يناقشه "فيفا" قد يغيّر مسار اللعبة، وسيكون باسم اللاعب الأرجنتيني. يمنع القانون تغطية الفمّ باليد، أو القميص، عند التحدث بين اللاعبين، أو الحكم، تمامًا كما كانت الحال مع قوانين ثورية سابقة سجلت باسم أصحابها، وغيّرت مسار وتاريخ اللعبة، ومنها ما جرى مع اللاعب البلجيكي جون مارك بوسمان، الذي أحدث القانون المسمّى باسمه ثورة في قواعد انتقال اللاعبين بعيدًا عن العبودية وتحكم الأندية بمصائرهم حتى مع انتهاء عقودهم، وهو ما فعله قانون آخر سمّي باسم الهولندي ماركو فان باستن، وفرض تعاطيًا أقوى من الحكام مع المخالفات الخطيرة والمؤذية داخل المستطيل الأخضر بعدما أنهت مخالفة عنيفة المسيرة الكروية لفان باستن، الذي يوصف بكونه أحد أعظم المهاجمين على مدار تاريخ اللعبة.
بالعودة إلى حادثة فينيسيوس، ومع استمرار الجدالات والسجالات، والنقاشات حول أنجع السبل لمكافحة العنصرية في ملاعب كرة القدم، ومنها تشديد العقوبات على اللاعبين والأندية والجماهير، مع بروتوكول ساري المفعول أصلًا يوقف "ولو مؤقتًا" أي منافسة تشهد أفعالًا، أو ألفاظًا عنصرية.





وفي سياق ردود الأفعال، كان التصريح اللافت لمدرب بنفيكا حاليًا، وريال مدريد سابقًا، البرتغالي المخضرم جوزيه مورينيو، وهو تصريح مثير رافض للعنصرية ومنتقد ضمنيًا للاعب البرازيلي "المستفز"، والذي يتعرض تقريبًا لصافرات الاستهجان في ملاعب عدة. هذا مقابل مواقف عدد من اللاعبين والمدربين الحاليين والسابقين أجمعت على دعم فيني الكامل، ورفض أي أفعال وممارسات عنصرية، وإذا زادت الأمور عن الحدود المقبولة لا بد من تعاطٍ حازم مختلف وأقوى. رد الفعل الأبرز جاء من مدرب مانشستر سيتي الإسباني بيب غوارديولا، الأفضل في العالم، وأحد أعظم المدربين في تاريخ اللعبة.

الأرجنتيني جيان لوكا بريستياني (لاعب نادي ينفيكا البرتغالي) يُطلق عبارات عنصرية في وجه البرازيلي فينيسيوس جونيور (لاعب نادي ريال مدريد الإسيبني) 


بيب، في الحقيقة، أكبر من مجرد مدرب، كونه أحدث ثورة فكرية رياضية في تاريخ كرة القدم وتكتيكاتها، فاللعبة سهلة فعلًا، لكن ممارستها بشكل صحيح أمر صعب، وفق التعبير الشهير للهولندي يوهان كرويف، معلم وملهم غوارديولا. كرويف بدوره صاحب مواقف تاريخية لافتة واستثنائية في زمنه، مثلما فعل في عز مجده وصعوده الكروي عبر رفض المشاركة مع منتخب هولندا بمونديال الأرجنتين 1978 احتجاجًا على النظام الانقلابي العسكري الاستبدادي فيها، واستغلاله الحدث الرياضي لتلميع وتبييض صورته وغسل جرائمه بحق الشعب الأرجنتيني المتيم باللعبة.
بات غوارديولا من الأساطير، ليس فقط في الثورة الفكرية والرياضية التي أحدثها في كرة القدم، فهو مدرب أيديولوجي، نعم "المصطلح صحيح"، ولا يستخدم في السياسة فقط، بل في الرياضة كذلك. فهنالك مدرسة من أيديولوجيين تضم مدربين أوفياء لطريقة لعبهم وفهمهم لكرة القدم، وهم ينتمون إلى ما يمكن تسميتها مدرسة كرويف ــ غوارديولا، مؤسسها أو واضع أول لُبنة فيها معلم كرويف نفسه الهولندي رينوس ميشلز، وعُرفت بالكرة الشاملة "توتال فوتبول"، وتضم حاليًا مدربين بارزين، مثل الإسباني لويس أنريكي، وميكيل أرتيتا، وتشابي ألونسو، والألماني هانز فليك، والإيطالي إنزو ماريسكا، بطل العالم مع تشيلسي، في مواجهة رموز المدرسة البراغماتية "الواقعية"، وأبرزهم حاليًا كارلو أنشيلوتي، مدرب البرازيل حاليًا، وريال مدريد سابقًا، وديدييه ديشان، الفائز مع فرنسا بكأس العالم 2018، والأرجنتيني ليونيل سكالوني، الفائز مع الأرجنتين بنسخة المونديال الأخيرة في الدوحة 2022.
إذًا، بيب أيديويولوجي فعلًا، ليس داخل الملعب فقط، وإنما خارجه أيضًا، مع التذكير بمواقفه الشجاعة والجريئة من قضايا سياسية وإنسانية واجتماعية عدة، وإصراره على كسر جدار الصمت تجاهها، مثلما كانت الحال مع رفض الإبادة والمقتلة في غزة، ودعمه الراسخ للقضية الفلسطينية، وقضايا سياسية أخرى، ورفض الحروب والخيارات العسكرية في أوكرانيا، والسودان، وقبل ذلك دعمه الراسخ والقوى لاستقلال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا.
قبل حادثة فينيسيوس بأيام، كان المدرب الإسباني، أو الفيلسوف، كما يحلو لمريديه وصفه، أحد قلائل امتلكوا الجرأة والشجاعة للرد على رجل الأعمال المليونير البريطاني المتنفذ، جيم راتكليف، أحد ملاك نادي مانشستر يونايتد العريق، عندما تحدث بعنصرية عن المهاجرين باعتبارهم مستعمرين ينهبون البلاد. رد غوارديولا نافيًا أي ميزة للعرق واللون في التفوق، حيث لا فرق بين البشر المتساوين. هذا اضطر راتكليف إلى الاعتذار، علمًا أن يونايتد (الاتحاد)، وللمفارقة، وضمن السيرورة التاريخية الفكرية السياسية الاقتصادية الاجتماعية التي انعكست على الرياضة وكرة القدم، هو نادى المدينة بكل أبنائها وأطيافها، خاصة العمال والمهاجرين، بعد الثورة الصناعية، مقابل سيتي ــ للمفارقة التاريخية ــ يدربه غوارديولا حاليًا، الذي أصر مشجعوه دومًا على اعتباره نادي مواطني المدينة فقط.
منهجيًا، وبالتأكيد، لا يمكن فصل حادثة فينسيسوس الأخيرة عن تصريحات راتكليف، وهو المعطى الذي دفع بيب للقول إن العنصرية متفشية في المجتمع ككل، وبالتالي فإن مواجهتها لا تكون فقط في ميادين كرة القدم، على أهمية ذلك.
بتفصيل أكثر، وحسب رؤية غوارديولا، فما يحدث في الملاعب يمثل تعبيرًا عما يجري في المجتمع. لم يسهب أكثر في هذا الجانب، تاركًا الأمر ربما للسياسيين والباحثين، مع الانتباه إلى صعود اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين والحريات على اختلاف أبعادها، وعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ما أعطى دفعًا قويًا لنظرائه في أوروبا، ودول أخرى حول العالم، خاصة في أميركا اللاتينية، التي يراها ترامب وفق مبدأ مونرو/ Monroe Doctrine الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وهي التي مثلت تاريخيًا نبع كرة القدم المتدفق بنسختها الأيديولوجية الجميلة، وحتى جنتها، قبل أن يستحوذ الإيطاليون على التوصيف.
من هنا، وفي البعد الفكري والثقافي والتربوي، يكمن جذر مواجهة العنصرية فعلًا في المدارس، لتنشئة أجيال نقية منها، بينما يقع عبء المواجهة الشاملة على المجتمع كله، مع دور مركزي للمعلمين، حسب غوارديولا، الذي قال حرفيًا "ادفعوا أكثر للمعلمين، هم ــ كما الأطباء ــ أحق من مدربي كرة القدم الذين يتقاضون ملايين الدولارات سنويًا".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.