تقديم: أول عربية تنال اللقب في أوروبا
في الأول من فبراير/ شباط الماضي، أعلن في العاصمة الهولندية أمستردام عن اختيار الشاعرة الهولندية المغربية الأصل نسرين مباركي بن عيّاد لتكون "شاعرة هولندا" الرسمية لمدة عامين، تبدأ من فبراير/ شباط 2026، وتنتهي في فبراير/ شباط 2028. وبهذا المنصب تكون بن عيّاد أول امرأة عربية تصل إلى هذه المكانة الرسمية في أوروبا. وبموجب هذا اللقب، ستعمل بن عيّاد كسفيرة وطنية للشِّعر، وكتابة قصائد تشتبك فيها مع الأحداث الوطنية الهولندية ونشأتها بين المغرب وهولندا.
وتعد نسرين مباركي بن عيّاد من أبرز الأصوات الشعرية في اللغة الهولندية خلال السنوات الخمس الأخيرة، ظهرت مجموعتها الشعرية الأولى "بلا حدود" في يناير/ كانون الثاني 2022، وسرعان ما تم ترشيحها لنيل جائزة "C. Buddingh" الشعرية العريقة كأفضل مجموعة شعرية أولى في الهولندية، ثم رشحت عن المجموعة ذاتها لنيل جائزة "Herman de Coninck". وفي عام 2025 أصدرت بن عيّاد عملها السردي الأولى "درجة الغليان".
تتنقل بن عيّاد بسلاسة بين الأنواع الأدبية، إذ تكتب المسرح، والقصص القصيرة، والرواية، والشِّعر، والمقالة، كما تترجم عن اللغتين العربية والإنكليزية إلى الهولندية. وقد تم ترشيح بن عيّاد لتحمل لقب "شاعر هولندا" من قبل لجنة من خبراء الشِّعر في هولندا وبلجيكا، الذين وصفوها في كلمة الإشادة بأنها شاعرة "تجرؤ على وضع مرآة أمامنا، وتستخدم مزيجها اللغوي الغني بفعالية لتحقيق ذلك".
ولدت نسرين مباركي بن عيّاد في مدينة تيلبورغ الهولندية عام 1977 لأبوين مغربيّين. لكنها انتقلت للعيش مع جدّتها في جنوب المغرب وهي في سن السابعة، لتعود بعد ستِّ سنوات للعيش في هولندا وهي في الثانية عشرة من عمرها. وربما كانت هذه النشأة بين البلاد ولغاتها هي ما أكسبت بن عيّاد قدراتها اللغوية اللافتة، إذ تتحدث لغات عدة، من بينها الهولندية، والفرنسية، والإنكليزية، والعربية، والتاسلويتية، وهو ما يتبدّى واضحًا في قصصها وقصائدها، التي تمزج فيها بين هذه اللغات جميعًا في نسيج أدبي واحد.
جدير بالذكر أن لقب "شاعر هولندا" كان يُعرف سابقًا باسم "شاعر الوطن"، وتم تغيير عنوان المنصب في عام 2024، ليصبح "شاعر هولندا"، تماشيًا مع ألقاب ومناصب مشابهة أخرى من بينها: "مفكر هولندا"، و"ملحن هولندا". وتخلف بن عيّاد في هذا المنصب شاعرة الأداء الهولندية بابس غونس (1971)، التي شغلت المنصب من 2023 حتى نهاية 2025.
بهذه المناسبة، نترجم هنا مجتزأ من قصة طويلة نسبيًا لنسرين مباركي بعنوان "ماحيا"، أو "ماء الحياة"، في أصلها المغاربي، وهي القصة التي افتتحت بها عملها السردي الجديد "درجة الغليان"، والصادر في 2025.
مَاحْيَا(*)
[إلى سناء، أُختي التي لم تلدْها أمِّي
ولكَ، أنتَ الذي كنتَ قريبًا دائمًا]
أقفُ ناظرةً إلى السَّقف المُنهار للبيت الصّغير وأفكّر في جدَّتي. سيِّدةٌ نحيفةٌ بنظرة حادة أمام الوكيلة العقارية الفرنسية. قلتُ إنّني أريدُ تقديم عرض للشّراء. لديّ عرضٌ، حاولتْ أن تنطق بما يدور في عقلي: "لكن سيّدتي، بهذا السّعر يمكنك الحصول على ما هو أفضل، هذا البيت يجب أن يُعاد بناؤه من جديد، وليس هنالك حتى ما يمكن أن نُسمّيه بيتًا، أولالا.. والسَّقف! ما من صرف صحي فوق ذلك، ناهيك عن المرحاض والحمّام".
في اليوم التالي، قدّمت عرضي للشّراء، امتلكتُ في عامي التاسع والأربعين 40 مترًا مربّعًا في قرية نائية على أطراف جبال البيرينيه، في منطقة تتوسّط بالضّبط المكان حيث ولدتُ، والآخر الذي كبرتُ فيه. ما لم تعرفه الوكيلة العقارية النحيفة أنّني لم أكن أبحث عن "بيت"، بل عن أربعة جدران، عن حديقة وشجرة توت، أمّا الباقي فمجرّد تفاصيل.
منذ اللحظة التي رحل فيها أبواي في اتجاه الشَّمال، وتركاني في الشوارع المُتربة لهذا الجزء من العالم، أصبحت يتيمة، وصارت جدَّتي هي أمِّي، من حُسْن حظّي أن كان لديها ابنة، بالضّبط في مثل عمري، صرنا أختين، وبدأنا حياة جديدة. في الليلة الأولى بعد رحيل أبي وأمّي نمنا أنا وأختي في سرير واحد. عرفت في هذه الليلة أن حادثًا وقع لهما على الطريق، ولهذا أنا هنا. بكيت من دون صوت، وودّعتهما بنطق اسميهما ثلاث مرّات بوضوح وهدوء، من دون أن يسمعني أحد.
أصبحت أنا وأختي شخصًا واحدًا، تعلّمنا من أُمِّنا "إنّا" أن نحيا كما لم يفعل آبائي الأوائل أبدًا. تعلّمنا السّفر في أكثر الأماكن نأيًا وبُعدًا في الجبال، لنخيّم على شاطئ المحيط الأطلسي الموحش، لكنّنا تعلّمنا بالأخصّ أنّ على المرأة أن تمتلك بيتًا لنفسها، حتى لو كان مجرّد أربعة جدران وسقف، هنا فقط تصبح المرأة حرّة.
كانت هنالك بيوت مختلفة في شارعنا، ولكن بيتًا واحدًا لم يكن له شبيه، بيت "ماجدة الطّويل"، لا تشاهد شيئًا استثنائيًا من الخارج، كان لونه أبيض، ومبني بإتقان كمعظم بيوت الحي. المرّة الأولى التي تواجدتُ فيها في بيت "ماجدة الطّويل" كانت في أحد الأيام الصيفية لشهر يونيو/ حزيران 1981، مباشرة بعد رحيل والديّ، وعشية أحداث 20 يونيو/ حزيران، التي أسفرت عن سقوط قتلى سيُعرفون لاحقًا باسم "شهداء الكوميرا". دخلتُ أرض العجائب التي طالما حلمت بها من دون أن أعرف أنها موجودة على الجانب الآخر من الشّارع. كانت أحلامي تلفّني وقريبة جدًا من دون أن أعرف، حلمت بأصوات وكلمات عجيبة، بولد مجهول، بالزّمن والسّفر، هذا كلّه كان موجودًا كلّ هذه السنوات.
كانت "ماجدة" صديقة عادية، ولكن في هدوئها الرَّمادي كان يسكن تنّين حقيقي؛ طالما لم توقظه، فلن تكون مُعرَّضًا لخطر أن تُشوى حيًا. لو أمعنت النّظر جيدًا فسوف ترى خلفها رموشًا سوداء ضخمة تبرق منعكسة كالجمر في عينيها. لم يحدث أبدًا أن تواجد طفل في بيت "ماجدة الطويل"، ليس بالضرورة بسبب موهبتها في أن تكون عادية، بل لأن أمّها لم تكن تحبّ الأطفال، لأنهم قذرون. أرادت الاحتفاظ بالبيت نظيفًا ومُرتّبًا على الدوام، ولم يكن أبوها يحبُّ الغرباء، حتى الغرباء الذين كان يعرفهم.
كثيرٌ من سكّان شارعنا وحيِّنا لم يكونوا يحبّون الزوار، لكن المآسي والتّقاليد حطّمت تلك التفضيلات الشخصية، لأنّ الجميع فقدوا أحد أجدادهم في وقت ما، ولذا يُقدِّم لك سكّان الحي ثلاث وجبات يوميًا، يجيئون ليعانقوك ويشاركوك أحزانك، يُصبح الحزن أفضل حين نتشاركه، ويُمسي في أسوأ حالاته عندما يكون جماعيًا.
في كل بيت تزوّج ــ مبكرًا أو متأخرًا ــ عمٌّ أو أختٌ، وعندها كان عليكَ أن تدعو الحيَّ بأكمله ليشاركك فرحتك وكعكة زفافك. تزوّج خالي الأكبر قبل أشهر، أغلقوا شارعنا، ونُصبتْ خيمةٌ أمام الباب. جاء الجميع إلى بيتنا، ما أثار استياء أبي العجوز، فجَدِّي أصبح أبي في صمت. كان يحب الصمت والهدوء باعتباره جنديًا سابقًا في الفيلق الأجنبي، لكن أمّي أحبّت الحياة: "لو مِتْنا نحصل على الهدوء والراحة الأبديّتين"، تقول حين يتمتم هو مرّة أخرى بالفرنسية. كان يستيقظ كل يوم في السادسة صباحًا، يستحمّ ويرتدي ملابسه دائمًا بالتتابع ذاته بالضبط، ثم يمسح حذاءه حتى يبرق، ويرتديه مستمتعًا بسيجارة قبل أن نستيقظ، الصراخ ممنوع في بيتنا، كان يقول: "لأنه لا يُطاق".
لم يتزوّج أحد قط في عائلة الطويل، ولم يطأ الموت عتبة بابهم. وحتى بوصفنا بنات الجيران، لم يكن مسموحًا لنا دخول بيتهم الأبيض هكذا، فالباب الأمامي مغلق على الدوام، وكان هذا كافيًا، جميع الأبواب كانت مفتوحة باستثناء بابهم. كنّا أنا و"ماجدة" صديقتين على الرغم من كل شيء، كانت تسير معنا أنا وأختي أحيانًا في الصباح إلى مدرستنا "ابن بطوطة"، في رحلة اكتشاف لم نعرف قط كيف ستنتهي، باستثناء محطّة الوصول النهائية التي كانت محدّدة. رأيتُنا مرارًا من عَلٍ، كما لو كنتُ طائرًا... يدًا بيد.
أغلب أطفال شارعنا وحيِّنا كانوا يسلكون طريقًا مغايرة لطريقنا إلى المدرسة، يسيرون كلّهم بمحاذاة طريق السيارات، أمّا نحن فكنّا نتّخذ طريقًا جانبية. في الجانب الآخر من هذه الطريق عاش الولد، لم أعرف أين بالضبط. الولد كان يخصّني في خيالي، لكنّي لم أكن رأيته من قبلُ، وحتى لو رأيته لم أكن لأعرف أنه هو. كان شخصًا اكتشف ــ مثلي تمامًا ــ أنّنا كنّا جزءًا من حكاية تجري أحداثها الآن، ولكن هنالك المزيد بعد. لو تمكّنت من سماعه لتعرّفت عليه، كان كافيًا بالنسبة لي أن أعرف أنه موجود، فكرت فيه كثيرًا حين لم أكن قادرة على النوم، حين كنت أستيقظ في الليل لأنني أفكّر في والديَّ، كان الليل هو وقتي المفضّل، لأنني لم أكن مضّطرة للحديث مع أحد، ولأنّي كنت أستطيع الإنصات إلى العتمة، كان لديّ غالبًا الشّعور أنّنا في هذه الساعات نكون معًا، كنت أعرف حتّى البيت الذي عاش فيه من قبل، كان ذلك غريبًا، لكنني كنت موقنة من ذلك؛ في البناية السكنية الأولى مقابل المسجد المطلّ على الميدان، إن رحلتُ مرّة أخرى وتركت هذا المكان فسيبقى قريبًا منّي، لم أعرف بالضبط كيف أمكنني معرفة ذلك، لكنّه كان حقيقيًا بقدر ما أنا حقيقيّة. كانت حياتينا متجاورتين على الرغم من المكان والزمان، عشنا بين العوالم وفي أزمنة بطيئة.
لذلك لم نضطرّ أنا وأختي أبدًا للسير في الطريق الرئيسية، كان مسموحًا لنا بالمرور عبر بيت "لالا ليازيد". نطرق الباب الخشبي الواطئ في الصباح ونسمع عصاتها ترنُّ ببطء على الأرض. ثم نرى ابتسامة عريضة تملأ الباب المفتوح. في داخل الفناء كانت هنالك طاولة صغيرة مستديرة عليها طبقان، أحدهما يحتوي على خضروات، والآخر فيه ماء، وفي الجوار يقف كانونها المُسودّ والطاجين، فيما القطة "فاطمة" تنام على فروة الغنم. حين نذهب في السابعة والنصف إلى مدرستنا، تكون هي حينها تعدّ وجبة غدائها، أسفل حجابها الزّاهي الألوان الذي ترتديه كرباط لشعرها تبرز ضفيرتان حمراوان. كنَّا نُغمر بالقبلات والأحضان فيما تقودنا عبر الفناء إلى الجزء الخلفي من البيت، وهناك تتركنا من جديد في العالم الواسع، وذات مرّة بدأت المغامرة بمجرّد خروجنا، مشينا في الزّقاق الثّعباني الضيّق، حيث سمعنا أصوات صفير لم يعرف أحد مصدرها. قيل إن الأصوات كانت قادمة من بيت المرأة الجزائرية. كانت صديقة لـ"إنّا"، ولـ"لالا ليازيد"، وبيع بيتها بعد موتها.
كثيرٌ من الأطفال كانوا يخافون الزّقاق، لكنّنا حين نسمع الصفير كنّا نفكّر دائمًا في العمّة "ياسمينة" الجزائرية ونتبادل الابتسامات. نمرّ بمجرّد خروجنا من الزّقاق ببيت الإنكليز الضخم الذي لم يسكنوه قط، جميع النوافذ كانت مغلقة، ولم يسبق لنا من قبل أن رأينا أحدًا هناك. كانت هنالك قطعة أرض مهجورة جوار البيت، حيث كان الأولاد يمارسون الجنس مع بعضهم بعضًا، بعضهم كان يحصل على المال مقابل ذلك، وبعض آخر يدفع. كانت الأرض ملكًا لجدّة الإنكليز التي عاشت هناك حتى نهاية حياتها، انهار بيتها القديم المبنيّ من الطين، ويعيش فيه رجل مشرّد لم يزعج أحدًا قط، لكن شعره الأشعث كان يخيفنا. بدا وكأنه يرتدي قرنين على رأسه، ما جعله أشبه بتيس الفجر. كنّا أنا وأختي من الأطفال القلائل الذين رأوه، حدث ذلك خلال شهر رمضان بالطبع، الوقت الوحيد الذي كان يظهر فيه. طلبنا من أبينا بعد أن تناولنا الإفطار في ليلة القدر إن كان في إمكاننا الذهاب إلى المسجد لأداء صلوات التّراويح، لأننا لم نكن خرجنا من قبل بعد منتصف الليل، ناهيك عن الذهاب إلى المسجد، ولاستغرابنا الشّديد، سمح لنا بذلك.
لم نكن مضطرين لأداء صلوات التّراويح كاملة، فبعد صلاة ركعتين تسلّلنا إلى مدخل المسجد، وجلسنا على العتبة في الظّلام. طارت بعض الخفافيش أمامنا وسمعنا صراخ طفل في مكان قريب، وبعد قليل سمعنا صوت أقدام الماعز تقترب. رأيناه، أو رأيناها في لمح البصر، لأن الظلام كان شديدًا. كان ضخمًا وجميلًا، وله قرون كبيرة ملتوية على جانبي وجهه، يمشي على قدمين وصدره صدر إنسان. رآنا بالرغم من الظلام، نظر إلينا للحظة وأغلق عينيه على سبيل التحية، ثم سارع بقوة نحو صوت الصراخ. كنّا نعرف أنه يطارد الأطفال الذين لا يصومون أو يُظهرون سلوكًا سيِّئًا في الشهر الكريم. وعلى الرّغم من أننا كنّا نسمع في كثير من الأحيان صوت صراخ الأطفال وحوافره في الشّارع، إلّا أنّني وأختي لم نكن نعرف حتى ذلك الحين ما إذا كان موجودًا حقًا، أم أنه كان من اختلاق الآباء والأمّهات لحملنا على الصيام والقيام بالأعمال الصالحة! لكنّنا لم نعد نشكّ أبدًا في وجود هذا المخلوق العجيب منذ أن نظرنا في عينيه الكبيرتين في تلك الليلة.
بدت "ابن بطوطة" في البعيد مثل سفينة ذات صوارٍ بيضاء في السّهل المفتوح، يكمن الجزء الأخطر في رحلتنا هنا، إن وقفتَ في الوسط حاق بكَ خطر التعرّض لهجوم الكلاب البرّية التي كانت تنام في ظلّ أشجار النخيل أسفل الجدار الخارجي لمدرستنا. وخلفه كانت توجد مواقد الحمّام ومكان تخفّي أحد المتحرّشين بالأطفال. كانت الفرصة كبيرة أن تصل إلى بوّابة المدرسة قبل أن تتعرّض لهجوم الكلاب، أو يتمّ إغواؤك بتفاحة مُحلاّة بالسّكر. كنّا نركض دائمًا نحو البوّابة الحديديّة الكبيرة التي تقبع خلفها "ابن بطوطة". أحيانًا، ما كان يُسمح لـ"ماجدة" بالدّخول معنا، وحين نكون ثلاثة يصبح الأمر أكثر إثارة بدلًا من اثنتين، لأنّ لا أنا ولا أختي كنّا مضطرتين إلى تفسير شيء أحدنا للآخر، فجسدانا كانا جسدًا واحدًا، خاصة لو حاق بنا الخطر. أتذكّر أن أختي أجرت عملية جراحية، كان لديها وحْمتان، وكان يجب إزالة إحداهما، تلك التي فوق عظمة الترقوّة. لم أتناول الطعام، أو أتكلّم، حتى خرجتْ من غرفة العمليّات. وفي تلك الليلة نمتُ جوارها في غرفتها في المشفى، لم أعرف كيف لي أن أسير أو أتنفّس من دونها. احتفظتْ بندبة صغيرة في موضع الجراحة، حين تصبح بشرتنا أشدّ سُمرة في الصيف تبقى ندبتها بيضاء ناصعة.
كنت أقف عادة مع "ماجدة" في مدخل البناية نتحدّث، أو نلعب معًا أمام الباب. لم تكن الشوارع قد رُصفت كلّها بالحجارة بعد، فنجلس أحيانًا على الأرض الحمراء، اللعبة الأكثر إثارة التي كنّا نعرفها كانت "الشيطان". غالبًا ما كنّا نجد الشيطان من وقت إلى آخر إذا رسمنا بأصابعنا خطًّا على الأرض للعب الحجلة، أو نطّ الحبل. فكنّا نترك كلّ شيء على حاله، ونجمع التربة الحمراء المغبّرة لنشكّل منها كومة مدبّبة كما كانت "إنّا" تفعل يوم الجمعة بالكسكس، ثم نراهن على الاتجاه الذي سيذهب إليه الشّيطان، وعلى من يخسر أن ينفّذ العقوبة التي نبتكرها، وهي ليست بالهيّنة. كان الشّيطان حشرة صغيرة تحبّ أن تحفر في الظّلام. بمجرد أن تُطلق سراحه، كان يخطو خطوات عدة في اتجاه معيّن، ويبدأ في الحفر، عائدًا إلى العالم السُّفلي.
لعبتْ معنا ذات مرّة طفلة أخرى من الحيّ، لم تكن صديقة بل كنّا نعرفها من المدرسة، كانت عقوبتها لـ"ماجدة"، التي خسرت للتوّ، أنّ على الجميع أن يبصقوا في فمها. تجاهلنا العقوبة، ولكن الفتاة وولد من جيران الحيّ فعلاها، منذ ذلك اليوم قرّرنا ألّا نلعب "الشّيطان" إلّا نحن الثلاثة فقط، لأنّ الأطفال الآخرين متوحّشين. وضعنا عقوبات أخرى، كأن تَخيطي بَشرة الأصابع بعضها ببعض، أو تُجبرين على إنزال بنطالِك لتعيديه من جديد بسرعة إلى أعلى، ولكن في مدخل بناية، بحيث لا يراكِ أحد سوانا، أو أن تُحرمي من الكلام لنصف يوم، أو تَضّطري إلى قصّ خصلة من شَعرِكِ والإفصاح عن اسم الولد الذي تحبّينه، ثمّ تُدفن الخصلة، أو تُحرق، لطرد حبّه.
ذات مرّة، وجدنا أنا وأختي الشّيطان بشكل غير متوقّع، لم نكن نتنافس، لكنّنا صنعنا كومة وأطلقنا سراحه مرارًا لنرى إلى أين سيذهب. ذهب الشّيطان ستّ عشرة مرّة إلى منزل السيدة "يمينة"، كنّا نعلم أنه يحبّ التواجد في ذلك المنزل، لأن فيه بيت دعارة غير قانوني. كان جنود الثكنة يحبّون الذهاب إليه، لأن السيدة "يمينة" كانت تستطيع عمل تعاويذ بسيطة إن كنتَ تعاني من مشاكل في الحبّ. وإذا كانت المشاكل العاطفية خطيرة، فقد كانت تتوسّط لك وتأخذكَ إلى الرجال المناسبين في الجبال للقيام بالعمل الحقيقي الشاق، وبالطبع كان عليكَ أن تأخذ معك على الأقل ديكًا أسود، أو عنزة من اللون نفسه، لتضحّي بها.
في الطّابق الأرضيّ من ذلك البيت كان يعيش العقيد "بوراس"؛ في تلك الليلة التي اندفع فيها الشّيطان ستّ عشرة مرّة في اتّجاهه، ضرب زوجته ضربًا قاسيًا، وعندها تأكّدنا أن الشّيطان كان يعيش هناك بالفعل. خرجت زوجته بشفة مُدمّاة في قميصها الممزّق الذي كان يظهر نهديها، فقام العقيد بجرِّها من شَعرِها إلى الدّاخل، لم يعد هنالك مجال للشكّ، أصبح العقيد "بوراس" هو الشّيطان نفسه. كانت هذه إحدى المرّات العديدة التي يضرب فيها زوجته، لأنه عاد إلى البيت سكرانًا وواجهته هي مجددًا. في اليوم التالي، رأينا العقيد مع ضمّادة كبيرة حول رأسه، ليتبين أنها ذكّرته مَنْ تكون بواسطة قدر الطّهي السّريع، ومنذ ذلك الحين توقّفت المشاجرات، كانت تلك آخر مرّة يلمسها فيها، وظلّ العقيد بقيّة أيامه يُحيّي الجميع بإيماءة لطيفة من رأسه.
هامش:
(*) مَاحْيَا: ماء الحياة (أو الماحيا في اللهجة المغربيّة) هو براندي مقطّر مصنوع من فواكه مختلفة، مثل العناب والتين والتمر والعنب.


تحميل المقال التالي...