يُرجعنا غياب المفكّر السويسريّ الحرّ جان زيغلر/ Jean Ziegler (1934 ــ 2026) إلى حمأة نضاله الشرس، الكاشف والجريء، ضدّ "أسياد العالم الجدد" الذين أفرزتهم العولمة النيوليبرالية المتوحّشة، وإلى مناصرته الدائمة والثابتة للقضية الفلسطينية، وهو النائب في البرلمان الاتحادي السويسري ذات فترة، والمفوّض الخاص لدى الأمم المتحدة لمسألة الغذاء في العالم، والعضو في المجلس الاستشاريّ للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والأستاذ المحاضر في جامعات جنيف والسوربون وغرونوبل، وله عدد من المؤلفات من بينها "أسياد العالم الجدد والذين يقاومونهم" (2002)، و"أسياد الجريمة" (1997)، و"إمبراطورية العار" (2005)، و"الحق في الغذاء" (2007)، و"التدمير الشامل: جيوسياسية الجوع" (2011)، و"طرق الأمل" (2015)، و"الرأسمالية وكيف أشرحها لحفيدتي" (2022)، فضلًا عن عدد من المؤلفات عن النظام المالي الفاسد في بلده سويسرا. وقد يكون مؤلَّفه "كراهية الغرب" (2008) العنوان الأشهر في كل ما كتب، إذ يتضمن تحليلًا تاريخيًا وسياسيًا لعلاقة الغرب بباقي العالم.
ذكرى لقاء مع عرفات
في مقالة لجان زيغلر نشرها في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 في موقع LVSL الإلكتروني، يعود إلى "ذكرى بعيدة" كما يصفها راويًا: "كان ذلك يومًا من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1988 في الجزائر العاصمة، داخل قصر المؤتمرات. كانت السماء رمادية وممطرة، تعصف بها رياح البحر. افتُتحت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني. كان المؤرخ والشاعر بوعلام بسايح آنذاك وزيرًا للخارجية الجزائرية. كنّا صديقين منذ منفاه في لوزان. دعاني لحضور المجلس قائلًا لي: سترى، سوف تحدث أمور لا تصدّق، ولن تندم على رحلتك. وبعد خطاب بليغ للشاعر الفلسطيني محمود درويش بعنوان "فلسطين... أرض الرسائل الإلهية المنزلة على البشرية"، اعتلى ياسر عرفات المنصة. وبعد تحليل مطوّل لنضالات التحرير التي خاضها الفلسطينيون منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وظروف طردهم من أرضهم عقب قيام "دولة إسرائيلية" عام 1948، والتطهير العرقي، والاحتلال، والانتفاضتين الأولى والثانية، اقترح عرفات مراجعة ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية" والاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود. وفي تمام الساعة الواحدة والنصف صباحًا، صوّت المجلس معلنًا: "باسم الله والشعب الفلسطيني العربي، فإن قرار الأمم المتحدة الذي يوصي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، يوفّر شروط الشرعية الدولية التي تضمن أيضًا حق الشعب الفلسطيني العربي في السيادة والاستقلال". والكلمة المفتاحية في هذا القرار هي "أيضًا". استمعت بانبهار إلى كلمات عرفات. لم أتبادل معه سوى حديث قصير بعد ذلك، خلال حفل الاستقبال الذي أعقب كلمته. أدهشني ضعف بنية قائد منظمة التحرير الفلسطينية وقصر قامته. يصعب اليوم استيعاب الشجاعة الجسدية والنفسية التي تحلّى بها آنذاك، هو القائد الثوري لشعب محرّمة عليه أرضه، مدافعًا عن حق عدوّه في الوجود. نما في نفسي إعجاب كبير به (...)".
غزة وإرهاب الدولة
مقابل حدث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 الذي لم يستوعب زيغلر أسبابه، منتقدًا حماس، ينظر إلى ردّة الفعل الإسرائيلية بقيادة نتنياهو بكونها "إرهاب دولة" وحرب إبادة ضد المدنيين في غزة طوال سنتين، لافتًا إلى أن "إسرائيل" هي الرابعة بين أكبر مصدّري الأسلحة في العالم، ومن أسلحتها التي اختبرت ضد المدنيين في غزة قنبلة "دايم" التي تُنقل بواسطة الطائرات المسيّرة، وتحتوي داخل غلافها المكوّن من ألياف الكربون على سبيكة من مسحوق "التنجستن" مع الكوبالت والنيكل والحديد، وهي تنفجر داخل جسم الإنسان وتمزّقه إربًا.
ويكشف زيغلر عن قنابل نابالم شديدة الفتك تُحمل بواسطة مسيّرة قتالية تدعى "هيرميس 900" طوّرتها الشركة الإسرائيلية "إلبيت سيستمز" ومقرّها حيفا مع شركة "رواغ" السويسرية لتصنيع الأسلحة (يلمح هنا إلى دور بلده المفترض أنّه "حياديّ" و"مسالم"، وهو الأدرى بحقيقته)، وتموّل هذه المسيّرة الجديدة من أموال دافعي الضرائب السويسريين، بحسب تعبيره. وينتقد الخطاب الإسرائيلي على لسان وزير الدفاع (آنذاك) يوآف غالانت القائل "نحن نقاتل حيوانات" مشبّهًا كلامه هذا بوصف الأرمن بـ"الميكروبات" قبيل الإبادة الجماعية التي تعرّضوا لها بين عامي 1915 و1916، ونعت التوتسي في رواندا بـ"الصراصير" قبيل مجازر عام 1994.
حاولت "إسرائيل" منع جان زيغلر من عرض تقريره حول الوضع الغذائي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بوصفه مقررًا خاصًا للأمم المتحدة لقضايا الحق في الغذاء. ففي هذا التقرير يكشف زيغلر عن أنه "منذ عام 1967 يعيش 3.8 مليون شخص تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي في مساحة تقلّ عن سبعة آلاف كيلومتر مربّع. وأن 15% من الأطفال دون سن العاشرة يعانون من سوء تغذية مزمن حاد. وتقتصر وجبات 61% من الأسر الفلسطينية على وجبة واحدة في اليوم. ويضطر 85% من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة (وليس فقط 1.5 مليون لاجئ في غزة والضفة الغربية) إلى الاعتماد على المساعدات الدولية العامة للبقاء على قيد الحياة. وتتكشف هذه المأساة الصامتة، وفق تعبير زيغلر، في بلد زراعيّ وتجاريّ عريق كان ذات يوم غنيًا وخصبًا (...)". حارب الكيان جان زيغلر وأعرب عن "مخاوف جدية بشأن أخلاقياته المهنية" (بلغة الفجور الإسرائيلية المعهودة) وشكك في "حياده" واتهمه بتسريب تقريره إلى وسائل الإعلام قبل مراجعته.
المناهض للنيوليبرالية المتوحّشة
من أهمّ مؤلفات جان زيغلر التي تختصر فكره الإنسانيّ والنضاليّ الملتزم "أسياد العالم الجدد والذين يقاومونهم" Les Nouveaux Maîtres du Monde et ceux qui leur résistent (منشورات فايار، الفرنسية، 2002) حيث يلاحظ زيغلر منذ مطلع القرن الحالي سيطرة الأوليغارشيين الرأسماليين العابرين للقارات على العالم، وتَعَارُضَ ممارستهم اليومية وخطابهم التبريري، جذريًّا، مع مصالح الغالبية العظمى من سكان الأرض. إذ تحقق العولمة انصهارًا تدريجيًا وقسريًّا للاقتصاديات الوطنية في سوق رأسمالية عالمية وفضاء سيبرانيّ موحّد، فتخلق ثروات هائلة كل لحظة ويشهد أسلوب الإنتاج والتراكم الرأسمالي قوة مذهلة. وإذ تتمتع البشرية للمرة الأولى في تاريخها بوفرة من الخيرات تتجاوز بآلاف المرات حاجاتها، إلا أن مدافن الجثث لا تزال تجتاح مزيدًا من الأراضي. ويعدّد زيغلر "الفرسان الأربعة" لواقع البؤس الرهيب: الجوع والعطش والأوبئة والحروب. فهذه كلها تبيد سنويًا من الأطفال والنساء والرجال أكثر مما أبادت الحرب العالمية الثانية في غضون ست سنوات، فالحرب العالمية الثالثة جاريةٌ بالنسبة إلى شعوب العالم الثالث، بحسب تعبير زيغلر.
يموت على سطح كوكبنا يوميًا نحو مائة ألف شخص جوعًا، أو من التبعات المباشرة للجوع. ويعاني 826 مليون إنسان حاليًا سوء تغذية مزمنًا وخطيرًا. ويعيش 34 مليونًا منهم في بلدان الشمال المتطورة اقتصاديًا. أما العدد الأكبر، البالغ 515 مليونًا، فيعيش في آسيا التي يشكلون فيها 24% من العدد الشامل للسكان، لكن لو نظرنا إلى نسبة الضحايا فإن جنوب الصحراء الأفريقية هو الذي يدفع الضريبة الأثقل: 186 مليونًا يشكون على الدوام من سوء التغذية الخطير، ما يمثل 34% من سكان هذه المنطقة من العالم تعاني غالبية هؤلاء مما تسمّيه منظمة الأغذية والزراعة (فاو) "الجوع المدقع"، إذ تقلّ حصتهم اليومية من السعرات الحرارية عن مستوى نظام التغذية اللازم للبقاء على قيد الحياة. هذا "الجوع المدقع" يعانيه ثمانية عشر بلدًا أفريقيًا، وهاييتي في البحر الكاريبي، وأفغانستان وبنغلادش وكوريا الشمالية ومنغوليا في آسيا. يموت طفل تحت سنّ العشر السنوات جوعًا كل سبع ثوانٍ فوق سطح الأرض.
يقول زيغلر: "إن إبادة ملايين الكائنات البشرية بالجوع، تتمّ يوميًا، بدمٍ بارد، على كوكب يفيض بالثراء. ففي إمكان الأرض، قياسًا بالمرحلة التي بلغتها وسائل إنتاجها الزراعي أن تغذي على نحو طبيعي إثني عشر مليار نسمة. لذلك فإن الجوع المستمر وسوء التغذية المزمن هما من صنع الإنسان، ونتيجة نظام عالمي قاتل"... "إن من يموت جوعًا إنما هو ضحية عملية قتل"، يؤكد زيغلر. يعيش أكثر من ملياري إنسان في ما يسمّيه برنامج الأمم المتحدة للتنمية "البؤس المطلق"، من دون دخل ثابت، أو عمل منتظم، ومن دون مسكن ملائم ورعاية طبية وغذاءٍ كافٍ ومياه نظيفة ومدرسة.
وفي اتهام مباشر من زيغلر: "يمارس أسياد رأس المال المعولم على مليارات البشر قانون الحياة والموت. فمن خلال استراتيجياتهم الاستثمارية ومضارباتهم النقدية والتحالفات السياسية التي يعقدونها، يقررون يوميًا مَنْ له الحق في الحياة على هذا الكوكب ومَنْ يُحكم عليه بالموت (...) ويضاف إلى الدمار والآلام التي يلحقها أوليغارشيو رأس المال المعولم بالشعوب، دمارًا بالفساد المتفشي في بلدان العالم الثالث حيث لا يمكن لنظام رأس المال العالمي أن يعمل من غير التواطؤ الحثيث مع الحكومات القائمة الفاسدة".
يرسم زيغلر صورة لعالم افتراضيّ لا يشبه العالم الجغرافي التاريخيّ التقليديّ. فحتى رأس المال المتداول نفسه هو افتراضيّ وأعلى بثماني عشرة مرة من قيمة كل الأموال والخدمات المنتجة في سنة والمتوافرة على كوكب الأرض. تدل هذه الديناميكيات على حيوية كبيرة، لكنها تضاعف قسريًا التفاوتات: الأغنياء أضحوا سريعًا أكثر غنى، وازداد الفقراء فقرًا وبؤسًا. ففي الولايات المتحدة تعادل ثروة بيل غيتس مجموع ما يملكه 106 ملايين أميركي من الأكثر فقرًا. وبات أفراد اليوم أكثر غنى من دول. الذمة المالية التي يملكها الأفراد الخمسة عشر الأكثر ثراء في العالم تتجاوز الناتج الوطني الخام لمجموع الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء. ولا حدود لغطرسة "الإمبراطورية الأميركية" التي تبغي قيادة العالم، بعقيدة ليبرالية متطرفة ترفض أي فكرة تضامن دولي مثلما ترفض التصديق على الاتفاقية الدولية التي تحظر إنتاج الألغام المضادة للأشخاص ونشرها وبيعها. ولا توقع على معاهدة روما لعام 1998 التي تنص على عقوبة قضائية للإبادات الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب! حتى المحكمة الجنائية الدولية تقف الولايات المتحدة ضدها!
أيديولوجية الأسياد
يحكم "الأسياد" الكون عبر تصريحاتهم الأيديولوجية، أو من خلال الضغط الاقتصادي، أو الهيمنة العسكرية. ويحمل الرمز الأيديولوجي الذي يقود ممارساتهم اسمًا عديم القيمة: "توافق واشنطن"، وهو كناية عن مجموعة اتفاقيات غير رسمية وُقِّعت في الثمانينيات والتسعينيات بين الشركات الأساسية العابرة للقارات ومصارف وول ستريت، والبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والهيئات المالية الدولية (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي...). وقد صاغ "التوافق" جون ويليامسون، كبير اقتصاديي البنك الدولي ونائب رئيسه، عام 1989، وكانت مبادئه التأسيسية صالحة للتطبيق في أي مرحلة تاريخية، وفي أي نظام اقتصادي، وفي أي قارة، وتهدف إلى تصفية كل هيئة تنظيمية، سواء كانت تابعة للدولة أم لا، وإلى التحرير الأشمل، في أسرع وقت ممكن، للأسواق (السلع، رؤوس الأموال، الخدمات، براءات الاختراع...) بلوغًا في النهاية إلى تأسيس حوكمة عالمية، وسوق عالمية موحدة منظمة ذاتيًا على نحو كامل. يرمي "توافق واشنطن" هذا إلى خصخصة العالم، ومن أبرز الأهداف التي يرتكز عليها: الشروع في كل بلد مَدين بإصلاح ضريبي يفيد الأغنياء ولا يفيد منه الفقراء، وتحرير الأسواق المالية، والمساواة بين الاستثمارات الوطنية وتلك الأجنبية، وتفكيك القطاع العام وخصخصة مؤسسات الدولة، والامتناع عن وضع قواعد ناظمة لاقتصاد أي بلد، والحماية المحصنة للملكية الخاصة،... إلخ.
يستعير زيغلر وصف بيار بورديو للنيوليبرالية بأنها "سلاح غزو"، قدريّة اقتصادية تبدو أي مقاومة لها عقيمة، فهي تشبه داء السيدا، تدمّر المنظومة المناعية لضحاياها. تفرض ديكتاتورية رأس المال رؤيتها لعالم مغلق وثابت في المستقبل، وترفض كل مبادرة إنسانية، وكل عمل تاريخي، وكل يوتوبيا. و"تجنيس" الاقتصاد هو المكيدة النهائية للأيديولوجيا النيوليبرالية، وهذا التجنيس يؤدي إلى مآسٍ عديدة، وبخاصة ولادة أو تطور الحركات "الهوياتية" لدى كثير من الجماعات، بفعل انعكاس الدفاع الذاتي، أو الانكفاء. يموت المجتمع ببطء تحت تأثير خصخصة العالم والنيوليبرالية التي تؤسسها. يقدم آلان تورين هذه الصورة المؤثرة: "بين السوق العالمية والمعولمة وعشرات آلاف حركات الهوية الناشئة على هوامشه، ثمة ثقب أسود كبير. وفي هذا الثقب يُخشى أن تسقط الإرادة الشعبية والأمة والدولة والقيم والأخلاق العامة والعلاقات بين الأشخاص، أو باختصار: المجتمع".
مال الدم
المفارقة في نظر جان زيغلر: الأوليغارشيون متحدون ومتفرّقون في الوقت نفسه. تدور حرب لا رحمة فيها بين أوليغارشيّي العالم أجمع. تستمرّ عمليات الدمج القسري في الصناعة والخدمات، والمناورات الملتوية في أسواق الأوراق المالية، وعروض الشراء العامة العدائية. "اُقتل أو تُقْتَل، افترس أو تموت"، ذاك هو شعارهم. شعار آخر: "امتلك الأسواق، وأَبِدْ المنافسين". مفرداتهم مستمدة دائمًا من التدمير والحرب. جميع الشركات الكبرى المتخصصة في التكنولوجيا المتطورة، والشركات كلها التي وصلت إلى المراتب الأولى، يقودها قتلة ومصاصو دماء. للوصول إلى هذا المستوى، يجب أن تكون سمكة قرش حقيقية. إنها رأسمالية الغابة. يتحدث مسؤول كبير من شركة "أوراكل" عن جلسات "التحفيز" التي نظّمها لاري إليسون للموظفين الجدد قائلًا: "نحن الوحوش هنا". فالمنافسون هم الأعداء، وإليسون وشركاؤه في "أوراكل" هم المحاربون. كأن إليسون يصرخ في المعركة: "سنقتلهم، سنقتلهم!". كلٌّ من إليسون وغيتس يتبنى استراتيجية التدمير نفسها. ذئاب مفترسة في عالم الشركات والمال والتكنولوجيا المتطورة. القسم الأكبر من الثروات التي جمعها كبار المفترسين مضمّخة بالدم. شركة "والت ديزني" العابرة للقوميات، مثلًا، تُصنِّع للأطفال ألبسة منامة وغيرها مزينة بـ"ميكي ماوس" في مصانع الاستغلال ومشاغل الكدّ فوق جزيرة هاييتي. هناك تجني العاملة التاهيتية 28 سنتًا في الساعة، فيما يكسب المدير العام للشركة مايكل إيزنر 2783 دولارًا أميركيًا في الساعة الواحدة (أرقام سنة 2000) فضلًا عن حصوله على أسهم بقيمة تعادل 181 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ يعدّ كافيًا لإعالة مائة وتسعين ألف عامل هاييتي مع عائلاتهم لمدة أربعة عشر عامًا! عمال شركة ديزني وعاملاتها يتقاضون رواتب زهيدة فاضحة، ويعانون سوء تغذية، ويحيون في البؤس. لكن "مال الدم"، بحسب زيغلر، ليس وقفًا على أميركا الشمالية، فالأوروبيون، والسويسريون، بارعون فيه أيضًا.
موت الدولة
تُضعف خصخصة العالم، على ما يرى زيغلر، قدرة الدول على إنتاج القواعد القانونية، فهي تضع البرلمانات والحكومات تحت الوصاية، وتُفْرِغ معظم الانتخابات والاقتراعات الشعبية من معناها، وتحرم المؤسسات من قدرتها التنظيمية. تتسارع حركة رؤوس الأموال في كل أنحاء العالم، فيمارس المفترسون سلطة الترهيب على الحكومات والبرلمانات والمحاكم والآراء العامة المكوّنة ديمقراطيًا. يقف الأوليغارشيون في مواجهة دول العالم قائلين: "من الآن فصاعدًا، أنتم تحت سيطرة الأسواق المالية"، ويبادل هؤلاء هذا الكلام (بل الأمر) بتصفيق حار، وأكثرهم إشتراكيون، فكلّ منهم اختبر تلك "السيطرة"، فالشركة العابرة للقوميات تستطيع اللجوء إلى هيئة دولية لطلب التعويضات ضد أي قرار من أي دولة ذات سيادة تتسبّب لهذه الشركة بضيم اقتصادي أيًّا يكن حجمه. سبق أن خصخصت في عدد من الدول الغربية وسائل النقل العامة والبريد والاتصالات، تحضيرًا لموجة خصخصة ثانية تستهدف المدارس والكليات والجامعات والمستشفيات والسجون، والشرطة قريبًا. خصخصة الدولة، في عرف زيغلر، تدمر حرية الإنسان، وتبيد المواطنة. فاستراتيجيات التراكم والاستثمار الجديدة التي يتّبعها المفترسون تحدث دمارًا مرعبًا في نسيج الاقتصادات الوطنية، وتجبر الدول، حتى القوية، على الخضوع لإملاءات الشركات المالية، أو الصناعية، العابرة للقارات. بذلك تهيمن الأسواق المالية على الحكومات والبرلمانات والقضاة والصحافيين والنقابات والمفكرين والجيوش والعلماء. ينضب دم المؤسسات العامة، وتعاني الدولة من فقر الدم، فتتحوّل إلى مجرد طيف.
تدمير البشر والطبيعة
ابتكر علماء الاقتصاد الألمان مصطلحًا جديدًا هو "رأسمالية القتلة" (KillerKapitalismus) كنمط جديد من الرأسمالية تتصارع فيه دول العالم الثالث في ما بينها لجذب الاستثمارات الإنتاجية التي تسيطر عليها شركات خدمات أجنبية، ولتكسب هذه المعركة لا تتردّد الدول في خفض الحماية الاجتماعية والحريات النقابية والقدرة التفاوضية للأجراء المحليين، الضعيفة أصلًا. وتعمد شركات الصناعة والإدارة في أوروبا بالأخص، إلى نقل أمكنة تجهيزاتها ومختبراتها ومراكز أبحاثها أكثر فأكثر. ويُنجز هذا النقل للأمكنة غالبًا لحساب "مناطق إنتاج خاصة" تكون الأجور فيها ضعيفة وحماية العمال مفقودة. هذا الأمر يفضي إلى جعل سوق العمل المحلية ذات طابع مؤقت و"متغيّر"، ويدخل العمال في تلك البلدان بمنافسة في ما بينهم إذ يغدو الأهمّ لكل منهم توفير العمل لنفسه والدخل لعائلته، ما يُضعف اتحادهم للنضال معًا وموت النزعة النقابية. ويبدأ العامل المحلي يكره العامل اللاجئ فتمدّ أفعى العنصرية رأسها القبيح.
اليد الخفية للسوق المعولمة لا تدمّر المجتمعات البشرية فحسب، بل تدمّر الطبيعة كذلك. فشركات الخشب العابرة للقوميات تدمّر الغابات بسبب الاستثمار المفرط. وتبحث المجتمعات الصناعية الزراعية باستمرار عن أراضٍ جديدة لتوسيع مزارعها، أو تربية مزيد من المواشي، فتحرق من أجل ذلك سنويًا عشرات آلاف الهكتارات من الغابات العذراء، بحيث لم تعد الغابات الاستوائية تغطي إلّا نحو 2% من مساحة الأرض، لكنها تحوي قرابة 70% من كل الأنواع النباتية والحيوانية. وتقدر مساحة الغابات التي تدمّر سنويًا بثلاثة ملايين هكتار. أما العدد الباقي من السكان الأصليين في الغابة الأمازونية فهو أقل من مائتي ألف، فيما كان يبلغ قبل الاستعمار تسعة ملايين، علمًا بأن غابة الأمازون هي الرئة الخضراء لكوكب الأرض. لقد أصيبت مناطق عديدة في العالم بالتصحّر، وبخاصة منطقة الساحل الأفريقي التي كانت خصبة في الماضي. ثلثا القارة الأفريقية باتا من الصحارى والأراضي القاحلة. وأصاب التصحّر آسيا بنحو 1.4 مليار هكتار، ويفتقر مئات ملايين البشر إلى المياه الصالحة للشرب.
هل من أمل؟
قد يكون أمل الخروج من هذا الخراب الكونيّ هو في ولادة المجتمع المدني الدولي الجديد، حيث تنتشر حركات اجتماعية جديدة، وتبتكر روابط جديدة بين البشر والأمم، ويفكّر العالم والمجتمع خارج نطاق الشرائع الجامدة للمعتقد المهيمن. ولكونه كان منتميًا إلى جهاز الأمم المتحدة، فإن زيغلر يجد بعض الأمل في هذه "المجرّة المعقدة"، وفق تعبيره، التي يسكنها عشرات ألوف الرجال والنساء من أصحاب القدرات والهويات المختلفة. والبنية التي تجمعهم منتشرة، وهي تضمّ اثنتين وعشرين منظمة متخصصة تشكل صلب الجهاز، وهي رغم بيروقراطيتها ذات فاعلية كبيرة في الميدان وتقوم بعمل مذهل. ويتهم زيغلر "الإمبراطورية الأميركية" التي أزالت بغطرستها التحكيم الدولي الذي أرادته الأمم المتحدة.
هل رهان جان زيغلر على المجتمع المدني من ناحية، وعلى الأمم المتحدة من ناحية ثانية، هو رهان سليم وناجح؟ أم عساه لا يتعدى الوهم في ظلّ كل ما يورده في كتابه عن وحشية "أسياد العالم" والشركات العابرة للدول والقارات، والنيوليبرالية المتوحشة السيدة حتى هذه الساعة، والخراب العام الذي تحدثه الحروب والمجاعات والإبادات في مناطق متفرقة، ومثلها تدمير الطبيعة بيت الإنسان الأوحد؟ هل ثمة أمل حقًا؟...


تحميل المقال التالي...