ترجمة: عزة حسين
في هذا الحوار، تتحدث الكاتبة التايوانية يانغ شوانغ ــ زي، مؤلفة الرواية التاريخية "رحلة إلى تايوان/ Taiwan Travelogue"، برفقة مترجمتها لين كينغ، عن التهديدات المستمرة القادمة من بكين، وعن تلك النكهات والأطباق التايوانية الفريدة:
ليلة الثلاثاء 19 مايو/ أيار 2026، بينما كانت يانغ شوانغ ــ زي تتسلم جائزة البوكر العالمية لعام 2026، في متحف تيت مودرن عن روايتها "رحلة إلى تايوان"، برفقة مترجمتها لين كينغ، استغلت كلمتها لكي تتحدّث صراحةً عن القضايا السياسية التي تتمحور حولها روايتها، التي تدور أحداثها في تايوان المحتلة من قبل اليابان في ثلاثينيات القرن العشرين الماضي. وقالت يانغ للحضور: "يعتقد بعضهم أن الفن والأدب يجب أن يظلا في منأى عن السياسة، لكنني أؤمن بأن الأدب لا يمكن أبدًا أن ينفصل عن التربة التي نبت فيها".
وبينما كنا نحن نتحدث في صبيحة اليوم التالي، سرعان ما عادت الكاتبة ذات الـ 41 عامًا إلى النقطة نفسها، قائلةً لي: "يعاني الشعب التايواني من أزمة هوية. بعضنا يعتقد أنه صيني، وبعض آخر يعتقد أنه تايواني، وهذا هو ما أردت التعبير عنه في كتابي بطريقة ما". وأضافت: "علينا الآن أن نسأل أنفسنا كتايوانيين: هل نريد العودة إلى الاستعمار؟ هل نريد أن نعيش هكذا مجددًا؟ أن نكون مواطنين من الدرجة الثانية في وطننا؟ أنا، عن نفسي، أرفض ذلك".
كل هذه الهواجس وغيرها تقع في القلب من رواية "رحلة إلى تايوان"، أول عمل أدبي مكتوب بالأساس باللغة الصينية المندرينية تفوز بالجائزة البالغة قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني.
تتبع الرواية، التي تأخذ شكل ترجمة ليوميات سفر معاد اكتشافها، وتعود إلى عام 1938، حياة أوياما، الروائية اليابانية النهمة، التي تجوب تايوان في رحلة طهي برعاية الحكومة الاستعمارية. وهناك، تلتقي بالمترجمة التايوانية الغامضة "تشيزورو"، وتفتن بها.
يحمل كل فصلٍ من فصول الرواية اسم طبق تايواني شهي ــ لحم خنزير مفروم مطهو على الجمر، شرائح السمك المدخن، شاي البطيخ وغيره ــ ما يؤدي إلى خلق حالة من التراسل الحسي بين الملمس والمذاق والوجد. وفي هذا السياق، تقول يانغ مازحةً: "لقد غير البحث حول الثيمتين المركزيتين للرواية ــ السفر والطعام ــ حياتي، بطريقتين جليتين: قلّت مدخراتي وزاد وزني".
على الرغم من أن أحداث رواية "رحلة إلى تايوان" تدور في ثلاثينيات القرن العشرين الماضي، إلا أنها تحمل طابعًا عصريًا واضحًا في تساؤلاتها حول الهوية الوطنية والاستعمار. فلا تزال تايوان من أكثر المناطق حساسية سياسيًا في العالم: دولة ديمقراطية تتمتع بالحكم الذاتي، لكن بكين تراها جزءًا من الصين، مع التهديد المستمر بالتصعيد العسكري الذي يبدو أنه يلوح في الأفق؛ ففي الفترة الأخيرة فقط، حذر دونالد ترامب تايوان من إعلان الاستقلال، مستخدمًا أشد العبارات التي استخدمها رئيس أميركي في هذا الصدد حتى الآن.
***
ولدت الكاتبة باسم "يانغ جو ــ تزو"، لكنها اختارت اسمها الأدبي المستعار "شوانغ ــ زي" (والذي يعني "التوأم") تكريمًا لشقيقتها التوأم الراحلة، "يانغ جو ــ هوي"، التي ساعدتها قبل وفاتها في البحث التاريخي للرواية. وتعد رواية "رحلة إلى تايوان" الأولى ليانغ التي تُترجم إلى الإنكليزية، لكنها في الواقع اتخذت مسارًا استثنائيًا؛ إذ تحولت عند نشرها في تايوان عام 2020، ثم فوزها بجائزة الكتاب الوطني للأدب المترجم في الولايات المتحدة عام 2024، إلى ظاهرة أدبية، وها هي تتوج اليوم بجائزة بوكر العالمية، وهو التكريم الذي تصفه الكاتبة بأنه "سريالي".
تعد البنية اللعوبة للرواية عنصر جذب رئيسيًا بها، فعندما نُشرت "رحلة إلى تايوان" لأول مرة باللغة المندرينية، اعتقد بعض القراء أنها بالفعل نص ياباني من الحقبة الاستعمارية أعيد اكتشافه.
وفي النسخة الإنكليزية، أوغلت المترجمة لين كينغ أكثر في تكنيك أثر قاعة المرايا هذا، محافظةً على الهوامش والأصوات السردية المتنافسة ومسهبةً فيها. وقد خلقت الملاحظات الأدبية والتدخلات التحريرية للمترجمة في الكتاب ما وصفته ناتاشا براون، رئيسة لجنة تحكيم جائزة بوكر العالمية، بأنه "طبقة ميتا سردية مثيرة للاهتمام".
تقول كينغ ضاحكةً: "أدرك تمامًا أنه كتاب يتطلب جهدًا في القراءة. وقد كان من المبهج حقًا رؤية أناسٍ مستعدين لبذل هذا الجهد، في الوقت الذي يُقال لنا فيه باستمرار إن انتباه الجميع مشتت، وأن لا أحد يستطيع التركيز في شيء واحد لأكثر من دقيقتين".
تعكس هذه المراوغة الأسلوبية الجوهر العاطفي للرواية؛ إذ تتكشف علاقة "أوياما"، و"تشيزورو"، عبر التأويل وسوء التأويل، حيث تشعر "تشيزورو"، ابنة المحظية التايوانية بالدونية الاجتماعية تجاه "أوياما"، الروائية اليابانية المرموقة التي تسافر تحت حماية الحكومة الاستعمارية. تعقب يانغ على ذلك قائلة: "إنها قصة حب، نعم، ولكنها أيضًا قصة حول كيف يعجز الحب عن تجاوز ديناميات السلطة والفوارق الطبقية. الحب لا يلغي الفروق بين الطبقة الحاكمة ومواطني الدرجة الثانية".
وعلى غرار يانغ، تتسم كينغ، البالغة من العمر 33 عامًا، وهي تايوانية أميركية، بصراحةٍ لافتةٍ حيال فكرة التواشج الوثيق بين الفن والسياسة. فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، عاينت المترجمة أصداء هشاشة الوضع الجيوسياسي في تايوان، ما دفعها إلى التعهد بترجمة الأدب التايواني فقط في المستقبل المنظور.
وعلى خشبة مسرح تيت، قالت كينغ للجمهور: "هدفي، أنا وزملائي المترجمين، نقل عدد كبير من الأصوات التايوانية إلى الإنكليزية، بحيث لا يمكن لأحدٍ اختزال الأدب التايواني في كتلةٍ واحدة مصمتة. فنحن لسنا جوقةً واحدة، بل مزيجٌ متنافر، متناقضٌ وجامح، تمامًا كأي ديمقراطيةٍ سليمةٍ وقوية".
أيضًا، تُعد "كويرية" الرواية (أدب الكوير في تايوان) محورًا أساسيًا في تلك الرؤية لتايوان كمجتمع ديمقراطي. فافتتان "أوياما" بـ"تشيزورو" مقيد بالأعراف والتقاليد الاجتماعية. وترى "يانغ"، التي تربطها علاقة عاطفية بامرأة أن الرواية جزء من "تراث غني لأدب الكوير" في تايوان، ظهر في فترة التسعينيات. مضيفةً: "لكن ما أردت الكتابة عنه تحديدًا هو العلاقات بين النساء بأشكالها كافة.. الحب بين النساء".
تقول "يانغ": "أعتقد أننا الدولة الأكثر تقدمية في شرق آسيا بأكمله. وسواء كان ذلك يتعلق بحقوق مجتمع الميم، أو حقوق المرأة، فإننا نضرب مثالاً يُحتذى به".
تنفرد جائزة البوكر العالمية بتقسيمها مناصفة بين المؤلف والمترجم، مما يُبرز الترجمة كجزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية. ويأتي نجاح رواية "رحلة إلى تايوان" في ظل تزايد اهتمام القراء الناطقين بالإنكليزية بالروايات المترجمة، والتي شهدت مبيعاتها ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. ففي عام 2023، أنفق القراء في المملكة المتحدة 23 مليون جنيه إسترليني على الروايات المترجمة، بزيادة قدرها 12% عن العام السابق، ومثلت الشريحة العمرية من 25 إلى 34 عامًا الفئة الأكبر من المشترين.
نشرت رواية "رحلة إلى تايوان" في الولايات المتحدة عام 2024، لكن الأمر استغرق عامين آخرين لتصدر في المملكة المتحدة؛ وذلك لعدم رغبة أي دار نشر في إدراج اسم المترجمة "كينغ" على الغلاف الأمامي إلى جانب اسم المؤلفة "يانغ". إلى أن ظهرت دار النشر المستقلة "أند أذر ستوريز/And Other Stories"، والتي تحتفل حاليًا بفوزها الثاني على التوالي بجائزة "بوكر العالمية"، حيث فازت بالجائزة العام الماضي الكاتبة الهندية بانو مشتاق عن روايتها "مصباح القلب/ Heart Lamp"، والتي ترجمتها إلى الإنكليزية ديبا بهاست.
بالنسبة لكينغ، فإن أهمية الأدب المترجم بديهية. تقول: "يكمن جمال القراءة في أنها تنقلك إلى واقع ليس واقعك، وتعرفك عليه، وهذا ما يتجسد في الأدب المترجم". وتضيف: "كلما نظرت إلى جوائز كهذه، أشعر بجهل كبير وأنا أتصفح القائمة الطويلة، وأفكر: يا للعجب، لم أكن أعرف حتى بوجود تلك الديكتاتورية، ولم أكن أعرف شيئًا عن تلك الإبادة الجماعية، أو ذلك التغيير في النظام، أو تلك اللهجة، وكيف تم قمعها. هنالك كثير لأتعلمه".
لم تقتصر رواية "رحلة إلى تايوان" على فتح آفاق تايوان وتاريخها أمام قراء لم يكونوا على دراية به فحسب، بل تُخبرني "كينغ" أنها تركت أيضاً صدىً واسعًا لدى القراء التايوانيين الشباب، وأبناء الجالية التايوانية في الخارج.
تقول "كينغ": "لقد أخبرني كثير من الناس أنها المرة الأولى التي يرون فيها تايوان تُقدَّم بهذا الشكل في كتاب باللغة الإنكليزية، وأن هذا قد جدد شغفهم لمعرفة مزيد عنها مردفةً: "هذا أحد أكثر الأشياء التي تسعدني".
(*) هذا الحوار منشور في صحيفة الـ "غارديان" البريطانية بتاريخ 21 مايو/ أيار 2026.
ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط أدناه بعنوان:
‘I refuse to be a second-class citizen in my own land’: Taiwanese International Booker winner Yáng Shuāng-zǐ


تحميل المقال التالي...