على ارتفاعٍ سبعةٍ وثلاثين مترًا فوق مياه نهر الإلبه، كانت مدينة هامبورغ قد أتاحت لمواطنيها وزوّارها شيئًا نادرًا في العمارة الحضرية المعاصرة: أفقًا مفتوحًا مجانًا. غير أنَّ هذا الوعد المعماريَّ السياسيَّ يقترب من نهايته؛ إذ أعلنت السلطات الثقافية في هامبورغ أنَّ منصة المشاة في دار الأوبرا الإلبفيلهارموني ستبدأ في تحصيل رسوم دخول ابتداءً من الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، بواقع خمسة يوروهات للدخول العادي وثلاثة للمخفَّض.
المفارقة ليست في الرقم، فخمسة يوروهات لا تُثقل كاهلًا، بل في الرمزية التي ينطوي عليها القرار. فحين افتُتح هذا الصرح الاستثنائي عام 2017، بعد سبع سنواتٍ من التأخير وتضخّمٍ ماليٍّ فلكيٍّ حوَّل تكلفةً مبدئية كانت لا تتجاوز سبعةً وسبعين مليون يورو إلى ما يقارب سبعمائة وتسعةً وثمانين مليون يورو، وقف أولاف شولتس -رئيس البلدية آنذاك والمستشار الفيدراليُّ لاحقًا- ليعلن أمام أهل المدينة أنَّ البلازا "مكانٌ عامٌّ مفتوحٌ للجميع"، وأنَّ لكلِّ هامبورغيةٍ وهامبورغيٍّ الحقَّ في المجيء والقول: "هذه شرفتنا، أكبر شرفةٍ في المدينة". كان الوعد تعويضًا معنويًا عن فداحة الفاتورة التي تكبَّدها دافعو الضرائب؛ فإذا بالتعويض يُسحب بهدوءٍ بيروقراطيّ.
البلازا التي تتوضَّع في الطابق الثامن، عند التقاء واجهتَي البناء العتيقتين - الطوب والزجاج تحت ذلك السقف المتموِّج الشهير- باتت من أكثر المعالم ارتيادًا في هامبورغ. فقد استقبلت خلال العام الماضي وحده أكثر من مليونَين ومائتَي ألف زائر، يصل يوميًا منهم ما يقارب سبعة عشر ألف شخص يدورون على الممشى الدائريِّ الذي يمنحهم أفقَ الميناء والمدينة في آنٍ واحد.
ما يُضفي على الخبر بُعدًا أشمل أنَّه لا يأتي منفردًا: فقبل أشهرٍ قليلة، أعلنت كاتدرائية كولونيا - ذلك الصرح القوطيُّ الذي ينتزع الأنفاس- أنَّها ستبدأ ابتداءً من تمّوز/ يوليو المقبل تحصيلَ اثني عشر يورو من السيّاح في مقابل دخول أروقتها، فيما تبقى الصلوات مجانية. ثمَّة إذًا نمطٌ يتشكَّل في ألمانيا وفي غيرها، نمطٌ تتحوَّل فيه المعالم الثقافية الكبرى تدريجيًا من فضاءاتٍ عامَّة إلى خدماتٍ مُسعَّرة، في خضمِّ ضغوط الميزانيات وتراجع الأولويات الثقافية في جداول الحكومات.
القرار في هامبورغ لا يزال في طور المشروع؛ إذ تتضمَّنه مسوَّدة الميزانية التي سترفعها الحكومة إلى برلمان المدينة، حيث ستدور حوله جلساتٌ في اللجان قبل أن يُحسم على الأرجح في كانون الأول/ ديسمبر المقبل. لكنَّ المعارضين يعرفون أنَّ الاعتراض على بندٍ ضمن حزمةٍ ميزانياتية أمرٌ من أصعب ما يكون.
في النهاية، ليست القضية في سعر التذكرة. القضية في أنَّ ثمَّة لحظاتٍ تكشف فيها الإدارات عن تصوُّرها الحقيقيِّ للفضاء العامِّ: هل هو حقٌّ أم امتياز؟ وعدٌ أم خدمة؟


تحميل المقال التالي...