}

النسوية الرجعية: نسويات يصررن على اختلاف بنية النساء

هيلين لويس 19 مايو 2026
ترجمات النسوية الرجعية: نسويات يصررن على اختلاف بنية النساء
(Getty)

 

ترجمة: سارة حبيب

 

عن تيار نسوي ناشئ يركّز على الاختلافات بين أجساد الذكور وأجساد الإناث

 

هل كانت الثورة الجنسية أمرًا خاطئًا؟ غالبية النسويات، من الستينيات وحتى اليوم، سيُجبن على الفور: "لا". الحصول على موانع الحمل بشكل أسهل، تراخي قوانين الطلاق، تشريع الإجهاض، انخفاض التأكيد على العذرية، تناقص الوصم بالعار فيما يخص الجنس خارج إطار الزواج؛ كل هذه الأشياء هُلّل لها بوصفها تحريرًا للنساء.

لكنْ، في السنوات القليلة الأخيرة، شكّك تيار نسوي ناشئ بهذه الافتراضات. تقوم "النسوية الرجعية" - وهو اسم أصبح رائجًا بفضل الكاتبة البريطانية ماري هارينغتون- على فرضيةٍ تبدو راديكالية اليوم أكثر بكثير من أي وقت مضى: الرجال والنساء مختلفون. في كتابها الصادر عام 2022 "إقامة الحجة ضد الثورة الجنسية"، تناقش لويز بيري أن التباين الجسدي الفردي "مبنيّ على أساس بيولوجي". ورغم أن النسويات التحرريات والناشطات العابرات جنسيًا قد يبذلن جهدهن لإنكار هذا، فإنه   "سيظل صحيحًا أن نصف الجنس البشري فحسب قادرٌ على الحمل، وأن هذا - من دون اختراع الأرحام الاصطناعية- سيبقى صحيحًا إلى أجل غير مسمى". كذلك، تدافع بيري عن فكرة وجود "اختلافات نفسية متطورة بين الجنسين". فالرجال بالفطرة أكثر تهيجًا جنسيًا، وأكثر توقًا للتعدّد الجنسي، وأقل عرضة لتنمية مشاعر جرّاء لقاء جنسي عابر، وفقًا لبيري. إن ثقافة العلاقات العابرة الحديثة تعود بالكثير من النفع على الرجال، لكنها تجبر النساء على إنكار دوافعهن الطبيعية نحو السعي للالتزام، والعاطفة، والحماية.

هذه أفكار هرطقية. لأكثر من عقد، أكد الشكل المسيطر من النسوية الأميركية على أن الاختلافات بين الجنسين - سواء في الدافع الجنسي، أو معدلات الجريمة، أو حتى الأداء الرياضي- تنشأ إلى حد كبير بسبب تنشئة الإناث الاجتماعية. وكل ما عدا ذلك هو جوهرية بيولوجية. عام 2022، صرّحت الباحثة النسوية كاثرين ماكينون بأنها لم ترغب في أن تكون جزءًا من "حركة قائمة لأجل أجزاء الجسد الأنثوي... النساء لسن، في الحقيقة، خاضعات أو مضطهدات بسبب أجسادهن. ولا حاجة بنا لأن نتحرر من كروموسوماتنا أو مبايضنا". يمتد هذا الرأي أيضًا إلى التأكيد الذي يقول بأن أجساد الذكور والإناث لا تختلف بما يكفي لتبرير الفصل الصارم على أساس الجنس في المسابقات الرياضية أو السجون، أو دور إيواء ضحايا العنف المنزلي، أو غرف تغيير الملابس العامة. ذات مرة، سأل مراسلٌ صحافي السكرتيرةَ الصحافية للبيت الأبيض، كارين جان بيير، عن ردها للأهالي الذين يقلقون في شأن سلامة بناتهن اللاتي يتنافسن في الألعاب الرياضية ضد رياضيين ذكور جينيًا. وكان ردّ جان بيير توبيخًا مقتضبًا. إن سؤال الصحافي، حسب قول جان بيير، يقتضي ضمنيًا القول بأن "الأطفال العابرين جنسيًا خطيرون"، ولذلك كان في حد ذاته سؤالًا "خطيرًا".

لا تحتمل النسويات الرجعيات هذا المنطق. في كتابها الجديد، "نسوية ضد التقدم"، تكتب هارينغتون أن الإنترنت شجعنا على التفكير بأنفسنا بوصفنا "قطع ليغو مصنوعة من اللحم"؛ كتلٌ من اللحم التي بوسعنا قولبتها كيفما نشاء. وهذا، بالنسبة إلى النساء، يشمل كبتَ الحقيقة البيولوجية الفوضوية للجسد الأنثوي - تناول حبوب منع الحمل، أو ممارسة جنس عابر بدون عواقب، أو حتى الاستعانة بمصادر خارجية للحمل- من أجل تحقيق شيء قد يبدو كأنه مساواة، لكنه ليس في الحقيقة سوى تقمص لدور الرجل. "إدراكُ أن جسدي ليس شيئًا 'أنا فيه' بل شيء 'أنا هو' يشكّل جوهر قضية النسوية الرجعية"، كما تكتب هارينغتون.

النسوية الرجعية رائجة اليوم. وقد قامت هارينغتون بجولة في الولايات المتحدة، حيث كان كتاب "نسوية ضد التقدم" قد لقي ترويجًا مُستحسِنًا من موقع "ذي فري بريس"، وهو المقابل الهرطقي لمراجعة متحمسة في "نيويورك تايمز". وفي المؤتمر الوطني المحافظ (NatCon) في لندن عام 2023، شاركت هارينغتون المنصة مع بيري التي يغطي كتابها مواضيع مماثلة. كما كانت نينا باور من المتحدثات الأخريات في ذلك المؤتمر. وباور هي يسارية سابقة تشغل اليوم منصب كبيرة المحررين في "كومباكت"؛ مجلة إلكترونية يعلن محرروها أن "معارضتنا للليبرالية تعود في جزء منها إلى سعينا لتحقيق مجتمع أكثر تسامحًا إزاء الاختلاف البشري والهشاشة البشرية".

أولئك النساء الثلاث بريطانيات، وليس ذلك من قبيل المصادفة. ففي بريطانيا، حيث أعيش، تطورتْ النسوية بناء على افتراض يقول بأن النساء ينتمين إلى فئة جنسية ذات هشاشات جسدية محددة. في أميركا، في المقابل، تمت فلترة الحركة من خلال تقليد قانوني تقدمي يقوم على حظر التمييز ضد مجموعة من الفئات المهمشة. وبسبب معركة الإجهاض التي امتدت لعقود، تعتمد النسوية الأميركية إلى حد كبير على مفاهيم الخيار والاستقلال الجسدي. إن بريطانيا، من وجهة نظر الكثير من كاتبات الاتجاه النسوي السائد الأميركيات، هي جزيرة تيرف (1). أي أنها، بالنسبة إليهن، أرضٌ بور ملعونة تقطنها ربات بيوت صارمات من الطبقة الوسطى تحولن إلى راديكاليات عبر منتدى الآباء والأمهات "مامز نيت"، ليعتنقن المذهب المحافظ و"الأنوثة البيضاء المستخدمة كسلاح". أما رد بعض النسويات البريطانيات فهو أن برنامج عمل النسوية الأميركية السائدة قد انكمش عمليًا إلى معركة الإجهاض وبديهيات التمكين المشترك، وحركتُه مشلولةٌ بسبب رفضه الغريب لقبول صلة البيولوجيا.

تذمّر ماري هارينغتون من حبوب منع الحمل هو الجزء الأغرب من كتاب "نسوية ضد التقدم"


مع ذلك، أصبحت هارينغتون راديكالية بتأثيرِ منتدى "مامز نيت" الذي بدأتْ بقراءته منذ أكثر من عقد. "في ذلك الوقت، كنتُ لا أزال بتلرية مخلصة تمامًا"، أخبرتني بنبرة إنكليزية قصيرة وسريعة. وكانت بذلك تشير إلى جوديث بتلر، رئيسةُ كهنةِ النظرية الكويرية التي تدافع عن تقويض الفئات والمعايير. في عشريناتها، تسكعت هارينغتون بين الجماعات البوهيمية على شبكة الإنترنت وخارجها، وعُرفت أحيانًا باسم سيباستيان. "أولى هواجسِ التناقض الوجداني التي انتابتني" تجاه النظرية الكويرية، "كان ذلك عندما أدركتُ أن كل امرأة مسترجلة واعدتُها تقريبًا عبرتْ جنسيًا لاحقًا، وباتت تفكر بنفسها كرجل"، قالت هارينغتون. هارينغتون، كامرأة متزوجة وأم لطفل تعيش في بلدة صغيرة، دخلتْ إلى منتدى "مامز نيت"، وقابلتْ نساء أخريات شاركنها التناقض الوجداني إزاء الأيديولوجيا الجديدة التي تخص الجندر.

كذلك، كانت لكلٍّ من باور وبيري تجارب متماثلة فصلتْهما عن الإجماع التقدميّ. تجلّت تجربة بيري في الأيام الأولى للأمومة، حين أدركتْ ارتباطها العميق بطفلها، واعتمادها الاقتصادي على زوجها. أما باور، وهي باحثة في الفلسفة الماركسية والقاريّة، فأخبرتني أن رَدَّتها كانت مدفوعة بـ"إحباط عام إزاء الحركة التقدمية. لقد أصابها الجنون ببساطة".

بلا شك، لقي تركيزُ النسوية الرجعية على الاختلافات الجنسية ترحيبَ الكثيرين في اليمين السياسي، أولئك الذين يستمتعون بتصوير الليبراليين على أنهم منكرون للواقع، وتصويرِ أنفسهم على أنهم واقعيون بلا هراء. كذلك، لقي ذلك التركيز ترحيبَ "المانوسفير"، تلك المجموعة الواسعة من المدونات وقنوات اليوتيوب التي يمزج محتواها النصيحةَ الإيجابية ومساعدة الرجال مع معاداة النسوية وكراهية النساء. لقد ظهرتْ بيري في بودكاست مع كل من جوردن بيترسن ورود درير؛ وناشر هارينغتون في الولايات المتحدة هو "ريجنري"؛ دار النشر المحافظة التي تضم قائمة أبرز كتابها آن كولتر والسيناتور الجمهوري جوش هولي. "أسيرُ على خط غريب للغاية"، أخبرتني هارينغتون. و"أفضل تفاعل أحصل عليه هو حين يصيب عملي نقطةَ التقاء مثالية بين الكاثوليك المحافظين، والنسويات الراديكاليات، واليمين الإلكتروني الغريب. إنه مخطط ڤين لم أكن أعتقد أنه موجود فعلًا، لكن من الواضح أنها منطقة لم تنل ما يكفي من الاهتمام".

في تأييدها للزواج ومعارضتها لحبوب منع الحمل، تجد هارينغتون معجبين لها بين المحافظين المتدينين. وفي معارضتها لتأجير الأرحام التجاري، وتجارة الجنس، وتحديد الهوية الجندرية الذاتي، تتماشى آراء هارينغتون مع النسويات الراديكاليات. وفي لغتها وحججها، يمكن أن نرى تأثير صغارِ مشاهير الإنترنت من أمثال الكاتب ذي الاسم المستعار "منحرف العصر البرونزي"، والذي حذّر المانيفيستو الذي نشره بنفسه من أن المجتمع الحديث يستبدل بالقوة الذكورية فيالقَ الـ"بَغ مين" (2) المهزولين. وقد أصبح كتابه رائجًا لفترة وجيزة بين صغار الموظفين في إدارة ترامب.

تحب النسويات الرجعيات والمانوسفير أن يقولبوا النسويات التحرريات بوصفهن طوباويات حالمات. وتناقش كلتا المجموعتين ما مفاده: انظروا، الرجال رجال والنساء نساء، وقد حتّم التطورُ الأمورَ على هذا النحو. نعم، كما يُقال، إن نسبة صغيرة من البشر مثليو الجنس أو غير متوافقين جندريًا، لكن ذلك لا يغير الصورة الكلية التي شكّلتها آلاف السنين من الانتقاء الجنسي. كذلك، تتذرع كلا المجموعتين بعلم النفس التطوري لتفسير خلاصاتهم حول تفضيلات المواعدة عند الإناث، والأسباب وراء خيانة الرجال، ولماذا يعاني المدعوون "الملوك القصيرون" (الرجال القصيرون إنما الجذابون) في سوق المواعدة.

راسلتُ ستيوارت ريتشي، وهو عالم نفس أكاديمي تحول إلى كاتب علمي وانتقد سابقًا قاعدة الأدلة لمزاعم بيري القائلة بأن استخدام المواقع الإباحية يسبب خللًا في الانتصاب. وسألتُه فيما إذا كان يجدُ هذه المقاربة المبنية على العلم الشعبي (البوب ساينس) مُقلقة. وقد أخبرني عبر الإيميل أن علماء النفس التطوريين يؤكدون على أن اكتشافاتهم "تصف" الواقع فحسب، ولا تمارس مصادقة أخلاقية على نتائج الانتقاء الطبيعي؛ ما يُعرف باسم مغالطة المذهب الطبيعي. "مختارو الحبة الحمراء (3) عند كلٍّ من النسوية الرجعية والمانوسفير غالبًا ما يرتكبون هذه المغالطة بالضبط، مفترضين أن كل شيء طبيعي لا بدّ أن يكون جيدًا، وأن الأشياء التي هي أكثر انتشارًا في العالم الحديث [منها في الماضي] - منع الحمل، والطلاق، وتأجير الأرحام، إلى آخره- لا بدّ بالتالي أن تكون سيئة"، أضاف ريتشي. "لا أقول ذلك بالضرورة للدفاع عن أيّ من هذه الأشياء الحديثة، إنما لأقول فحسب إن الحجج المستخدمة ضدها غالبًا ما تكون ضعيفة للغاية ومغلوطة؛ ويمكن أن يكون ذلك هو الشيء الشامل الرئيسي الذي تشترك فيه النسوية الرجعية مع المانوسفير". 

إن النسوية الرجعية، لأنها تناقش أن الرجال والنساء مختلفون جوهريًا بطرق شكّلتها آلاف السنين من التطور، هي قدَريةٌ للغاية إزاء إمكانية التغيير الاجتماعي. ("الشهوانيون السياسيون سيسيئون استخدام السلطة على الدوام"، كما تزعم هارينغتون في مقالة نشرتها عام 2023). وفي كتاب بيري، نرى أن اعتقادها المستَمد من علم النفس التطوري والقائل بأن الرجال حيوانات جنسية لا يمكن السيطرة عليها، لا يتماشى مع تأكيدها على أن الزواج الأحادي والأطفال يشكّلون الظروف المثلى لازدهار الإناث. "يبدو أن رسالتها المحورية تقول في الآن ذاته إن الرجال مريعون عادة ومغتصِبون محتملون غالبًا، ومع هذا على النساء أن يحاولن جاهدات أن يتزوجن واحدًا منهم ولا يطلقنه أبدًا"، على حدّ قول الصحافي البريطاني هوغو ريفكيند بعد قراءته لكتاب بيري. "وهذا، لا بدّ من الاعتراف، ما أجده غير مقبول قليلًا".

يبدأ كتاب لويز بيري بتخيل قبر مؤسس مجلة "بلاي بوي"، هيو هيفنر، الذي طلب أن يُدفن إلى جانب مارلين مونرو


عندما سألتُ هارينغتون عن استقبال الأميركيين لكتابها، قالت إن جيل طفرة المواليد (المولودين في الولايات المتحدة بين عامي 1946 و1964) كانوا أكثر دفاعًا عن أخلاقيات ما بعد الستينيات من الأجيال الأصغر عمرًا. فالكثير من نساء جيل زِد (المولودات بين عامي 1997 و2012) وجيل الألفية خائباتُ الأمل من السوق الجنسية الحديثة ذات الإباحية الزائدة، وتطبيقات المواعدة، والعلاقات العابرة غير المُرضية: عام 2021، أخبرتْ المغنية بيلي آيليش الإعلامي هاورد ستيرن أنها بدأت بمشاهدة المواقع الإباحية في عمر الحادية عشرة، وأن ذلك "دمّر دماغي". وفي روايات سالي روني، تُقدَّم السادية المازوخية بشكل متكرر على أنها مؤذية وبائسة أكثر من كونها غريبة الأطوار ومسلية؛ وهو أمر يسبّب الضيق لنسويات حركة "الجنس الإيجابي". كذلك، في كتابها "الحق بالجنس"، تصف آميا سرينيفاسان، الفيلسوفة الليبرالية المتطرفة من جامعة أكسفورد، التحدي الذي تواجهه من تلامذتها حول ما يعتبرونه تساهلًا منها مع الإباحية العنيفة والكارهة للنساء. لقد أدى الاستياء واسع الانتشار الذي يشعر به الشباب إلى صدامات غير متوقعة، كما حدث مع كاتبة العمود في صحيفة "واشنطن بوست"، كريستين إمبا، التي أجرت مجلة "تشيرش تايمز" الدينية مقابلة معها حول نقدها المطوّل للثقافة المبنية على الموافقة فحسب، والذي حمل عنوان "إعادة التفكير بالجنس: استفزاز". قد لا يوافق جيل زِد بأكمله على أن "النادي الأكثر إثارة في نيويورك هو الكنيسة الكاثوليكية"، على حد تعبير مقالة في "نيويورك تايمز" شكّلت ترِند في حينها، لكنهم بالمقابل ليسوا جميعًا خليعين.

تأخذ النسويات الرجعيات هذه المخاوف إلى نهايتها المنطقية. على سبيل المثال، يبدأ كتاب لويز بيري بتخيل قبر مؤسس مجلة "بلاي بوي"، هيو هيفنر، الذي طلب أن يُدفن إلى جانب مارلين مونرو. لقد صبّت الثورة الجنسية في مصلحة هيفنر، كما ترى بيري، فقد كسب منزلًا مليئًا بـ"شريكات اللعب" (أو الـ"بلاي ميتس"، كما يُطلق على عارضات "بلاي بوي") وبنى إمبراطورية فوق الجسد الأنثوي العاري باسم التمكين. لكن، بالنسبة إلى مونرو، لم يجلب لها كونُها "المرأة الأكثر إثارة على الإطلاق" سوى الشقاء غالبًا، بما في ذلك سلسلة من الرجال الذين أرادوا أن يمارسوا الجنس معها من أجل التفاخر. "لا يؤخذ أبدًا بعين الاعتبار ما يفعله التحرر الجنسي بأولئك النسوة اللاتي يتبعن توجيهاته بكل طاعة"، تكتب بيري.

تحتفي النسوية الرجعية أيضًا بالأمومة بحماسة تبدو، في حالة بيري وهارينغتون، شخصية للغاية. ألفت بيري كتابها أثناء الحمل، وتتمنى هارينغتون لو أنها أنجبت أكثر من طفل واحد. "جئتُ إلى عالم الأمومة متأخرة جدًا، وأتمنى لو أني بدأتُ قبل ذلك"، أخبرتني هارينغتون. "ذلك مصدر ندم دائم بالنسبة إليّ". أما باور التي ليس لديها أطفال، فهي مع ذلك متعاطفة مع موقف المرأتين الأخريين الداعم للعائلة. "تحدثتُ إلى أناس في الثلاثينات من أعمارهم يريدون باستماتة أن تكون لديهم عائلة ولا يستطيعون"، أخبرتْني. "ثمة شيء تراجيدي في شأن النساء اللاتي يردن طفلًا لكنهن يضيّعن الفرصة. تقول لويز لهن: كنَّ واقعيات. فكّرن بالأمر عاجلًا وليس آجلًا".

لسوء الحظ، تبدو هذه الأناشيد التي تمدح الأسرة النواة منطويةً على أحكام، مهما أصرّ الرجعيون على أنهم لا يشيطنون الأزواج المثليين، أو الآباء العازبين، أو مَن ليس لديهم أطفال؛ لا سيما أنهم يمدون بالذخيرة أولئكَ المناهضين للنسوية الذين يريدون فعلًا للنساء أن يكنّ "حافيات القدمين وحوامل"، على حسب التعبير الشهير.

إن تذمّر هارينغتون من حبوب منع الحمل هو الجزء الأغرب من كتاب "نسوية ضد التقدم". ببسيط العبارة، تعتقد هارينغتون أن الجنس يكون أكثر إثارة عندما يكون ثمة احتمال لأن يؤدي إلى حمل، "لأن المرأة التي ترفض حبوب منع الحمل سيكون لديها دافع قوي جدًا لأن تكون نقيّة في اختيار شركائها". بالنسبة إليّ، خسرت هارينغتون موافقتي على آرائها عند تأكيدها على أن التنظيم الطبيعي للنسل هو أكثر شذوذًا من ممارسات البي دي إس إم (4) لأنه "جنس لا يزال الخطر الحقيقي كامنًا فيه". وثمة المزيد: "في شراكة تدوم مدى الحياة، احتمال الحمل في حد ذاته هو أمر إيروتيكي للغاية". إذا كان ثمة شيء أقل إثارة من تخيل أن طفلك المستقبلي سيكون قريبًا معك في الغرفة ذاتها، لا أريد أن أسمعه.

في حين أن كتاب بيري يوبخ على وجه الخصوص "أولئك المحافظين الذين بلغ بهم السخف حد الاعتقاد أن العودة إلى الخمسينيات ممكنة أو مرغوبة"، فإن التخلي عن تحديد النسل الفعّال سوف يؤدي إلى إتعاس الكثير من النساء، ويسجن بعضهن في علاقات مؤذية. إن الجوانب السلبية المبلَّغ عنها لحبوب منع الحمل، مثل سرعة الانفعال والقلق، يجب أيضًا أن توضع في الميزان قبالة الضريبة التي فرضتها عقود من الإنجاب على الأجيال السابقة، جسديًا وعاطفيًا. أثناء البحث الذي أجريتُه لأجل كتابي عن تاريخ النسوية "نساء صعبات" (2020)، عثرت على رسائل مؤلمة تلقتها الرائدة في مجال منع الحمل ماري ستوبس، وقد أخبرتُ هارينغتون عن بعض تلك الرسائل. "قلبي ضعيف للغاية إذا أنجبتُ المزيد قد يكون هذا قاتلًا جوفي مرهق جدًا عندي هبوط في الرحم، إنه لمن الشرّ جلب الأطفال إلى العالم لكي يتضوروا جوعًا عمليًا"، تقول واحدة من الرسائل كتبتْها أم لتسعة أطفال في السابعة والثلاثين من عمرها (بجمل متصلة من دون علامات ترقيم تقريبًا، وكلمتا "مرهق" و"عمليًا" مكتوبتان بأخطاء إملائية في الرسالة الأصلية). وكتبتْ امرأة أخرى: "يقول لي إن لم تسمحي لي أن أمارس الجنس معك من الأمام، سأفعل ذلك من الخلف. لا تهمني الطريقة ما دمتُ سأُرضي رغبتي. حسنٌ سيدتي هذا مؤلم جدًا لي، وأتساءلُ أيضًا إن كان ربما ضارًا".

هل هذا عالمٌ قد تريد أي امرأة العودة إليه؟ "ثقي أن ستوبس اختارت تلك الرسائل لتبرز الفكرة الذي أرادتْ إيصالها"، قالت لي هارينغتون. و"لا بدّ أن الشريحة السكانية التي كانت تراسل ستوبس كانت مختارة ذاتيًا، للأسباب التي قد تتوقعينها".

مرة بعد أخرى، تقدّم النسوية الرجعية تدبيرًا تصحيحيًّا مفيدًا، ومن ثم تعود وتذهب إلى حافة الإفراط. على سبيل المثال، يدافع مناصروها عن إحياء المساحات أحادية الجنس الخاصة بالرجال: نوادٍ رياضية، وحانات، وجمعيات تطوعية. وفي حين يبدو هذا أمرًا لا اعتراض عليه، إلا أنه يمكن أن يعيد أيام الـ"ماد مين" أو "رجال ماد" (5) عندما كانت الصفقات تُعقَد في نادي الغولف أو نادي التعري أو معتَزل نخبوي غريب مع بومة بطول 40 قدمًا (كما هي حال جماعة "البستان البوهيمي"). لكن لويز بيري تأخذ هذه الفكرة أبعد قليلًا وتناقش أن النساء لا يجب أن يثملن أو يتعاطين المخدرات "في تجمعات عامة أو مختلطة"، بسبب خطر الاعتداء الجنسي. إنها تعتقد أن هذا أمر براغماتي، أما أنا فأجده كئيبًا للغاية. وكما أخبرتُها خلال مقابلة حول كتابها، لا أريد أن أعيش في بلد متعصبٍ بمحض إرادته.

إن النسوية الرجعية ليست التيار المهيمن في بريطانيا بأكثر مما هي نقيضتها (ما تسميه هارينغتون "نسوية فيرسو"، نسبة إلى الناشر اليساري الراديكالي). معظم النسويات البريطانيات، حسب علمي، وسطيات ومعتدلات ينتمين إلى اليسار الناعم، ووريثاتُ تقليدٍ تطور بالتوازي مع النقابات العمالية، وفرضَ قيودًا صارمة على كلٍّ من نزعته المحافظة وراديكاليته. وقد ظلت الحركة متجذرة في الشروط المادية الناجمة عن الاختلافات الجنسية الجسدية؛ تحديات الحمل والأمومة، وتهديد العنف من قبل ذكور أضخم حجمًا وأكثر قوة. لذلك، في غياب يمين دينيّ قوي وحكّام ولايات حمراء (جمهورية) يمنعون الإجهاض ويسنون قوانين عقابية في شأن قضايا مجتمع الميم-عين، يظل الجدال حول الجندر هنا أقل استقطابًا، ويبقى لدى المفكرين النسويين ونشطاء مجتمع الميم-عين حيز أكبر للاعتراف بأن اهتماماتهم ليست دائمًا متطابقة.  

في المؤتمر الوطني المحافظ (NatCon) في لندن عام 2023، شاركت هارينغتون المنصة مع بيري التي يغطي كتابها مواضيع مماثلة


ترفض بعض النسويات الأميركيات حتى الخوض في أي نقاشات تخص الرجعية النسوية، بسبب خوفهن من أن يوصمن بسمة فاشيات أو متعصبات. وهذا أمر مؤسف، لأن المبدأ الأخير للحركة - أن السوق الحرة غير المقيدة يجب أن تبقى بعيدة عن الأجساد، لا سيما الأنثوية منها- هو مبدأ يُتوقع أن يعتنقه اليسار السياسي. تقدم النسوية الرجعية نقدًا لاذعًا لـ"نسوية الخيار" التحررية (6) ولموقفها القائم على عدم التدخل إزاء استغلال النساء اللاتي اخترن ظروفهن ظاهريًا. في المقابل، تتجرأ الرجعيات على القول بأن بعض الخيارات أفضل من الأخرى، وأن الحصول على خيارين سيئين ليس خيارًا على الإطلاق.

يدعم الكثير من الليبراليين تأجيرَ الأرحام التجاري: فلتفعل النساء ما يردْنَ بأجسادهن، يقول منطقهم. من جهة أخرى، ترد النسويات الرجعيات بالقول إن ما يسيّر تلك الصناعة هو انعدام المساواة: يفتح الأزواج الأغنياء مَحافِظ نقودهم، وتقدم النساء الفقيرات المخاض. (تناقش النسويات الرجعيات أيضًا أن فصل الطفل المولود حديثًا عن أمه فعلٌ قاسٍ ما لم يكن ذلك عند الضرورة القصوى). على نحو مماثل، يشرن إلى أن شعار "العمل الجنسي هو عمل" يزداد تعقيدًا بفعل حقيقةِ أن الرجال الأغنياء يشترون الجنس، والنساء (والرجال) الأكثر فقرًا يبيعونه. كذلك، ترى هارينغتون أن العناية الطبية الخاصة بالعابرين هي أيضًا استهلاكية بصورة بائسة؛ حركةُ تمكين تقوم بدور مندوب مبيعات لشركات الأدوية الكبرى. وهي تعتقد أيضًا أن النسويات اللاتي يؤيدن دور الحضانة المدعومة حكوميًا - ما يقلّل من أهمية الارتباط الأمومي بالأطفال الصغار، حسب رأيها- هن حمقاوات مفيدات للشركات التي تريد أن تُرجع النساء إلى مكاتبها.

"هنالك عدد كبير جدًا من المحافظين الذين لم يلاحظوا بعد حجمَ الماركسية التي هرّبتُها خلسة في ثنايا أفكاري"، تقول هارينغتون. "لا تنشري ذلك في الأتلانتيك". ثم تلين قائلةً: نُحِت مصطلح النسوية الرجعية في شقّين؛ نصفه نُحت كمزحة- لتحويل الإهانة إلى وسام شرف- ونصفه الآخر كـ"جهاز تشويش إشارة". إذا لم تستفزّك، فهذا يعني أنها لم تجدِ نفعًا.

 

هوامش:

(1) جزيرة تيرف: جزيرة نسوية راديكالية تستثني العابرين.

(2) بَغ مين (bugmen) أو الرجال الحشرات وفقًا لمنحرف العصر البرونزي، هي فئة من الرجال يحرّكها السعي لدفن الجمال تحت مستنقعات من القبح وتحطيم كل ما هو أجمل أو أقوى منها، ليصبح العالم غارقًا في حبوب منع الحمل وغيرها ممّا يعتبره قذارات.

(3) الحبة الحمراء: مصطلح مستوحى من فيلم (ماتريكس)، ويشير إلى من يختارون رؤية الحقيقة المؤلمة والتحرر من الأوهام السائدة.

(4) البي دي إس إم: الممارسات الجنسية التي تشمل الاستعباد والتأديب، السيطرة والخضوع، السادية والمازوشية.

(5) ماد مين أو رجال ماد: إشارة إلى مسلسل "Mad Men" الذي يتناول حقبة الستينيات، وكلمة "ماد" هنا تشير إلى شارع ماديسون، كما أن فيها تلاعبًا لفظيًا مقصودًا لتعني أيضًا "مجانين".

(6) نسوية الخيار: تيار نسوي يرى أنه يمكن للنساء اتخاذ ما يردن من خيارات وأن كل خياراتهن هي خيارات نسوية.

رابط النص الأصلي:

https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2023/06/reactionary-feminism-differences-between-sexes/674447/

هيلين لويس (1983-): صحافية وكاتبة بريطانية، تنشر في مجلة "الأتلانتيك" وعدة مواقع أخرى كـ"الغارديان" و"نيويورك تايمز". من أعمالها: "نساء صعبات: تاريخ النسوية في إحدى عشرة معركة" (2020)، "الشرارة: إحدى عشرة فكرة لتغيير العالم" (2021)، "أسطورة العبقرية" (2025). وقد صاغت على تويتر عام 2012 ما أسمته "قانون لويس: التعليقات على أي مقالة عن النسوية تبرّر النسوية". تقيم اليوم في لندن.

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.