في آذار/ مارس 2026، كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الهاجس المسيطر على اليمين الأميركي بات يتمحور حول فكرة أن البيض — وتحديدًا الرجال البيض — هم الضحايا الحقيقيون للتمييز في المجتمع الأميركي اليوم. لا يمثّل هذا الادعاء مجرد خطاب هامشي، بل هو عَرَضٌ لتحوّل عميق يستحق التأمل: أن سياسة الهوية التقدمية قد اجتازت الطيف السياسي بأكمله، وانقلبت على رأسها.
المفارقة أن المصطلح الذي يصف هذه الظاهرة — "اليمين المتيقّظ" أو Woke Right — صاغه قسيس أميركي محافظ، هو كيفن ديونغ، حين رصد في كتاب ستيفن وولف "الحجة لصالح القومية المسيحية" (2022) ظاهرةً لافتة: يمين مسيحي يُعلن صراحةً رفضه لثقافة الصحوة، غير أنه يتكلّم بلسانها تمامًا — لغة الهشاشة والاعتراف والتهميش الثقافي. ليست هذه مجرد ردة فعل على التيارات التقدمية، بل هي انعكاسها في مرآة مشوّهة.
الجذور أعمق مما تبدو. حين كتبت حنّه أرندت عام 1942 أن "المرء لا يستطيع الدفاع عن نفسه إلا بوصفه ما يُهاجَم من أجله"، كانت تضع الأساس الفلسفي لسياسة الهوية: الهوية المُكتسَبة قسرًا تصبح سلاح المقاومة الأول. وقد استعار سارتر هذا المنطق في تحليله للمسألة اليهودية حين أكد أن "المعادي للسامية هو من يصنع اليهودي"، أي أن الهوية المضطهدة ليست جوهرًا قائمًا بذاته، بل هي بناء اجتماعي تُعيد مجموعات المقاومة توظيفه. وهو ما نقلته سيمون دو بوفوار إلى قضية المرأة، وفانون إلى سياق الاستعمار.
غير أن منعطفًا حاسمًا وقع عام 1977، حين أصدر تجمع "كومباهي ريفر" — وهو تكتّل نسائي أسود — بيانه التأسيسي الذي ضمّ، على الأرجح، أول استخدام موثّق لمصطلح "سياسة الهوية". كان البيان صريحًا في تمييزه عمّا سبقه: النضال ينبع من الهوية الذاتية لا من التضامن مع آخرين. وهنا تحديدًا نشأ ما يمكن تسميته "سياسة الهوية السلبية" — ذلك النوع من الهوية الجماعية المبنية على الاعتراف بالذنب لا على المظلومية.
في ألمانيا ما بعد الحرب، أخذت هذه الديناميكية صيغتها الأوضح: "إعلان شتوتغارت للذنب" الصادر عن الكنيسة الإنجيلية الألمانية عام 1945 أسّس لـ"تضامن في الذنب" يتيح لمن اعترفوا بمسؤوليتهم التطهّر منها، فيما يغدو المنكرون هم الذنب الحقيقي. وقد كان يورغن هابرماس، الذي رحل عن عالمنا مؤخرًا، من أبرز مهندسي هذه الذاكرة الجمعية الألمانية التي ربطت الاعتراف بالإقصاء.
| |
| المصطلح الذي يصف هذه الظاهرة — "اليمين المتيقّظ" أو Woke Right — صاغه قسيس أميركي محافظ، هو كيفن ديونغ (Getty) |
ثم جاءت غياتري سبيفاك في منتصف الثمانينيات لتُعقّد المشهد بنقدها للغرب الذي يُعيد إنتاج ذاته حتى في لحظة نقده لنفسه. وإن كان مفهومها عن "الجوهرية الاستراتيجية" قد فتح طريقًا للمجموعات المهمشة لتوظيف هويّاتها المُركَّبة بصورة مؤقتة، فإنه أغلق في الوقت ذاته أي إمكانية مشروعة لغير الضحايا في الانتساب إلى هويات جماعية أو التضامن مع الآخرين.
وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الأكبر، على ما يرى الفيلسوف ويليام إي. كونولي، وهي أن مسارات التحوّل الاجتماعي لكي تنجح يجب أن تمنح حتى المنتفعين من النظام القائم أفقًا إيجابيًا ما، وإلا قاومت التغيير بعناد. فقد وجد الرجال البيض، ولا سيما ذوو الأوضاع الاجتماعية الأدنى، أنفسهم في مفارقة مريرة: يُصنَّفون "متمتعين بالامتياز" وفق معايير العرق والجنس والميول الجنسية، فيما يُستثنون من أي تعاطف يُذكر. بل غدا الاستهزاء بهم ترفًا ثقافيًا مباحًا، وقد لخّصت عبارة هيلاري كلينتون "سلة المسكين" تلك اللحظة التي بلغت فيها هذه الازدراء ذروتها السياسية الفادحة.
لم يكن صعود ترامب عام 2016 مجرد حادثة انتخابية، بل كان إيذانًا بانقلاب معادلة الهوية. ثم جاء "مشروع 1619" الذي أطلقته "نيويورك تايمز" عام 2019 ليزرع قنبلة موقوتة في قلب الوعي الأميركي الأبيض: قبل سفينة ميفلاور التي تُكرّس ذاكرة المستوطنين البروتستانت الأوائل، رست سفينة أخرى تحمل أول الأفارقة المستعبَدين. في الأصل كان الجريمة، لا الحلم.
وفي عام 2022 ذاته الذي شهد ولادة مصطلح "اليمين المتيقّظ"، صعدت الهوية المسيحية البيضاء كرديفٍ للمظلومية. وحين اغتيل المؤثر اليميني تشارلي كيرك عام 2025، بدا الأمر في عيون كثيرين وكأن الدائرة اكتملت: رجل أبيض، مسيحي محافظ، ذكر — يقع ضحية. وقد كشف حفل تأبينه الذي حضرته تقريبًا كامل الإدارة الأميركية عن ذروة هذا التيار، قبل أن تظهر تصدعاته بسرعة.
التصدع الأعمق جاء حول إسرائيل. فالسياسة القومية "أميركا أولًا" كانت تحمل منذ البداية إمكانية التحوّل من دعم إسرائيل التقليدي، وقد كثّف تدمير وإبادة غزة وعشرات الآلاف من القتلى هذا التحوّل. وبعد تراجع الدعم لإسرائيل أولًا في صفوف الشباب الديمقراطي، يتكرر المشهد الآن في صفوف الشباب الجمهوري.
ومن قلب هذه التحولات انبثق نيك فيونتس — المؤثر الذي وصفته "نيويورك تايمز" بأنه الوريث المحتمل لكيرك — ليجسّد الانزلاق من "اليمين المتيقّظ" إلى التطرف الصريح: عنصرية معلنة، كراهية نساء، ومعاداة سامية متصاعدة تتوارى خلف خطاب الضحية. فيونتس يروي قصته بوصفه محذوفًا ومُسكَتًا وملاحَقًا، وهو يسخر في الوقت ذاته من الرجال البيض "المتيقّظين" ويصف فعالياتهم بأنها "ملاجئ للخاسرين".
ما يجري اليوم هو أن تلك الهوية السياسية التي انتقلت إلى الرجال البيض عبر بوابة "اليمين المتيقّظ" تتخلّص الآن من بقاياها الناعمة، وتنزلق نحو تأكيد ذاتي عدواني يستعيد، في قالب مسيحي قومي، بنى الاستعلاء العرقي التي كان المشروع التقدمي كله قد قام على نقضها. وهكذا تُغلق سياسة الهوية دورتها الكاملة: بدأت بتفكيك الجوهر، وانتهت بإعادة إنتاجه في طرفه المقابل.


تحميل المقال التالي...