في الثاني والعشرين من عام 1910، توفي الكاتب والمفكر والشخصية الروسية البارزة ليف تولستوي، الذي مثل إبداعه مرحلةً مميّزة في تطور الأدب الواقعي، ليس في الأدب الروسي وحده، بل في الأدب العالميّ برمته. كانت تركة هذا الكاتب الاستثنائي عظيمة: قرابة 160 ألف صفحةٍ كُتِبت بخطّ يده، وهي مجموعة مؤلفاته المكوّنة من 90 مجلّدًا، وأكثر من 10 آلاف رسالة كتبها.
حاليًا تعمل وزارة الثقافة الروسية، بالتعاون مع متحف ليف تولستوي المقام في مزرعته في منطقة ياسنايا بولينا، على إنشاء مقرٍّ جديد حديث لحفظ هذا الكمّ الضخم من الأعمال، وإتاحتها للباحثين. لمدة مائة عامٍ تقريبًا، كانت أوراق تولستوي (2 مليون صفحة) محفوظة في ما يسمّى "الغرفة الفولاذية" لدى الأكاديمية الروسية للفنون. وحتى اليوم، لا يستطيع أحد من الباحثين دخول مكان الخزنة التي لا تزيد مساحتها على 50 مترًا مربّعًا. ويأمل القائمون على المتحف في أن يتمّ تشييد بناء خاصّ يستطيع الباحثون أن يقوموا فيه بأبحاثٍ علميّة، وأن يكون مناسبًا لإقامة المعارض وفق المعايير العصرية. في الوقت نفسه، يحذّر الخبراء من أنّ استمرار تخزين المخطوطات في الغرفة الحاليّة قد يتسبّب في إلحاق الضرر بالأوراق المحفوظة بهذه الطريقة، ويعربون عن خشيتهم من أن تتحوّل إلى مجرّد "قرميد ورقيّ".
تخطط وزارة الثقافة، وإدارة المتحف، لبناء مساحاتٍ جديدة في فضاءٍ أكثر رحابة تنقل إليها المخطوطات. الحديث هنا يدور عن مليوني ورقة: يوميات، ودفاتر ملاحظات، وكذلك مسوداتٍ لكامل مؤلفات الكاتب، بدءًا من مسودات كتبها تولستوي في عمر السبع سنوات، وصولًا إلى الروايات المعروفة في العالم أجمع: "الحرب والسلام" ، و"آنّا كارنينا"، و"البعث".... كما توجد في المجموعة رسائل كتبها تولستوي إلى أشخاصٍ داخل البلاد وخارجها، من كتّاب، وشعراء، ورسّامين معروفين، وإلى شخصيات اجتماعية بارزة، بالإضافة إلى 50 ألف رسالةٍ تلقّاها تولستوي نفسه.
يقول فلاديمير تولستوي، ابن حفيد الكاتب، ومدير المتحف في الوقت نفسه، إنّ المخطوطات محفوظة منذ عام 1921 في "الغرفة الفولاذية" التابعة لأكاديمية الفنون الروسيّة، التي لا يمكن القول عنها بأنّها مختصّة بأعمال تخزين وحفظ هكذا وثائق ومقتنيات. ويتابع تولستوي الحفيد قائلًا: "المكان ضيّق. مساحتها تبلغ بالكاد 50 مترًا مربّعًا، كان قد بناها إيفان ماروزوف، جامع التحف، لتخزين لوحات الرسّامين الانطباعيين الفرنسيين التي كان يجمعها".
من ناحيةٍ أخرى، وفي لقاءٍ مع الصحافيين، أكّّد السيد مودست كوليروف، رئيس قسم دراسة ونشر وثائق الأرشيف الحكومي الأمر، قائلًا: "المساحة صغيرة بالفعل، وغير مناسبة لتخزين 2 مليون صفحة. في كلّ الأحوال، هنالك ضرورة ملحّة لبناءٍ جديد أوسع بكثير من الغرفة الحاليّة، وإلّا فإنّ الأوراق ستنضغط وتتحول إلى قطعٍ من القرميد".
وبهذه المناسبة، أكّدت داريا ماتييفا، رئيس قسم المشاريع الرقميّة في متحف تولستوي، أنّ "الغرفة الفولاذيّة" مجهّزة بنظامٍ بيئي مناسب بالفعل لتخزين الورق، خاصّةً وأنّ ليف تولستوي كان يستخدم، ولحسن الحظّ، ورقًا عالي الجودة في عمله. وتقول في معرض تأكيد صحّة كلامها: "بشكلٍ عامّ، درجة الحرارة ثابتة في الغرفة، والرطوبة النسبية مضبوطة جيّدًا، كما أنّ المكان محمي تمامًا من الضوء والغبار، وهي أمورٌ بالغة الأهميّة لسلامة المخطوطات، ولكنّ تولستوي ترك إرثًا هائلًا. وهذا الإرث يتطلّب فضاءً أرحب مجهزًا بتقنياتٍ متطورة، ووسائل لوجستية أكثر حداثة". ولهذا، فـ"إنّ المتحف في حاجةٍ ماسّة إلى مبانٍ إضافيّة لخلق فضاءٍ مناسبٍ أكثر أمانًا، ومنظّمًا بمهنيّة، بحيث يكون متاحًا للمختصّين، الذين لم تتح لهم حتى اليوم فرصة الوصول إلى هذا الإرث والقيام بأبحاثٍ عنه".
ويوضّح النائب الأول للمدير العامّ للمتحف، أفاناسي غنيدوفسكي، أنّ المتحف قد باشر بـ"تطوير رؤيته بهذا الخصوص، ويستقدم خبراء من خارج كادره. وفي الوقت نفسه، يبحث المتحف بالتعاون مع وزارة الثقافة عن منطقةٍ مناسبة لتشييد مبنى جديد، فالمتحف لا يمتلك المساحات المناسبة لحفظ الموجودات ولعرضها بشكلٍ عصريّ، وكذلك لا يمتلك مكاتب مناسبة للعاملين".
يأمل غنيدوفسكي في أنّ المتحف المستقبلي سيكون مركزًا علميًّا متعدد المهام، ومركزًا ثقافيًّا وتعليميًّا في الوقت نفسه. أمّا داريا ماتييفا فتقول: "نتطلّع إلى تشييد تحفة فنيّة تذكاريًة تشكّل بيئةً بحثيّة تساهم في إثراء الحياة الثقافية، على غرار ما تفعله المكتبات الحديثة المعاصرة. يجب أن يكون المتحف مكانًا مناسبًا لعمل العلماء، ومنصّةً للمعارض الحديثة، ومركزًا للمبادرات الرقمية". وأضافت ماتييفا أنّه "من المأمول أن يصبح المتحف مختبرًا للبحث في كيفية تحويل هذا الإرث الورقي إلى إرثٍ محفوظٍ رقميًّا وفق الأساليب العصرية. نحن نريد من خلال عملنا مع مؤسسة تولستوي تطوير منهجيّة حديثة قابلةٍ للتطبيق في غيرها من الأرشيفات. ومن المأمول أن تكون لدينا منصّة بحثيّة متكاملة تتميّز بإمكانيات بحثٍ سهلة الاستخدام، وبيئةٍ رقميّة مريحة للباحثين في مجال رقمنة النصوص".
تقول وزارة الثقافة إنّها عازمة على حلّ مشكلة تخزين المخطوطات في إطار الأنشطة التي تقوم بها استعدادًا للاحتفال بالمئوية الثانية لميلاد الكاتب العظيم، أي بحلول عام 2028. كما تؤكّد مصادر الوزارة أنّ العاصمة الروسية موسكو ستكون المكان الذي سيحتضن المبنى المزمع بناؤه لاستضافة مجموعة مخطوطات ليف تولستوي، بما يمكّن الخبراء والباحثين، وكذلك الزوار، من إمكان الوصول إليه بسهولة.


تحميل المقال التالي...