ترجمة: دارين حوماني
يتم بيع آلاف الكتب المكتوبة أو المُحرَّرة أو "المصقولة" بواسطة الذكاء الاصطناعي – وهو بمثابة صدى مقلق لِـ"آلات كتابة الروايات" (Novel-writing machines) التي تخيّلها جورج أورويل.
في وقتٍ ما خلال الأشهر القليلة المقبلة، آمل أن أتلقى شيكًا متواضعًا بصفتي واحدة من أفراد الفئة المشمولة في تسوية الدعوى الجماعية لـ"بارتز" (Bartz) ضد "أنثروبيك" (Anthropic).
في عام 2025، وافقت شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك" Anthropic، المعروفة بشكلٍ أساسي بابتكار روبوت الدردشة "كلود" chatbot Claude، على دفع ما يصل إلى 1.5 مليار دولار أميركي لآلاف المؤلفين بعد أن حكم قاضٍ بأن الشركة انتهكت حقوق الطبع والنشر الخاصة بهم.
عندما علمتُ بالتسوية لأول مرة، افترضتُ أن Anthropic كانت مهتمة أساسًا بتعليم "كلود" (Claude) موضوع عملي المسروق، وهو عن الناشطة الاشتراكية السابقة، والسياسية في حزب العمال البريطاني، والنسوية إلين ويلكنسون.
لم يخطر ببالي في البداية أن Claude قد يكون أيضًا يتعلم كيف أقوم أنا، لورا بيرز، كمؤرخة سياسية، بصياغة جُملي ونقل صوتي إلى الورقة.
ومع ذلك، هناك أدلة متزايدة على أن روبوتات الدردشة مثل Claude يمكن تدريبها ليس فقط على إعادة إنتاج محتوى الكاتب، بل أيضًا على محاكاة صوته. ففي آذار/ مارس 2026، رفعت الصحافية جوليا أنغوين دعوى جماعية ضد مالكي تطبيق Grammarly، متهمةً الشركة بالاستيلاء على هويتها وهويات كُتّاب آخرين لبناء أداة الذكاء الاصطناعي Expert Review التي تعرض تقديم ملاحظات تحريرية بأصوات مؤلفين مختلفين، أحياءً كانوا أم أمواتًا.
إن احتمال أن تستخدم آلة كتابتي ليس فقط لتتعلم موضوعي، بل أيضًا لتحليل صوتي التأليفي وتقليده في النهاية، يشير إلى مستقبلٍ تصوّره جورج أورويل ببصيرةٍ مقلقة. ففي روايته الديستوبية "1984" الصادرة عام 1949، تخيّل أورويل "آلات لكتابة الروايات" قادرة على إنتاج الأدب بكميات هائلة، مستخدمةً "كاليدوسكوبات" (kaleidoscopes) ميكانيكية مبرمجة كبديل للعملية الفنية الفردية.
بدلًا من عقلٍ بشري، متوسطٌ إحصائي
إلى أي مدى، تساءلتُ، يمكن لـClaude أن يُحاكي صوتي أنا؟
طلبتُ من روبوت الدردشة أن يكتب مقالًا "بأسلوب لورا بيرز" (أسلوب كاتبة المقال) عن سياسي من أوائل القرن العشرين. ووجدتُ صعوبة في التعرّف على نفسي في النص الناتج. لكن ربما لم يكن لدى Claude ما يكفي من المواد، إذ لم يطّلع سوى على أحد كتبي، ليُتقن نبرتي حقًا.
قررتُ المحاولة مرةً أخرى. هذه المرة، سأطلب منه كتابة مقال قصير بأسلوب أورويل. وبما أن أورويل هو موضوع كتابي "أشباح أورويل: حكمة وتحذيرات للقرن الحادي والعشرين" (“Orwell’s Ghosts: Wisdom and Warnings for the Twenty-First Century,”) ، فهو يُعدّ أحد أكثر كتّاب المقالات والأساليب النثرية تميّزًا في القرن العشرين.
معظم أعمال أورويل تقع ضمن الملكية العامة، ما يعني أنه كان من الممكن قانونيًا استخدامها لتدريب Claude.
طلبتُ من Claude أن يكتب مقالًا "بأسلوب جورج أورويل عن التهديد الذي يشكّله الذكاء الاصطناعي، وخاصة قدرة ‘آلات كتابة الروايات‘، على الهوية الفردية وحرية التفكير".
وبعد تزويده بكمٍ كافٍ من المواد، قدّم الذكاء الاصطناعي أداءً مقبولًا:
"هناك نوع من الراحة، مألوف لكل من جُرِّد تدريجيًا من شيءٍ ما، لا يتمثل في إنكار الخسارة، بل في عدم ملاحظتها بعد. فالضفدع لا يقفز من الماء الذي يسخن تدريجيًا. والمواطن لا يحتج على التضييق البطيء لنطاق التفكير المسموح به. والقارئ، على ما يبدو، لا ينعي الرواية حتى تُستبدل بشيءٍ يشبهها في كل مظاهرها الخارجية، الفصول نفسها، الشخصيات نفسها، التسلسل التقريبي ذاته للمشاعر، لكنه يحتوي، بدلًا من عقلٍ بشري، على متوسطٍ إحصائي لجميع العقول البشرية التي سبقته".
تبدو الجملة الأخيرة عن "المتوسط الإحصائي" غير مُقنعة. لكنني أظن أن أورويل كان سيُعجب بصورة الضفدع الذي يُسلق ببطء. كما أن عبارة "هناك نوع من الراحة" هي أيضًا تعبير كان يمكن لأورويل أن يكتبه.
أشك في أن أي شخص قد يعتبر محاولة Claude غير قابلة للتمييز عن نثر أورويل. لكن عندما يتعلق الأمر بـ"الأدب" المُنتَج آليًا، ربما لا يهم حقًا ما إذا كان بإمكانه محاكاة الفن الأصلي بالكامل، طالما أنه جيد بما يكفي ليؤدي وظيفة الترفيه وإلهاء الجماهير.
المربّى، وأربطة الأحذية، والكتب!
كان هذا اقتراح أورويل الكئيب في رواية "1984".
فبمساعدة "آلات كتابة الروايات"، يستطيع موظفو "وزارة الحقيقة"، وهي الدائرة الحكومية المسؤولة عن التحكم بالمعلومات وإعادة كتابة التاريخ، إنتاج ليس فقط الروايات، بل أيضًا "الصحف، والأفلام، والكتب المدرسية، وبرامج الشاشات، والمسرحيات" على نطاق واسع. وهم يضخّون "صحفًا تافهة لا تحتوي على شيء تقريبًا سوى الرياضة والجريمة والتنجيم، وروايات رخيصة مثيرة بخمسة سنتات"، و"أفلامًا مفعمة بالإثارة الجنسية"، إلى جانب مواد إباحية رخيصة موجهة إلى "العامة"، وهم الطبقة العاملة غير المتعلمة في أوقيانوسيا الأخ الأكبر.
تثير هذه التكنولوجيا اشمئزاز بطل أورويل، وينستون سميث، الذي يقرّر عمدًا شراء دفتر وقلم لتدوين أفكاره المستقلة. أما جوليا، حبيبته الشهوانية المناهضة للفكرية، والتي تعمل ميكانيكيةً في صيانة تلك الآلات، فترى أن "الكتب ليست سوى سلعة يجب إنتاجها، مثل المربّى أو أربطة الأحذية".
"روايات كاملة في ثوانٍ"...!
وفقًا للتقديرات، هناك آلاف الكتب المعروضة للبيع على أمازون Amazon كُتبت كليًا أو جزئيًا باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وبعبارة أخرى، يُستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم أيضًا لإنتاج الأدب على نطاق واسع، مثل المربّى أو أربطة الأحذية.
العديد من هذه الأعمال ليست مكتوبة بالكامل بواسطة الآلة. بل جرى، كما تعلن أداة الكتابة بالذكاء الاصطناعي Sudowrite، "صقلها بواسطة الذكاء الاصطناعي". ومن خلال ميزة "إعادة الكتابة"، تعد الشركة بمنح المستخدمين فرصة "تنقيح نثرهم مع الحفاظ على أسلوبهم، عبر عدة مراجعات يقترحها الذكاء الاصطناعي للاختيار من بينها". وتشبه هذه الخدمة عملية "التنقيح" التي كانت تقوم بها فرقة إعادة الكتابة في "وزارة الحقيقة" في رواية "1984".
لكن هناك كتبًا أخرى معروضة على Amazon مُولَّدة بالكامل بواسطة الآلة. إذ تعد أداة الكتابة بالذكاء الاصطناعي Squibler بأنه إذا ما زوّدتها بفكرة عامة، يمكنها إنتاج "روايات كاملة في ثوانٍ".
إن إمكانية تحقيق أرباح سريعة وسهلة من "الأدب" المُنتَج بالذكاء الاصطناعي تضمن أن يواصل القرّاء مواجهة المزيد من هذا المحتوى في المستقبل، خاصةً مع ازدياد تطور نماذج اللغة الكبيرة. وقد أظهرت الدراسات بالفعل أن القرّاء لا يستطيعون بسهولة التمييز بين النصوص المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي والنصوص الأصلية.
في العام الماضي، تناولتُ الغداء مع صديقٍ كاتب سيناريو في لوس أنجلوس. وأخبرني أن زملاءه يشعرون بقلقٍ خاص من استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأجزاء اللاحقة من الأعمال. فبمجرد وجود مجموعة شخصيات لسلسلة أفلام مثل "Fast & Furious"، فمن المرجح أن يشاهد الجمهور الجزء التالي سواء كُتب بيد إنسان أم آلة.
ومع ذلك، فإن تجاربي القصيرة مع "كلود" تمنحني بعض الأمل على الأقل في مستقبل الفن الأدبي. قد يكون بإمكان برنامج محادثة آلي مثل "كلود" استيعاب وتحليل "متوسط إحصائي لجميع العقول البشرية التي سبقته"، ولكن بدون مدخلات من التجربة الإنسانية الفعلية والحساسية، يصعب تصوّر أنه سيتمكن يومًا من إنتاج فن حقيقي.
يبقى أن نرى ما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي إنتاج رواية أو مقالة تضاهي أعمال جورج أورويل. أما قدرته على إنتاج كميات متزايدة من الأعمال الروائية والسيناريوهات السينمائية الرائجة، مثل فيلم "فاست أند فيوريس 25"، فيبدو أمرًا لا جدال فيه.
***
لورا بيرز: مؤرخة سياسية وأستاذة التاريخ في الجامعة الأميركية في لندن. تركز أبحاثها على السياسة البريطانية المعاصرة والمقارنة ودور وسائل الإعلام في المجتمع الحديث. ألّفت ثلاثة كتب، أحدثها "أشباح أورويل: حكمة وتحذيرات للقرن الحادي والعشرين" (Orwell's Ghosts: Wisdom and Warnings for the Twenty-First Century) (نورتون، 2024)، الذي فاز بعدة جوائز بريطانية وأميركية. من مؤلفاتها أيضًا "إيلين الحمراء: حياة إيلين ويلكنسون، الاشتراكية، النسوية، الأممية" (2016) (Red Ellen: The Life of Ellen Wilkinson, Socialist, Feminist, Internationalist) و"بريطانيا الخاصة بك: الإعلام وتكوين حزب العمال" (2010) (Your Britain: Media and the Making of the Labour Party)
نُشر هذا المقال على موقع The Conversation على الرابط التالي:


تحميل المقال التالي...