يمثّل الباحث الفرنسي لوران بونفوا واحدًا من الأصوات الأكاديمية الأوروبية النشطة المتخصصة في اليمن خلال العقدين الأخيرين. وتنبع أهمية حضوره من كونه تجاوز صورة الباحث الغربي التقليدي الذي يراقب المنطقة من بعيد عبر التقارير والتحليلات السياسية الباردة، إلى باحث ميداني عاش في اليمن واحتك بالمجتمع اليمني مباشرة، ودرس تحوّلاته الدينية والسياسية والاجتماعية من الداخل. ولهذا نجد اسمه حاضرًا باستمرار في الجامعات الفرنسية ومراكز الدراسات والقنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام عندما يأتي الحديث عن الحوثيين أو البحر الأحمر أو الحرب اليمنية.
يمكن القول بأن بونفوا ينتمي إلى جيل من الباحثين الفرنسيين الذين يحاولون إعادة الاعتبار للدراسات الميدانية في الجزيرة العربية، بعيدًا عن المراجعات الاختزالية التي حصرت اليمن في الإرهاب أو القبيلة أو الفوضى. وقد عمل سنوات طويلة في صنعاء ضمن المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، ثم داخل مؤسسات أكاديمية فرنسية مرموقة باحثًا في المركز الوطني للبحث العلمي ومعهد العلوم السياسية بباريس. كما أتاحت له إقامته الطويلة في اليمن تعلم العربية وأن يبني شبكة واسعة من العلاقات مع باحثين ومثقفين وصحافيين يمنيين، وهو ما يظهر بوضوح في كتاباته التي تبدو أقل استعلاءً وأكثر فهمًا لتعقيدات المجتمع اليمني مقارنة بكثير من الأدبيات الغربية الأخرى، وأحيانًا يشترك في بحث أو دراسة مع باحث يمني.
برز اسم لوران بونفوا في البداية عبر دراساته حول السلفية في اليمن. ودراساته تُعد من الدراسات الغربية الحديثة المهمة عن السلفية اليمنية. وفي أعماله يحاول تفكيك الصورة النمطية التي تختزل السلفية في التطرف أو الإرهاب فقط، إذ يصور تعقيدات تنوع التيارات السلفية، وعلاقتها بالمجتمع والدولة والتحولات الإقليمية المتناقضة. وربما ساعدته هذه الدراسات لاحقًا في فهم التحولات التي قادت إلى الحرب، لأن اليمن بالنسبة إليه لم يكن مجرد ساحة صراع عسكري، بل فضاءً معقدًا تتداخل فيه الديناميات القبلية والدينية والسياسية والاقتصادية.
لكن أهم ما يميز بونفوا هو انتقاله التدريجي من دراسة الحركات الإسلامية إلى تحليل الدولة اليمنية نفسها وأسباب ضعفها والأزمات المزمنة التي تحاصرها. عندما نقرأ بعض أبحاثه وأحاديثه وحواراته عن اليمن ندرك فهمه، فهو يخرج باليمن من صورة "الدولة الأمنية" التي يهيمن عليها خطاب الحرب على الإرهاب. ويرى أن اختزال اليمن في القاعدة أو الحوثيين أو التدخلات الإقليمية يمنع فهم المجتمع اليمني الحقيقي، ويحجب قضايا أساسية مثل الفقر، والمياه، والبطالة، والتهميش الاجتماعي، وضعف الدولة، والهجرة، والتحولات الثقافية.
ومن هنا جاءت قراءته للحرب اليمنية مختلفة نسبيًا عن كثير من المقاربات الغربية والإعلامية. فهو يرفض تفسير الحرب باعتبارها مجرد صراع طائفي بين سنة وشيعة أو مجرد حرب بالوكالة بين السعودية وإيران. وفي حوار معه منشور عام 2025 بعنوان: "اليمن: عشر سنوات من الحرب" يؤكد أن الحرب يجب أن تُفهم أولًا بكونها وليدة ونتيجة لفشل المرحلة الانتقالية بعد ثورة 2011، وصراع بين النخب اليمنية، وتفكك مؤسسات الدولة، ثم بعد ذلك تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي. ويرى أن التركيز الإعلامي على "الحوثيين وإيران" فقط يجعل المجتمع اليمني نفسه غائبًا عن الصورة.
وهذه نقطة محورية في مشروعه البحثي؛ إذ يحاول دائمًا إعادة الإنسان اليمني إلى قلب التحليل، بدل الاكتفاء بمتابعة الخرائط العسكرية أو الصراعات الجيوسياسية. ولهذا يكرّر الحديث عن "جيل ضائع" نشأ خلال الحرب، وعن انهيار التعليم والخدمات، وعن التحولات العميقة التي أصابت الهوية الدينية والاجتماعية في اليمن خلال العقد الأخير. وهو يرى أن الحرب دمرت البنية التحتية وكذلك أعادت تشكيل المجتمع نفسه.
ويشير بونفوا إلى أن الحوثيين نجحوا، خلال سنوات الحرب، في إعادة صياغة جزء من الهوية السياسية والدينية في شمال اليمن، كما أن السلفيين أنفسهم انتقلوا من خطاب دعوي هادئ نسبيًا إلى مسار أكثر عسكرية. وهذه الملاحظة مهمة لأنها تكشف أن الحرب، في رأيه، ليست حدثًا مؤقتًا، بل هي عملية تحول اجتماعي وثقافي طويلة المدى.
| |
| من أبرز الكتب والدراسات التي أنجزها أو شارك فيها الباحث الفرنسي لوران بونفوا: "اليمن والعالم: ما وراء اللاأمن"، و"السلفية في اليمن: العابرية والهوية الدينية" |
كما يلفت الانتباه إلى نقطة كثيرًا ما تُهمل في الإعلام الفرنسي والغربي، وهي صعوبة الوصول إلى اليمن ميدانيًا. فالباحثون والصحافيون الأجانب باتوا عاجزين تقريبًا عن العمل بحرية داخل البلاد، وكل هذا أدى إلى تراجع المعرفة الدقيقة بالواقع اليمني، وزيادة الاعتماد على السرديات السياسية والإعلامية الجاهزة. لذلك يرى أن جزءًا من "نسيان اليمن" يعود أيضًا إلى غياب التغطية الميدانية واستحالة الوصول إلى المجتمع اليمني الحقيقي.
أما على المستوى الإقليمي، فيقدّم بونفوا قراءة متوازنة نسبيًا للعلاقة بين الحوثيين وإيران. فهو لا ينكر وجود دعم إيراني، لكنه يرفض المبالغات التي تصوّر الحوثيين مجرد أداة إيرانية بلا استقلالية. ويعتبر أن الحركة الحوثية تمتلك جذورًا محلية يمنية قوية، وأن تطورها لا يمكن فهمه فقط من خلال الصراع الإيراني السعودي. ولهذا انتقد في أكثر من مناسبة المقاربة السعودية التي تعاملت مع اليمن باعتباره مجرد جبهة لاحتواء إيران.
وفي الوقت نفسه، لا يقدّم الحوثيين بصورة رومانسية أو "مقاومة خالصة"، بل يشير إلى أنهم استفادوا سياسيًا وإعلاميًا من الحرب، خصوصًا بعد تدخلهم في البحر الأحمر عقب حرب غزة. ففي نظره، سمحت هذه العمليات للحوثيين بتقديم أنفسهم بوصفهم "الطرف العربي الوحيد الذي يواجه إسرائيل"، في لحظة تراجع فيها حضور الدول العربية رسميًا. ولذلك اكتسب الحوثيون شعبية رمزية واسعة في المنطقة، حتى لدى جماهير لا تشاركهم أيديولوجيتهم.
ويرى بونفوا أن الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة ضد الحوثيين تخدمهم سياسيًا بقدر ما تضعفهم عسكريًا، لأنها تعزّز صورتهم كحركة "تواجه العالم". وهذه ملاحظة متكررة في تحليلاته، إذ يعتبر أن الحلول العسكرية وحدها غالبًا ما تعيد إنتاج القوة الحوثية بدل القضاء عليها.
ومن الجوانب المهمة أيضًا في قراءته للحرب اليمنية اهتمامه بالبعد الإنساني. فبونفوا يرى أن المجتمع الدولي فشل أخلاقيًا وسياسيًا في التعامل مع اليمن. وبرأيه، تحولت الحرب إلى "كارثة منسية"، رغم أنها واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ويشير باستمرار إلى اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية، وإلى أن أي تخفيض في التمويل الدولي، مثل تقليص تمويل بعض الجهات، يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية مباشرة.
كما ينتقد الطريقة التي تُدار بها المساعدات الإنسانية، حيث يرى بأن اليمن أصبح رهينة للتجاذبات السياسية الدولية والإقليمية. ويخشى من أن يؤدي تصنيف الحوثيين تنظيمًا إرهابيًا إلى تعقيد وصول المساعدات إلى ملايين المدنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين. ولهذا يؤكد أن المقاربة الإنسانية يجب ألا تُختزل في الحسابات السياسية أو العسكرية.
ومن النقاط المهمة واللافتة في كتابات بونفوا اهتمامه بالثقافة والفنون اليمنية كجزء من مقاومة الحرب والنسيان. فهو لا يرى اليمن مجرد ملف أمني أو سياسي، بل مجتمعًا حيًا يمتلك ثقافة وذاكرة وفنونًا وقدرة على إنتاج الحياة رغم الحرب.
كذلك يهتم بونفوا بدعم الباحثين اليمنيين الشباب، ويرى أن الحرب، رغم مآسيها، ساهمت في ظهور جيل جديد من الأكاديميين والباحثين اليمنيين الذين يحاولون تقديم سرديات أكثر استقلالًا عن اليمن. وهذه نقطة أساسية لديه، كونه يعتقد أن مستقبل الدراسات اليمنية لا يجب أن يبقى محتكرًا من قبل الباحثين الغربيين.
أما إذا حاولنا تلخيص أبرز التوصيات أو الرسائل التي يكررها بونفوا في أعماله، فيمكن اختصارها في عدة نقاط:
أولًا، ضرورة تجاوز القراءة الطائفية المبسطة للحرب اليمنية، وفهم جذورها المحلية والاجتماعية والسياسية.
ثانيًا، الاعتراف بأن الحوثيين أصبحوا فاعلًا سياسيًا وعسكريًا لا يمكن تجاهله أو استبعاده من أي تسوية مستقبلية.
ثالثًا، فشل الحل العسكري، سواء من قبل التحالف السعودي أو من خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية، لأن الحرب تعيد إنتاج نفسها وتمنح الحوثيين شرعية إضافية.
رابعًا، ضرورة إعادة اليمن إلى الاهتمام الدولي بوصفه أزمة إنسانية ومجتمعية طويلة الأمد، وليس مجرد ملف أمني مرتبط بالملاحة أو الإرهاب.
خامسًا، أهمية الاستثمار في التعليم والثقافة والمجتمع المدني اليمني، لأن الحرب دمّرت جيلًا كاملًا، وأي سلام مستقبلي لن ينجح بدون أن نفكر في إعادة بناء الإنسان اليمني نفسه.
سادسًا، دعم البحث العلمي والدراسات الميدانية عن اليمن، كوننا نعاني حاليًا من غياب المعرفة الدقيقة بالواقع اليمني، ولأن هذا يسمح بانتشار سرديات سياسية وإعلامية سطحية أو موجهة من بعض الأطراف.
في النهاية، يمكن القول إن لوران بونفوا يمثل نموذجًا من النماذج المميزة كباحث فرنسي استطاع أن يجمع بين العمل الأكاديمي الجاد، والخبرة الميدانية، وكذلك الحضور الإعلامي، والاهتمام الإنساني والثقافي باليمن. وهو لا يقدم اليمن باعتباره مجرد "أزمة" أو "ساحة حرب"، بل مجتمعًا معقدًا وحيويًا يجري تمزيقه بفعل التنافسات المحلية والإقليمية والدولية. وربما لهذا السبب أصبحت كتاباته ومقابلاته مرجعًا مهمًا في فرنسا لكل من يريد فهم اليمن بعيدًا عن الضجيج الدعائي والتفسيرات الاختزالية السريعة.
من أبرز الكتب والدراسات التي أنجزها أو شارك فيها الباحث الفرنسي لوران بونفوا: "اليمن والعالم: ما وراء اللاأمن"، وهو من أهم أعماله لفهم اليمن خارج الصورة الأمنية النمطية؛ وكتاب "السلفية في اليمن: العابرية والهوية الدينية" الذي يُعتبر من المراجع المطلوبة لفهم السلفية اليمنية وتحولاتها؛ وكتاب "اليمن: من العربية السعيدة إلى الحرب" الذي يقدم قراءة تاريخية وسياسية لتحولات اليمن الحديثة؛ كما شارك في كتاب "المسلمون في تاريخ أوروبا" المهتم بقضايا الإسلام والهوية في أوروبا؛ وله مساهمات بحثية عديدة في كتب جماعية وتقارير أكاديمية حول الحوثيين، والبحر الأحمر، والإسلام السياسي، والتحولات الإقليمية في الجزيرة العربية، إضافة إلى دراسات منشورة عبر مراكز أبحاث فرنسية بارزة تناولت الحرب اليمنية، والأزمة الإنسانية، والعلاقات السعودية الإيرانية وتأثيرها على اليمن.


تحميل المقال التالي...