}

ضد المحو: التاريخ الأسود كممارسة

ضفة ثالثة ـ خاص 13 مايو 2026
تغطيات ضد المحو: التاريخ الأسود كممارسة
من مظاهرات "حياة السود مهمة" التي هزّت أميركا والعالم(Getty)

في شباط/ فبراير من عام 1926، أطلق المؤرخ الأميركي كارتر ج. وودسون ما أسماه "أسبوع تاريخ الزنجي"، الذي ما لبث أن تحوّل، بعد عقود، إلى ما نعرفه اليوم بـ"شهر التاريخ الأسود". بعد مائة عام من تلك المبادرة، لا تزال المجتمعات السوداء تواصل في شهر شباط/ فبراير فعلها ذاته: مقاطعة الروايات التاريخية السائدة، والمطالبة بتذكّر مختلف، وإعادة التساؤل عمّن تظل قصصه مُغفَلةً. في هذا التكرار يكمن المعنى؛ فالإيماءة تكتسب قوّتها لا من اللحظة الأولى، وإنما من إعادة إنجازها في كل مرة.
وودسون لم يكتفِ بأسبوع للتاريخ؛ لقد بنى "بنيةً تحتيةً" كاملة لإنتاج المعرفة السوداء: أسّس "رابطة دراسة الحياة والتاريخ الأميركي الأفريقي" عام 1915، ثم "مجلة التاريخ الأميركي الأفريقي" عام 1916، ثم دار "أسوشييتيد بابليشرز" عام 1922، قبل أن تأتي البادرة الأشهر عام 1926. والوصف بالبنية التحتية دقيق هنا، لأن مشاريعه كانت مُصمَّمة للعمل حول المؤسسات الرسمية لإنتاج المعرفة — المدارس والجامعات — لا من خلالها.
غير أن ما يجعل وودسون مفكّرًا لا مجرّد منظّم، هو المفهوم المركزي الذي صاغه: "سوء التعليم" أو التعليم الفاسد. جملته الأشهر تختزل موقفه بأسره: "لن تكون ثمة عمليات إعدام بالشنق لو لم تبدأ الأمور في غرفة الدراسة!". ما يعنيه وودسون ليس مجرد ثغرات في المناهج قابلة للرأب؛ التعليم الفاسد، في فهمه الأعمق، هو نظام منهجي لإنتاج الخضوع. المعرفة تُقدَّم دومًا في إطار يُشرعن علاقات القوة القائمة، وما يترتب على ذلك من تشوّهات معرفية ليس عرضًا جانبيًا بل هو الهدف ذاته.
يُجري هذا النظام ثلاث عمليات فصل ممنهجة. يفصل أولًا بين المعرفة والتجربة: ما يعيشه الناس يوميًا في مواجهة العنصرية لا يظهر في المناهج، وكأن العالم الذي يُدرَّس وعالم الذين يتعلّمون بلا تواصل. يفصل ثانيًا بين الذاكرة والقدرة على الفعل. ويفصل ثالثًا بين التاريخ والحاضر: تاريخ مقاومة المجتمعات المُعرَّقة لا يصير جزءًا من ذاكرة جماعية فاعلة، يظل مقيّدًا في الماضي ولا يُترجم إلى قدرة على التغيير. يُدرَّس التاريخ كما لو أنه أُغلق، ويُعاش الحاضر كما لو أنه بلا تاريخ. والنتيجة: حاضر يبدو بلا بدائل، لأن الرواية التي قد تُضيء تلك البدائل قد أُخفيت.

كارتر ج. وودسون: مؤسس "أسبوع تاريخ الزنجي" (Getty)


مفهوم وودسون يستمد اليوم دلالةً جديدة وطارئة. ما تفعله الإدارة الأميركية الحالية ليس خطأةً ثقافية سياسية عابرة؛ إنه مشروع ممنهج. مؤسسة سميثسونيان تعرّضت لهجوم حاد، وأُمرت بمراجعة برامجها، وأُغلق مكتب التنوع فيها. الذريعة: أن هذه المؤسسات تنشر دعايةً مناهضة لأميركا وتُركّز تركيزًا مُفرطًا على تاريخ استعباد المجتمعات غير البيضاء. شعار "Black Lives Matter" (حياة السود مهمة) بالقرب من البيت الأبيض مُحيَ، وحُلّت برامج التنوع والإنصاف والشمول، وأزالت "غوغل" شهر التاريخ الأسود من تقويمها. التاريخ الأسود بات، بوصف الإدارة، "فصلًا في التاريخ الأميركي العظيم".
لهذا التطور ثقله الخاص الذي يُربك الموقف. من يدافع عن الذاكرة السوداء يجد نفسه مضطرًا إلى حماية مؤسسات كانت هي ذاتها موضع نقد مضاد للعنصرية. سميثسونيان نفسها تعرّضت للانتقاد عام 2020 لأن موادّها التعليمية وصفت مفاهيم كالعقلانية والاجتهاد بأنها سمات "الثقافة البيضاء". وإزالة هذه التناقضات جزء من الاستراتيجية ذاتها: تجعل النقد المُدقّق مستحيلًا وتُكره الجميع على اختيار الشرّ الأهون.
المنظّرة فانيسا تومبسون تُذكّرنا، في سياق التقليد النظري الراديكالي الأسود، بأن الفاشية ليست قطيعةً مع الديمقراطية، بل هي مُندسّةٌ فيها. إنها تتجلى تحديدًا حيث تُضبَط الذاكرة، حيث يُمحى التاريخ، حيث يُقرَّر بصورة سلطوية ما يمكن حكيه وما لا يمكن. وهو ما يجعل ردّ الفعل الراهن ضد التاريخ الأسود نموذجًا للفاشية لا مجرّد سياسة ثقافية محافظة.
هذا الردّ لا يعمل عبر الإجراءات المؤسسية وحدها، بل عبر تعبئة ما وصفه عالم الاجتماع أرجون أباداراي بـ"الفضاءات العاطفية العامة": فضاءات لا تشتغل بالحجج بل بالمشاعر والانتماءات والصور والرموز، تُرسّخ الولاء وتُقصي الالتباس. وقد كانت لورين هيل، في ألبومها "The Miseducation of Lauryn Hill" عام 1998، قد استعارت مفهوم وودسون ونقلته إلى مكان آخر: التعليم الفاسد ليس مسألة تجريدية تخصّ المناهج والمعرفة فحسب، بل إنه حالة وجودية تمسّ العلاقات وعلاقة الإنسان بذاته، وتُنتج الولاء لنظام يُعيد إنتاج التفاوت.
خلف فكرة التاريخ الأسود كممارسة يكمن تصوّر للشتات الأفريقي بوصفه شكلًا معرفيًا لا مجرد واقعة جغرافية. الشتات يجعل من الممكن أن نفهم السواد لا بوصفه خاصيةً جوهريةً ولا بناءً ثقافيًا محضًا. كما أشار عالم الاجتماع ستيوارت هول، يطرح السواد أسئلةً جذرية: عن الوسيط الثقافي، عن الإرث، عن العلاقة بين الأصول الأفريقية وتبعثر الشتات الذي لا رجعة فيه. والمؤرخ ميشال-رولف ترويو يُضيف أن الذوات الجماعية ليست حاملةً لماضٍ ثابت، بل تنشأ في الوقت ذاته الذي تتشكّل فيه تأويلاتها. الذاكرة لا تعكس الهوية — الذاكرة تصنعها.

 لورين هيل صاحبة ألبوم "The Miseducation of Lauryn Hill" عام 1998 (Getty)


والسياق التاريخي يفرض ثقله هنا: تجارة الرقيق عبر الأطلسي أنهكت أفريقيا معرفيًا — حوّلتها إلى جزر منعزلة عبر تدمير اللغات، وقطع الأنساب، وتشتيت البشر عبر المحيطات. إدوار غليسان لا يُحصي هذا باعتباره خسارةً فحسب، بل يتتبع الأثر الذي أفضى إليه: إيقاعات وإيماءات وممارسات نقشت نفسها في الأجساد بدون أن يكون ثمة ما يُحيل إلى منبعها. في الشتات تعمل حركتان لا تتناقضان بل تتشارطان: الانغماس في الأنساب الأفريقية، والحياة في التبعثر في مواضع الحاضر بدون مرجعية ثابتة. من يُفكّر بطريقة الشتات يرفض الفكر القاري، لأنه لا مركز له ولا سلطة خارجية تُحدّد ما هو التاريخ وكيف يُقرأ.
الفكر الأسود يشتغل من خلال ثلاث عمليات تظل دائمًا مُرتسخةً في الجسد. أولاها الاستعادة: جعل تشتّت القصص الذاتية مرئيًا، ذلك الشعور بالتمزّق بين ما يعرفه المرء عن نفسه وما يُروى عنه. والثانية هي الرتق المضاد: بناء أرشيفات جديدة لا وفق قواعد العلم المركزي الأوروبي بل وفق إيقاع خاص. والثالثة الحركية: الإبحار في مناظر معرفية متشظّية ومتناقضة بدون الضياع فيها. هذه العمليات الثلاث مجتمعةً هي أساس القدرة على الفعل، والجسد هنا ليس حاشيةً على الفكر؛ الذوات السوداء أرشيفات حيّة تحمل التاريخ وتُجسّده وتعيشه عاطفيًا.
ما الذي يمكن إقامته في مواجهة التعليم الفاسد؟ ليس الفكر النقدي للبياض وحده — هذا يستهدف في المقام الأول نزع الامتيازات. التثقيف المضاد يريد ما هو أعمق: مقاطعة نظام المعرفة القائم، وجعل فراغاته ومحاوره وتحيّزاته مرئيةً، تلك التي يحتاجها النظام للهيمنة على مجموعات بشرية بعينها. وهذا التثقيف لا يشتغل معرفيًا فحسب؛ إنه أدائي وجسدي، يعمل في الجسد وفي المجتمع وفي الموسيقى واللغة. جمعية "Each One Teach One" في برلين نموذج حيّ على ذلك: ليست مؤسسةً حكوميةً، بل تنظيم ذاتي ومستقل، يعمل بصورة لا مركزية وعلائقية — الأرخبيل كممارسة في حركتها.
السؤال الذي يطرحه مرور مائة عام على بادرة وودسون يظل مقلقًا: هل ما استُعير هو الرموز فقط — الأعياد والفعاليات — أم الاشتراط الأعمق أيضًا، التثقيف المضاد بوصفه ممارسةً مناهضةً للفاشية؟ في كل مرة يُروى فيها التاريخ بصورة مغايرة، وتُكشف فراغاته، وتُنظَّم الذاكرة ذاتيًا، يُقاوَم نظام قائم على اشتراط أن تظل بعض القصص غير مرويّة.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.