"نعم، حدث كلّ ذلك منذ زمن بعيد، لكنه لم يغادرني أبدًا. أردت أن أغرقه في صخب الأيام، أن أقلّل من أهمّيته وأتخفّف من ثقله مع مجريات الأحداث. وكنت أنجح أحيانًا بالفعل في تجاهل الأمر برمته في هدوء، واعتباره لم يكن فظيعًا إلى هذا الحد، شكرت نفسي على تجلّدي، الذي هو، كما هو معروف، شقيق الحكمة الحقيقية. لكن بين الحين والآخر كنت أهزّ نفسي لأستيقظ وأتعجّب من مدى سهولة الاستسلام للإغراء، والسماح لنفسي بأن تُضلل وأنا متيقظ، لأنضمّ تلقائيًا إلى ذلك القطيع الكبير والمشاع من الكذّابين (الذي تكوّن بسبب الجهل واللامبالاة والمراوغة والأنانية الصريحة التي لا تخجل)، واستبدال حقيقة كبيرة بمجرد رفع كتف متعجرف من آثم عجوز له روح متصلبة. أدركت أنني لم أعد أستطيع التردّد، وعلى الرغم من أني لم أكن قد قررت بعد أين يكمن المخرج، بدا لي على أي حال أن من الأفضل أن أبدأ الحديث وأروي القصة بدلًا من الصمت".
بهذه الافتتاحية تبدأ رواية عبرية صغيرة صدرت منتصف عام 1949، أي بعد شهور قليلة فقط من تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وحملت الرواية الصادرة في القدس عنوان "خربة خزعة" للكاتب الإسرائيلي س. يزهار، وهو يزهار سميلانسكي (1916 - 2006)، ضابط الاستخبارات السابق في الجيش الإسرائيلي، والذي شارك أثناء حرب 1948 في عشرات المذابح التي أدّت في النهاية إلى قتل وتهجير آلاف الفلسطينيين من قراهم، قبل إحراق بيوتهم وأكواخهم.
بطل الرواية وراويها جندي إسرائيلي يتلقّى أوامر "عملياتية" من وحدته العسكرية في صباح أحد الأيام الشتوية الصافية بالهجوم على قرية فلسطينية عام 1948 وقتل وتهجير جميع سكانها، و"خربة خزعة" هنا هو اسم هذه القرية الفلسطينية المتخيّلة، والتي يتّخذها الراوي كنموذج لما تمّ تنفيذه في عشرات القرى الفلسطينية التي هُجّرت عام 1948.
تتحدّد المهمّة العسكرية بشكل أوضح في البرغراف الثاني من الفصل الأوّل، فنقرأ: "لكن ربما من الأفضل أن أبدأ بطريقة أخرى وأذكر على الفور الهدف المحدّد مسبقًا لذلك اليوم بأكمله، بدءًا من "الأمر العملياتي" رقم كذا، الصادر في اليوم كذا من الشهر كذا، والذي ورد فيه بشكل عابر، وفي سطر ونصف في الفقرة الأخيرة تحت العنوان الغامض "أمور متنوعة"، أن المهمة يجب أن تنفّذ "بحزم ودقة"، ولكن على أي حال لا يجوز السماح بـ"الانفجارات" (كما ورد) أو "السلوك الفوضوي"، ما يوضح على الفور أن تلك الكلمات لم توجد من فراغ، وأن كلّ شيء كان ممكنًا، ناهيك عن تخطيطه وتوقّع حدوثه".
على هذا النحو الذي لا مداراة فيه، يبدّد سميلانسكي منذ الصفحة الأولى لروايته الادّعاءات الإسرائيلية القائلة بأن عمليات التهجير الوحشية التي تمّت آنذاك ضدّ مئات القرى الفلسطينية لم تكن بأوامر مباشرة من القيادة العسكرية الإسرائيلية، بل حدثت على يد "عناصر مارقة" في ميليشيات الهاغاناه، وهو ما ينفيه الراوي في البرغراف الثالث من الفصل الأول، حيث يتلقّى الجنود "أوامر عملياتية" تنصّ صراحة على أن مهمَّتهم تتمثّل في: "تجميع السكان من النقطة x (انظر الخريطة المرفقة) حتى النقطة y (الخريطة المذكورة أعلاه)، وتحميلهم على الشاحنات والعربات ونقلهم إلى ما وراء خطوطنا؛ ثم تفجير المنازل الحجرية وحرق الأكواخ الطينية؛ وأسر الشباب والمشتبه بهم و"تطهير" المنطقة من "العناصر المعادية" وما إلى ذلك، بل ويتبّين الآن مدى الأمل الكبير والصادق الذي عقدوه على منفذي المهمة، فكان عليهم في أثناء كل هذا "الحرق والتفجير والأسر والتهجير والنقل" التصرف "بأدب شديد، وضبط للنفس، وتحضّر حقيقي"، ما يمكن اعتباره علامة على العقلية السائدة والتربية الحسنة، وربما أيضًا على الروح اليهودية وعظمتها".
بعد مرور 77 عامًا كاملة على الصدور الأول لرواية "خربة خزعة"، تعود اليوم من جديد إلى الواجهة في اللغة الهولندية، إذ أصدرت دار "Cossee" الهولندية ترجمة جديدة للرواية تحت عنوان "قصة خربة خزعة: أغنية الفراغ"، نقلها عن العبرية المترجم الهولندي روبن فيرهاسيلت، وتضمنت الترجمة الجديدة خاتمة بقلم الكاتب الأميركي اليهودي ناثان ثرال، صاحب كتاب "يوم في حياة عابد سلامة" (2023)، يربط فيها بين زمن كتابة "خربة خزعة" في أعقاب حرب 1948، وبين ما شهدناه - ولا نزال نشهده - يحدث في غزة وفلسطين ولبنان وإيران والعالم العربي كله منذ اندلاع طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
كان يزهار سميلانسكي من يهود الصابرا الذين ولدوا في فلسطين عام 1916، وترقى في الجيش الإسرائيلي حتى أصبح ضابط استخبارات خلال حرب 1948، وبعد عام واحد من مشاركته في مذابحها كتب هذه الرواية القصيرة عن إخلاء وتدمير قرية فلسطينية خيالية، مستندًا إلى تجاربه الشخصية، لذا اعتُبرت الرواية منذ ظهورها وثيقة حية للمجازر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين من قراهم عام 1948. وربما لهذا السبب تحديدًا ظلّت الرواية لسنوات طويلة على قائمة الكتب المقرّرة في المناهج الدراسية الإسرائيلية، باعتبارها تاريخًا ونقدًا ذاتيًا وتحذيرًا، واعتبرت منذ صدورها واحدة من النصوص المؤسّسة للأدب العبري الحديث، لكن مصير الرواية الصغيرة تغيّر تمامًا بعد حرب عام 1967، إذ أصبحت "كتابًا محظورًا"، وحذفت من المناهج الدراسية تمامًا، وتركت على أرفف المكتبات متربة ومنسية. إلى أن جاء عام 1978، ونُقلت الرواية إلى الشاشة الصغيرة في فيلم تلفزيوني صوّر في بلدة المدية التابعة لمدينة رام الله للمخرج الإسرائيلي رام ليفي. وحينها ثارت الضجة من جديد في إسرائيل حول الرواية وكاتبها، وبدأت حملات الهجوم لمنع عرض الفيلم، خاصة وأنه أنتج من قبل التلفزيون الإسرائيلي الرسمي. وتحت ضغط الحملات المطالبة بوقف العرض، قام وزير المعارف آنذاك زفولون هامر بمنع عرض الفيلم لفترة قصيرة، ولكن فشلت محاولاته تمامًا بعد تدخّل سلطة البثّ الإسرائيلية التي سمحت بعرض الفيلم للجمهور. ولكن العاصفة لم تهدأ رغم ذلك، واعتبر الفيلم منذ ذلك الحين "كاذبًا"، وأطلقت الصحف على س. يزهار لقب "كاره إسرائيل".
كتبت الرواية بلغة قوامها الجمل السريعة المقتضبة، مستوحية على الأرجح لغة الجنود التي تتّسم بالأوامر العسكرية السريعة التي لا تحتمل تأويلًا، لكن الكاتب الذي يتّخذ من بطله راويًا أساسًا، سرعان ما يغير لغته الحاسمة تلك إلى أخرى ضبابية ومتخبطة حين ينتقل لسبر أغوار أفكار بطله أمام تلاحق الأحداث، وخاصة حين يراوده الشك أكثر فأكثر أمام فظاعة المهمة الموكلة إليهم، فيبدأ في التعبير عن اعتراضاته أمام موشيه، قائد الفرقة العسكرية، طارحًا الأسئلة المشروعة على رئيسه، ما لا يلقى بالطبع تقديرًا من الجنود الآخرين، وتبدأ الآراء الأخرى تفنيد مخاوفه وشيطنة الفلسطينيين كمسوغ وتبرير لمهمتهم التي عليهم القيام بها.
بالتزامن مع "الأمر العملياتي" الذي يحدّد الهدف، نرى الأوضاع في التلال المحيطة بـ "خربة خزعة" بعيدة كل البعد عن الحضارة، فهناك "تطهير عرقي حقيقي" يحدث باستمرار، وجميع الجنود "يعانون من إصبع سريع على الزناد"، ويفضّلون القضاء على "العدو" بسرعة ليصلوا إلى منازلهم في الوقت المناسب لتناول العشاء: "عندما كنّا قد بدأنا للتو في دخول القرى التي تم احتلالها، كنّا لا نزال انتقائيين لدرجة أننا كنّا نفضل البقاء واقفين أو السير طوال اليوم، فقط لكي لا نضطر إلى الجلوس على أرض القرية، التي لم تكن أرضًا زراعية، بل طبقة قذرة متعفنة، مقززة، بصقت عليها أجيال وسقتها بالماء وتركت عليها فضلاتها وفضلات أبقارها وجمالها. تلك الأكوام الترابية الغبرة حول الأكواخ، المليئة برائحة القمامة المنبعثة من المساكن البشرية الضيقة والفقيرة. كان كل شيء هناك قذرًا وكان لمس أي شيء أمرًا مثيرًا للاشمئزاز، لكن في ذلك المساء نفسه كنا جميعًا مستلقين على تلك الأرض المقززة المليئة بالبول، مرتاحين، وقلوبنا متصلبة تجاه كل شيء، ننفجر بين الحين والآخر في ضحك يغشى العيون".
لكن اليوم تحديدًا هناك شيء ما مختلف، فما بدأ كـ"نزهة" في الصباح الباكر ها هو يتحول تدريجيًا إلى "تأخير مزعج" في المساء. ولا أحد يعرف معنى الانتظار أفضل من الجنود، يقول سميلانسكي واصفًا صبر الجنود: "لا أحد يعرف معنى الانتظار أفضل من الجنود، في كل زمان ومكان ينتظر الجنود وينتظرون؛ ينتظرون في مواقع مرتفعة، ينتظرون الهجوم، ينتظرون الانطلاق، ينتظرون أثناء وقف إطلاق النار؛ هناك الانتظار الطويل الذي لا يرحم، وهناك الانتظار المليء بالقلق والتوتر، وهناك أيضًا الانتظار الممل الذي يلتهم كل شيء ويحرقه، بلا نار ولا دخان، بلا هدف ولا أي شيء على الإطلاق. تستقر في مكان ما، تستلقي هناك.. وتنتظر".
| من مشاهد التهجير الفلسطيني عام 1948 |
يطول الانتظار كما هو متوقع، فيتزايد الاستياء والتململ بين الجنود، وتبدأ أوتار الشك تتحرك داخل عقل الراوي، فيبدي شيئًا ما من المقاومة في تنفيذ الأوامر والجدال حول ضرورتها، بل ويتجرّأ على أن يخاطب موشيه قائد الفرقة بكثير من الصلف حول ما يفعلونه بهؤلاء الأبرياء العزل، ولندع السرد هنا للراوي الذي يقول: "بعد ذلك وصلنا إلى تلة، حيث جلسنا القرفصاء في ظل سياج من الصبار، وكنا مستعدين لتناول شيء ما لو لم يستدعنا شخص يدعى موشيه، قائد المجموعة، الذي أطلعنا على الوضع والمحيط والمهمة. واتضح من كلامه أن المنازل القليلة الواقعة عند سفح تل آخر تشكل قرية "خربة خزعة"، وأن جميع المزارع والحقول المحيطة تنتمي إلى هذه القرية، التي كانت مشهورة بآبارها الكثيرة وتربتها الخصبة ومحاصيلها الوفيرة وأيضًا بسكانها، الذين قيل إنهم أناس سيئون، يساعدون "الأعداء" ومستعدون لارتكاب أي شر بمجرد أن تسنح لهم الفرصة؛ فإذا صادفوا يهودًا، على سبيل المثال، في طريقهم، فيمكنك أن تثق تمامًا في أنهم سيقضون عليهم بطريقة وحشية، كانوا من هذا النوع من الناس، وهذه كانت طبيعتهم".
يصف الراوي السبل التي انتهجها الجيش الإسرائيلي آنذاك لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، ما جعل جنود الفرقة العسكرية المكلفة بتهجير سكان "خربة خزعة" يعاملون المدنيين الفلسطينيين بكل وحشية، وهو ما نستشفه من حوار يدور بين الجنود قبل الهجوم على القرية: "قال غابي ’يا لها من أماكن جميلة يمتلكونها’. فأجابه القائد ’كانوا يمتلكونها، الآن صارت ملكنا’. قال غابي: ’من أجل مكان مثل هذا يا شباب كنا سنقاتل بكل ما أوتينا من قوة، لكنهم يهربون، أنهم حتى لا يقاومون’. قال القائد: ’انسوا هؤلاء العرب، إنهم ليسوا بشرًا حتى’".
يحاول موشيه في مقطع آخر تهدئة المشاعر المتضاربة التي تمور داخل بطلنا المتشكك، فيقول له إن المهاجرين اليهود سيأتون ويحلّون محل هؤلاء الفلسطينيين الذي سيتم طردهم من "خربة خزعة"، فيفكر بطل الرواية: "سنفتح متجرًا تعاونيًا، وننشئ مدرسة، وربما حتى كنيسًا. ستكون هنا أحزاب سياسية تناقش جميع الأمور، سنحرث الحقول ونزرع ونحصد ونحقق إنجازات عظيمة، عاشت ’خزعة العبرية’، من كان يتخيل أنه كانت هناك ذات يوم ’خربة خزعة’، قمنا بإخلائها واستولينا عليها لأنفسنا، جئنا وأطلقنا النار، أحرقنا وفجّرنا وطردنا وهجَّرنا وأرسلنا إلى المنفى. ماذا كنا نفعل في هذا المكان بحق الله"؟!
بعض القراءات موجعة، ومنها قراءة شهادة نراها تتكرّر أمام عيوننا منذ ثمانية عقود كاملة، ولكن تكرارها المستمر هذا يزداد وحشية وصلفًا يومًا بعد الآخر، حتى ليتساءل المرء: هل هو التاريخ يكرّر نفسه كما يقولون، أم "نكبة" جديدة تضاف إلى ما سبقها من نكبات مللنا عدّها، ناهيك عن التعلّم من دروسها؟


تحميل المقال التالي...