ترجمة: سارة حبيب
على مدى قرن، ظلت هذه النظرية المتعلقة بأصول الإنسان تموت ثم تحيا من جديد. لتحريرها من هذه الحالة البرزخية، علينا أن نفكفك معانيها المتعددة
الصورة الأكثر أيقونية للتطور البشري لا تأتي من العلم، بل من السينما. في المشهد الافتتاحي لفيلم ستانلي كوبريك "2001: أوديسة الفضاء"، إنتاج عام 1968، تظهر قرَدَة تمشي بتثاقل عبر سهل مقفر تعصف به الرياح، وهي تبحث عن لقاط الطعام الشحيح. ينهش النمر جسم أحدها. ثم يظهر مونوليث (عمود أحادي الحجر) أسود ضخم يدفع القردة إلى حالة من الهياج ويمنحها شكلًا جديدًا من الذكاء. وبينما تتصاعد سمفونية ريتشارد شتراوس "هكذا تكلم زرادشت"، يلتقط أحد القردة عظمة كسلاح ويهشّم بها كومة من العظام: الفريسة تصبح مفترسًا. ثم يرمي القرد العظمة عاليًا نحو السماء لتتحول إلى قمر صناعي.
رسالة هذا التتابع الذي يقدمه كوبريك حول "فجر الإنسان" واضحةٌ. لقد تشكّلت البشرية بفعل غريزة الافتراس. إنها قصة تطورية ترجع فيها أصول الحياة الحديثة إلى الصيد في عصور ما قبل التاريخ. ويطلق على هذه الفكرة اسم "الرجل الصياد". في بعض صيغ هذه السردية، لم يشكّل الصيد أجسادنا وعقولنا فحسب، بل كذلك بنيةَ المجتمع البشري في حد ذاتها؛ بما في ذلك الحياة المنزلية والأدوار الجندرية. كان الرجال يصطادون، بينما كانت النساء ينجبن الأطفال ويعتنين بالمنزل.
إنها نظرية كبرى وشاملة؛ رؤية حية مشحونة أخلاقيًا للعصر الحجري القديم وجدتْ لنفسها مكانًا عميقًا في الثقافة الشعبية. طوال القرن العشرين، ظلت نظرية "الرجل الصياد" تُعتبر قصة عن أصولنا اعتبرها الكثيرون أمرًا مسلمًا به. الأُسر النووية، والأزواج المعيلون، والعنف المخيم على حقبة الحرب الباردة، بدا أنها كلها تعكس النظامَ الطبيعي للأشياء. ولا تزال تنويعات على هذه الفكرة منتشرة اليوم، وتظهر في كل شيء من حمية الباليو (حمية العصر الحجري) إلى جماعات "المانوسفير" (الفضاء الذكوري) على الإنترنت.
مع ذلك، ضمن مجال الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، تلاشت الفكرة منذ زمن بعيد. وبالنسبة إلي، كأنثروبولوجي يدرس مجتمعات الصيادين-الملتقطين، لم تكن نظرية "الرجل الصياد" دائمًا أكثر من مجرد طنين في الخلفية: شيء تعرف بوجوده لكنك لا تأخذه على محمل الجد. من منظور علمي، بدت الفكرة ببساطة بالية؛ جزءًا قديمًا من تاريخ التخصص، وأبعدَ ما تكون عن طليعة الأبحاث الحديثة.
مع ذلك، في السنوات القليلة الأخيرة، عاد مفهوم "الرجل الصياد" ليكون هدفًا للنقد؛ حيث "فُنِّد"، أو "ألغي"، أو "فُكفِك". على سبيل المثال، الاكتشافات الأثرية في جبال الأنديز البيروفية كشفت عن وجود نساء دُفِن مع أدوات صيد، ما يشير إلى أنهن كن صيادات للطرائد الكبيرة؛ ووجد مسح عابر للثقافات أن النساء يصطدن في معظم مجتمعات الصيادين-الملتقطين المعاصرة. كذلك، ناقش بعض الباحثين أن النساء ربما يكن ملائمات أكثر من الرجال لما يسمى "صيد التحمل" (أسلوب صيد يقوم على إنهاك الطريدة ويحتاج صبرًا وقدرة تحمل كبيرة)، وأن تقسيم العمل على أساس الجنس ربما لم يظهر سوى مع ظهور الزراعة. مع ذلك، تفاعل العديد من الأنثروبولوجيين بتشكك؛ لا حيال النتائج المحددة فحسب، بل كذلك حيال التأطير التاريخي الأوسع، لا سيما منذ أن ظهرت ادعاءات مماثلة حول زوال مفهوم "الرجل الصياد" في السنوات السابقة.
يطفو مفهوم "الرجل الصياد" على سطح الوعي الشعبي كل بضع سنوات، في دورة متكررة. إنها ليست مسألة علم تجريبي؛ يبدو أن ثمة شيئًا أعمق فاعلًا هنا. لذلك، منذ بضع سنوات، بدأت أنا وزملائي التنقيب في تاريخ "الرجل الصياد"، وما وجدناه كان مختلفًا تمامًا عن القصة التي تُروى لنا عادة. فالنقاشات حول "الرجل الصياد" تقوم على خلط جوهري. خلال القرن الماضي، أشارت العبارة إلى ثلاثة أشياء مختلفة كليًا: أسطورة شعبية، ومؤتمر علمي، ونمط تجريبي ملاحَظ في مجتمعات الصيد والالتقاط.
تشكلت هذه المعاني في جزء كبير منها على يد رجلين - الكاتب المسرحي روبرت أردري والأنثروبولوجي شيروود واشبورن- حددت رؤاهما المتناقضة حول التطور البشري منحى النقاشات التي ستلي ذلك. ودمجُ هذه المعاني أتاح لمفهوم "الرجل الصياد" أن يستمر في حالة برزخية، متأرجحًا بين الأسطورة والعلم في كل من المجالات العامة والعلمية. لذلك، إلى أن نقوم بفكفكة هذا التشابك، ستظل هذه الفكرة تموت، وتحيا من جديد.
لم يبتكر كوبريك قصة "فجر الإنسان" التي أذهلت رواد السينما. كان يستمد من أفكار ظلت متداولة لعقود، أبرزها تلك التي تعود إلى عالم الأنثروبولوجيا القديمة رايموند دارت. ففي منتصف القرن العشرين، بناءً على ثلاثين سنة قضاها في فحص أحفوريات أسلاف البشر الأوائل المعروفين باسم "الأسترالوبيثس" في جنوب أفريقيا، طرح دارت أطروحة درامية: انحدر البشر من قرَدة متعطشة للدماء. وفي مقالته "انتقال الافتراس من القرد إلى الإنسان" (1953)، كتب دارت أن "غريزة العنف عند الإنسان القرد، وتطويره الناجح للأسلحة الفتاكة، هما ما منحاه السيطرة في عالم الحيوان منذ البداية. وتلك الغرائز لا تزال تسكننا اليوم". بالنسبة إلى دارت، كانت الأحفوريات دلائل على دراما تاريخية ملحمية. وكان يدرّس أفكاره ببراعة أسلوبية مماثلة: في المحاضرات، كان يرمي العظام في أرجاء القاعة، ليعيد تمثيل مشاهد المجزرة القديمة.
كانت أفكار دارت مثيرة للجدل منذ البداية. عام 1957، نشر واشبورن نقدًا حادًا حمل عنوان "الأسترالوبيثسينات: الصائدون أم المُصطَادون؟" وكان دارت قد ناقش بأن وفرة الجماجم في مواقع الكهوف الموجودة في جنوب أفريقيا تظهر أن الأسترالوبيثس كانوا مفترسين انتقائيين يحتفظون بتذكارات الصيد. لكن، عارض واشبورن ذلك معتبرًا أن من المرجح أكثر أن الضباع، التي كانت تفضل التهام الجثث وترك الجماجم وراءها، هي المسؤولة عن تلك الجماجم. واستنتج واشبورن ببرود: من المحتمل أن الأسترالوبيثس كانوا "الطريدة، وليس الصائدين".
علميًا، كانت نظرية دارت تفقد مكانتها. لكنه كان يملك ورقة رابحة في المعركة على كسب مخيلة الجمهور. فإذا كان عالم الأحياء توماس هنري هكسلي هو "بولدوغ داروين" (كلب حراسته الشرس)، فإن أردري هو بولدوغ دارت. لم يكن أردري عالمًا بل كاتبًا مسرحيًا. وبشعره المملس إلى الخلف، وفكه المربع، وولعه بالسرديات التعميمية، تمتع بمسيرة مهنية ناجحة ككاتب مسرحي وكاتب سيناريو في هوليوود قبل أن يعود، في أواخر الخمسينيات، إلى الأنثروبولوجيا التي كانت اهتمامه في مرحلة الدراسة الجامعية، مطلقًا على نفسه لقب "ريب فان وينكل" هذا الحقل المعرفي. تبنى أردري أفكارَ دارت بحماس تبشيري جارف. عام 1961، أطلق سلسلة كتب حققت أفضل المبيعات حملت عنوان "طبيعة الإنسان" ونقلت أفكار دارت إلى الجماهير العريضة: "ولدنا من قردة صاعدة، لا من ملائكة هابطة"، كتب في الكتاب الأول "سفر التكوين الأفريقي"، "والقردة كانت فوق ذلك قتَلة مسلحة".
احتفظ كوبريك بنسخة من كتاب "سفر التكوين الأفريقي" على مكتبه أثناء كتابة فيلمه "2001: أوديسة الفضاء". وقبل بدء التصوير، أعطى الممثل دان ريكتر الذي لعب دور القرد القائد "مراقب القمر"، نسخًا من مؤلفات أردري ودارت. "أنا مهتم بالطبيعة الوحشية والعنيفة للإنسان لأنها صورة حقيقية عنه"، قال كوبريك لصحيفة "نيويورك تايمز" عام 1972. "وأي محاولة لخلق مؤسسات اجتماعية بناءً على نظرة زائفة لطبيعة الإنسان محكومٌ عليها بالفشل على الأرجح". كان تأثير أردري يكمن في سرده القصصي أكثر مما يكمن في الأدلة العلمية. وكتبه - إلى جانب كتابي "القرد العاري" (1967) و"حديقة الحيوان البشرية" (1969) لعالم الحيوان ديزموند موريس- قدمت قصة شاملة عن أصول البشر باتت تمثل المعنى الأبرز لمفهوم "الرجل الصياد".
| |
| سعى أردري وراء الفرص الترويجية بحماسة، فألقى خطابات في جميع أنحاء العالم، ناشرًا إنجيله "القرد القاتل" |
إن هذه الصورة عن العصر الحجري القديم هي ما شكّلت - أكثر بكثير من الحجج العلمية لأنثروبولوجيا منتصف القرن- النقاشات الأخيرة حول الجندر، والعمل والتطور. ويظهر مثال كاشف حول هذا في مقالة نُشرت عام 2023 كتبتها عالمتا الأنثروبولوجيا الحيوية سارة لاسي وكارا أوكوبوك. فلتوضيح ما تعتبرانه المعنى الشعبي لمفهوم "الرجل الصياد"، تستشهدان بمشهد من الفيلم الهزلي "تاريخ العالم: الجزء الأول" (1981) لميل بروكس، يظهر فيه رجل كهف يضرب امرأة على رأسها ويجرها إلى كهف ("أول زواج للهوموسابيان"، الإنسان العاقل، كما يعلن الفيلم). هذه محاكاة ساخرة صريحة لفيلم كوبريك "2001". ومثل تلك الصور تنتمي إلى سلالة تمتد من دارت إلى أردري إلى كوبريك، ومن ثم تصب في الهجاء الشعبي.
سعى أردري وراء الفرص الترويجية بحماسة، فألقى خطابات في جميع أنحاء العالم، ناشرًا إنجيله "القرد القاتل". لكن، كان معنى ثانٍ للرجل الصياد يتشكّل، منزويًا في أركان الأوساط الأكاديمية الأكثر هدوءًا. في أبريل/نيسان 1966، عُقد مؤتمر في جامعة شيكاغو جمع عشرات الأنثروبولوجيين الذين كانوا قد عاشوا مع مَن تبقى من مجتمعات الصيادين-الملتقطين في أنحاء العالم. وقد اجتمعوا ليتناولوا سؤالًا بسيطًا: ماذا يمكن للصيادين-الملتقطين المعاصرين أن يخبرونا عن التطور البشري؟ وكما شرح لاحقًا منظما المؤتمر ريتشارد لي وإيرفين ديفور
- وكلاهما من طلاب واشبورن السابقين في مرحلة الدراسات العليا- فإن "الصيد" كان يُستخدم كاختزال للإشارة إلى طريقة حياة مجتمعات الصيد والالتقاط: عُصب صغيرة متنقلة تقتات على الأطعمة البرية، وهو النمط الذي ميز معظم التاريخ البشري.
اليوم، يُنظر إلى هذا المؤتمر بوصفه نقطة تحول في دراسات مجتمعات الصيد والالتقاط، إيذانًا بتبدل الحرس، كما يقولون. وبينما كان يلقي خطابه الرئيسي، أشار عميد الأنثروبولوجيا كلود ليفي ستروس إلى أنه كاد لا يتعرف على أحد في المؤتمر، وأن "الفئة العمرية تغيرت". شهد المؤتمر نقاشات صاخبة حول الصيد، والعنف، وتقسيم العمل على أساس الجنس، وغير ذلك. وهذه النقاشات مجتمعة، أدت إلى تشكل صورة جديدة جذريًا للصيادين-الملتقطين؛ صورة ساهمت فيها النساء والنباتات بشكل كبير في اقتصاديات الصيد والالتقاط؛ صورة لم تكن فيها العُصب القائمة على الذكور هي القاعدة العامة في تاريخ التطور البشري؛ صورة لم يعمل فيها الصيادون-الملتقطون سوى بضع ساعات في اليوم، فكانوا يعيشون حياة أطلق عليها المتحدث في المؤتمر مارشال سالينز رغدَ عيش "الزِن".
وإذا كان المؤتمر متطلعًا إلى المستقبل بطرق عديدة، فإن اسمه بالتأكيد ليس كذلك. سول تاكس، وهو أستاذ في جامعة شيكاغو كان أول من فكر بعقد المؤتمر، اقترح على واشبورن، رئيس المؤتمر، أن يطلق على المؤتمر اسم "الرجل الصياد"، وهو الاسم ذاته الذي سيتشاركه مع مجلد المؤتمر الذي نُشر بعد سنتين. والمفارقة، إذًا، أن عنوان "الرجل الصياد" يعطي فكرة خاطئة عن محتويات الكتاب الفعلية، وهي خصوصية تاريخية ظلت تغيظ ريتشارد لي لسنوات. وقد أشار مرة إلى أن عنوان "الرجل الصياد" كان يمكن بذات السهولة أن يكون "المرأة الملتقطة". وقد أخبرني مؤخرًا أنه اعترض على واشبورن في ذلك الوقت قائلًا له: "مع عنوان مثل 'الرجل الصياد'، سنتلقى الكثير من رود الفعل السلبية من الأنثروبولوجيا النسوية، فهل يمكننا اختيار عنوان لا يضع 'الرجل' في المركز؟". "أوه لا"، أجاب واشبورن. "إنه ليس بالأمر الهام. لا، لا مشكلة في ذلك على الإطلاق".
| |
|
كتب أردري -إلى جانب كتابي "القرد العاري" (1967) و"حديقة الحيوان البشرية" (1969) لعالم الحيوان ديزموند موريس- قدمت قصة شاملة عن أصول البشر باتت تمثل المعنى الأبرز لمفهوم "الرجل الصياد" |
من شأن شخص مثله أن يقول أمرًا كهذا. فخلال نشأته في كامبريدج، ماساتشوستس، كان واشبورن دائمًا الصبيَّ الأصغر حجمًا في صفه. وعلم الحيوان، كما قال لاحقًا، كان وسيلته لخلق حياة تتوافق مع افتقاره إلى البراعة الجسدية. مع ذلك، نظرية واشبورن حول التطور البشري وضعت البراعة الجسدية في مركز الصدارة. ما الذي يفسّر السمات المميزة للبشرية؟ وضعيتنا المنتصبة، أدمغتنا الكبيرة، ثقافتنا، قدرتنا على التعاون؟ بالنسبة إلى واشبورن، الصيد يستوفي كل هذه الشروط.
لم يقدم واشبورن ورقة بحثية خاصة به في مؤتمر "الرجل الصياد". لكن، بعد سنة أو نحو ذلك، قدم فصلًا شارك في تأليفه حمل عنوان "تطور الصيد"، وأصبح جزءًا من المجلد المنشور للمؤتمر. وجاء فيه: "بمعنى حقيقي للغاية، عقلنا، واهتماماتنا، وعواطفنا، وحياتنا الاجتماعية الأساسية- هي جميعها نواتج تطورية لنجاحنا في التكيف مع الصيد".
ظاهريًا، تبدو أفكار واشبورن في ذلك الفصل قريبة من أفكار أردري. فكلاهما شدد على ممارسة الرجال للصيد، واعتبر العنف متأصلًا بيولوجيًا فينا إلى درجة ما. وكلاهما تصور النساء بوصفهن ملازمات للموقد المنزلي إلى حد كبير.
فكيف إذًا، تحديدًا، كانت أفكار واشبورن متمايزة عن أفكار أردري؟ ثمة أمر واحد واضح: لم يكن أحد أكثر مجاهرة في شأن اختلافاتهما من واشبورن وأردري نفسيهما.
مع بلوغه سن الرشد في الثلاثينيات، تمامًا بينما كان "الاصطناع التطوري الحديث" يتبلور، رسّخ واشبورن نفسه كمنظّر للمنهجية، معنيًّا بكيفية اختبار المزاعم المتعلقة بأصول البشر. وفي ذلك الوقت، كانت الأنثروبولوجيا الفيزيائية لا تزال منشغلة بالأنماط العرقية والتصنيف العرقي. لكنّ واشبورن دفع الحقل في اتجاه مختلف: نحو النظرية التطورية، والتنوع، واختبار الفرضيات. ومقاربَته تجاوزت الحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية، ما ساعد على تحويل الأنثروبولوجيا إلى علم حقيقي. وقد دعا هذا المشروع: "الأنثروبولوجيا الفيزيائية الجديدة".
زار واشبورن شعبَ البوشمن في صحراء كالاهاري، لكنه لم يجرِ أي عمل ميداني متواصل مع مجتمعات الصيادين-الملتقطين. رغم ذلك، كان لديه من بعد النظر ما جعله يفهم أن لهم دورًا حاسمًا يلعبونه في دراسة التطور البشري. بالنسبة إليه، الصيادون-الملتقطون المعاصرون لم يكونوا أحفوريات حية، إنما مصادر منقوصة ومشروطة تاريخيًا لتقديم بيانات مقارنة. والهدف من مؤتمر "الرجل الصياد" كان عرض هذه الأدلة المتراكمة.
لم يوافق أردري على ذلك. فقد كان معاديًا لاستراتيجية إعادة بناء الماضي من خلال دراسة الصيادين-الملتقطين المعاصرين. عوضًا عن ذلك، كان مهتمًا بالمراحل الأقدم من التطور البشري السابقة على ظهور الثقافة، مشدّدًا على المقارنات مع الذئاب وغيرها من الرئيسيات. الصيادون-الملتقطون، حسب رأيه، تغيروا كثيرًا بفعل العالم الحديث، وكانوا متطورين تكنولوجيًا لدرجة تجعلهم غير مفيدين في إعادة بناء تصورات عن مرحلة ما قبل التاريخ. في كتابه "فرضية الصيد" (1976)، كتب أردري: "مغالطة 'الأحفوريات الحية' مقبولة لدى المراقبين الذين يتخذون من شعوب الصيد المعاصرة نموذجًا ليخبرونا عن أساليب عيشنا في العصور القديمة". لقد كان الصيادون-الملتقطون "خاسري التطور البشري"، على حد تعبيره في كتاب "العقد الاجتماعي" (1970). وبانتقاد، لا يذكر أردري في كتبه مؤتمرَ "الرجل الصياد" إلا بصورة عابرة، وغالبًا بازدراء.
من جهتهم، تجاهل الأنثروبولوجيون المهنيون أردري أو ازدروا أفكاره. فبالنسبة إليهم، كان أردري مستخفًا بشدة بالثقافة. لم تكن الثقافة مجرد طبقة يمكن تقشيرها للوصول إلى الجوهر الحقيقي للطبيعة البشرية. لا: الثقافة هي الطبيعة البشرية ذاتها. كذلك، لا يحتوي مجلد "الرجل الصياد" إلا على ذكر نقدي واحد فقط لأردري، بينما يخلو من أي ذكر لدارت. وعلى حد تعبير سالينز في مراجعته لكتاب "سفر التكوين الأفريقي"، الرؤية التي قدمها أردري حول الطبيعة البشرية "لا تعتبر الأدلة الأنثروبولوجية المتراكمة حول سلوك البشر ذاتَ صلة". وكتب الأنثروبولوجي إدموند ليتش عن كتاب أردري "الحتمية الإقليمية" (1966) أنه: "من الأفضل تركه وشأنه تمامًا". واشبورن أيضًا لم تعجبه أعمال أردري، واصفًا إياه بأنه "مروج لبيانات لا يفهمها".
لكن ربما كان الاختلاف الأكبر بين واشبورن وأردري يكمن في أسلوب ممارستهما العلمية، وهنا نلمس الفارق بين صناعة العلم وصناعة الأساطير. ففصل واشبورن في مجلد "الرجل الصياد"، رغم أنه لا يروج للصيد، مختلف تمام الاختلاف عن كتب أردري من حيث الطابع والنبرة. فالمشكلة تمت مقاربتها من زوايا متعددة، والاعتراضات سُبِرت، والافتراضات حُدِّدت بوضوح. بكلمات أخرى، كانت آراء واشبورن قابلة للتطور، وخاضعة لسهام العملية العلمية وانتقاداتها التي تدفع بالبحث إلى الأمام. إن شئنا الصراحة، كان واشبورن عالمًا جيدًا بحق.
روى أردري قصة جيدة، لكن توصيفه للطبيعة البشرية هو، في آخر الأمر، أجوف علميًا. وكتاباته تستشهد بالأدلة الداعمة بحرّية بينما تتجاهل الأدلة المناقضة، كما أنه يبدو غير مهتم بتوليد مزاعمَ قابلة للاختبار. لقد كانت آراء أردري منقوشة في الصخر منذ البداية، وتغذت على البارانويا؛ كان يرى في وضعه كمنبوذ من المجتمع الأنثروبولوجي دليلًا على صحة آرائه. وكان ديفور يدرّس أعمال أردري في مناهج الدراسات العليا في جامعة هارفارد لا لشيء إنما ليظهر لطلابه كيف لا تكون ممارسة العلم.
| |
| كانت آراء واشبورن قابلة للتطور، وخاضعة لسهام العملية العلمية وانتقاداتها التي تدفع بالبحث إلى الأمام (Getty) |
هذا الفارق الحاسم في الممارسة العلمية يمكن ملاحظته في الإرث الفكري لكل من الرجلين. طلاب واشبورن، الكثير منهم مشهورون اليوم، مضوا في إجراء أبحاث متطورة في مجالات الميكانيكا الحيوية التجريبية، وعلم دراسة الرئيسيات، وعلم الأحفوريات وعلم الآثار. وسلالته الفكرية هائلة، يعود إليها وجود حوالي 40 في المائة من علماء الأنثروبولوجيا الحيوية الموجودين اليوم، بمن فيهم أنا.
هذا الإرث هو ما يشير إلى المعنى الثالث والأخير لمفهوم "الرجل الصياد": انتظام تجريبي نشأ خلال مؤتمر عام 1966 وفي المراحل اللاحقة. مفهوم "الرجل الصياد"، كما كتب لي وديفور في مقدمتهما للمجلد اللاحق، "أثار من الأسئلة أكثر مما أجاب عنه". سجّلَ المؤتمر ولادة دراسات الصيادين-الملتقطين بوصفها حقلًا معرفيًا متمايزًا. وقد ألهم الأنثروبولوجيين ليشرعوا في أعمال ميدانية منهجية حول سلوك الصيادين-الملتقطين. كذلك، بدمجه مع أعمال نظرية جديدة حول تطور السلوك الاجتماعي، بما في ذلك علم الأحياء الاجتماعي، ساعد المؤتمر في نشوء علم البيئة السلوكي البشري في بداية الثمانينيات، وهو تقليد بحثي ركز على التنوع، والبيئة، واتخاذ القرارات. وهذه المقاربة ساعدت علم التطور البشري على تجاوز الثنائيات التي كانت سائدة عندما صيغت عبارة "الرجل الصياد" لأول مرة. فطوال عقود، لم يكن الصيد يُفهم بوصفه تكيفًا تعريفيًا مفردًا، بل كجزء من التزام تطوري أوسع بنظام غذائي عالي الخطورة، وعالي المردود، ويتطلب تعاونًا مكثفًا.
مع انتشار الباحثين الميدانيين عبر العالم، أصبحت الملاحظات الحكائية أنماطًا منهجية: يميل الرجال إلى الصيد وتميل النساء إلى الالتقاط. هذا تقسيم جنسي، أو جندري، للعمل. لكن، يتحدث الأنثروبولوجيون اليوم عن هذا الأمر بطريقة مختلفة للغاية عن باحثي الستينيات الذين غالبًا ما كانوا يصورون تركيز النساء على الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال على أنه نوع من العجز أو العبء: كانت الإناث لا حول لهن، ينتظرن عودة الرجال باللحم. في المقابل، النظريات الجديدة، ترى النساء بوصفهن فاعلات مستقلات يسعين وراء أهدافهن الخاصة. والقوة البدنية لم تكن الشيء الرئيسي الذي يمنع النساء من الصيد، كما أن أي فكرة عن التعطش للدماء لم تعد تؤخذ على محمل الجد على الإطلاق. بدلًا من ذلك، ينشأ التقسيم الجندري للعمل لأن الرجال والنساء يختلفون، في المتوسط، في تحملهم لمخاطر البحث عن الطعام. واللفظ المُقيِّد "يميل" أمر حاسم هنا. فحتى في مؤتمر "الرجل الصياد"، أشير إلى أن النساء يصطدن أحيانًا؛ وهي نقطة لم تكن يومًا محل خلاف.
مع وضع هذا التاريخ في الاعتبار، بوسعنا الآن أن نرى بوضوح أن الخلط الذي يحيط بمفهوم "الرجل الصياد" ينشأ عندما تُختَزل معانيه العديدة إلى معنى واحد. ولأن واشبورن كان ذا تأثير كبير - ولأن الفصل الذي كتبه في "الرجل الصياد" يتوافق تمامًا مع عنوان الكتاب- فقد أُخذ هذا الفصل غالبًا باعتباره البيانَ البرنامجيّ للمؤتمر. على سبيل المثال، في كتابه "الشرارة الإبداعية: كيف جعل الخيالُ البشرَ استثنائيين" (2017)، وصف الأنثروبولوجي أوغستين فوينتيس أطروحةَ المجلد بالقول: "الإنسان البدائي (وكانوا يقصدون الذكور فحسب، وليس الإناث) أعد لنفسه ولمجموعته مكانًا في العالم من خلال تجمعهم معًا، واستخدام العصي الحادة والحجارة ذات الحواف الحادة لمطاردة الحيوانات، وقتلها، واستهلاكها". بالمثل، ناقشت لاسي وأوكوبوك قائلتين: "مصطلح 'الرجل الصياد' ودلالاته الحديثة صيغت في مؤتمر، ومن ثم رُوِّج لها في مجلد محرَّر يحمل الاسم ذاته".
تخلط هذه المزاعم مفاهيم متمايزة. وكما لاحظنا، كان أردري في الأساس هو المسؤول عن هذه "الدلالات الحديثة". علاوة على ذلك، مؤتمر "الرجل الصياد" لم يكن مونوليثًا (كتلة أحادية) من المعتقدات؛ من الصعب الإشارة إلى أي فرضية مفردة أو أجندة مفردة تشاركها جميع المشاركين.
المسألة هنا ليست فيما إذا كان الصيد قد شكّل البشرية أم لا. بل بالأحرى أن جودة التفسيرات التطورية تتوقف على جودة الوسائل اللغوية التي تنقلها. وكما يُظهر الجدال حول عبارات موحية مثل "الجين الأناني"، فإن "الرجل الصياد" ليس سوى مثال واحد عن ظاهرة أوسع، ظاهرة يُوجَّه فيها النقد إلى صورة كاريكاتورية وليس إلى علم فعلي.
عندما ضجت وسائل الإعلام بالحديث عن زوال مفهوم "الرجل الصياد" مؤخرًا بين عامي 2020 و2023، كانت الهوة بين الإجماع العلمي حول المفهوم وطريقة تصويره للجمهور مثيرة للقلق. فعبارة "الرجل الصياد" بقيت حية تحديدًا لأنها موحية، وصورها الثقافية المرتبطة بالعنف والجنس - قرد كوبريك القابض على عظمة أو رجل الكهف الهزلي عند بروكس- أكثرُ قابلية للتذكر بكثير من التفاصيل الجوهرية للنقاش العلمي. والأهم من ذلك، أنها تبقى حية لأنها غامضة. ومعانيها المتعددة تقيم جسرًا بين العلم والأسطورة، لدرجة أنه في الممارسة العملية يمكن إعداد تلك العبارة لتعني أي شيء تقريبًا.
بهذا المعنى، التباين بين أردري وواشبورن هو صورة مصغرة عن المشكلة. فرؤية أردري التعميمية والدرامية لأصول البشرية ومشروع واشبورن العلمي الأكثر حذرًا، وقعا في شراك العبارة ذاتها - الرجل الصياد- ما أدى إلى طمس الحدود بين الأسطورة والعلم.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن مفهومًا ما يمكن أن يصبح مرنًا للغاية لدرجة أن النقاشات حوله لا تعود مستندة إلى الأدلة، بل إلى أي تفسير يثبت أنه الأكثر فائدة من الناحية البلاغية.
(*) فيفيك في. فينكاتارامان: أستاذ مساعد في قسم الأنثروبولوجيا وعلم الآثار في جامعة كالغاري، كندا. حاصل على دكتوراه في علم البيئة والتطور البيولوجي من جامعة دارتموث. رئيس تحرير مجلة "Hunter-Gatherer Research" المتخصصة في مجتمعات الصيد والالتقاط، والمدير المساعد لـ"مشروع بحوث قردة الجيلادا في منطقة غواسا في أثيوبيا"، والمؤسس المشارك والباحث الرئيسي المشارك في "مشروع صحة وأنماط حياة شعب الأورانغ أسلي" بشبه جزيرة ماليزيا.
رابط النص الأصلي:
https://aeon.co/essays/why-man-the-hunter-continues-to-die-and-return


تحميل المقال التالي...