ترجمة: سارة حبيب
اختر أي مطعم اسكندنافي في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة، ولن تجد حليب الماعز ولا لحمها، المفضلين لدى الإله النورسيّ ثُور، يتنافسان فيه مع توت اللينغونبيري، أو سمك اللوتيفِسك، أو خبز الليمبا. وهذا ينطبق على مطعم "أل. جونسون" في مقاطعة دور، ويسكونسن، حيث لا تظهر الماعز في قائمة الطعام بل على السطح في أشهر نمو العشب القصيرة. حلّت أولى الماعز في المكان عام 1973، كهدية عيد ميلاد قدمها وينك لارسون لتشذيب سقف "أل" المكسو بالعشب. وبهذا أصبحت السلفَ لقطيع شهير الآن على إنستغرام، وملهمة فكرة كذبة نيسان حول نوادل الماعز الروبوتية الجديدة في مطعم أل. لكن، وفقًا لصحيفة "دور كاونتي أدفوكيت"، فإن أولى الماعز لم تُثِر بين مواطني تلك مدينة المطلة على بحيرة ميشيغان سوى تعبيرٍ غير مبالٍ: "ميه... لا يهم".
هكذا، تمتع أل. جونسون، صاحب المطعم وعضو مجلس أمناء المدرسة المحلية، بامتيازات تخص الماعز لم تُمنح لأسلافه من النخبة القديمة في هيراكليا. فمواطنو تلك الجزيرة ذات الثمانية عشر كيلومترًا الواقعة بالقرب من ناكسوس في بحر إيجه أصدروا مرسومًا يمنع تربية الماعز؛ وهو المرسوم الذي تبين أنه كان ذا عواقب هائلة على تطور المدينة- الدولة ("البوليس") القديمة.
هذا ما يراه أستاذ الكلاسيكيات في جامعة كولومبيا، جون ما، الذي تبدأ دراسته المرجعية التي تقع في 736 صفحة بهذا المرسوم القديم الخاص بالماعز. صدر المرسوم خلال فترة يدعوها جون ما "التقارب الكبير" حين حُجبت مدن "البوليس" (المدن-الدول) غير الديمقراطية بعد صراع القوى العظمى في حرب المائة عام (464-355 قبل الميلاد) لتحلّ محلها مدن "البوليس" الديمقراطية وفق نموذج أثينا. يستشهد جون ما مرارًا بكتاب "السياسة" لأرسطو، لكن منظوره، لحسن الحظ، أوسع بكثير من منظور أرسطو، إذ إنه يستفيد من أدلة المؤرخ الحديث ومناهجه، ومن مسح تاريخي طموح. والنتيجة هي سيرة ذاتية لـ"البوليس"، تمتد من نشأتها حوالي عام 1200 قبل الميلاد، ثم تستكشف "قفزتها الطويلة" نحو "حالة الدولة" بحلول القرن السابع قبل الميلاد، لتشق طريقها عبر "التحول الطويل" الذي سببته، جزئيًا على الأقل، الإمبرياليةُ الرومانية، عندما ازدهرت مدن "البوليس" (على نحو مفاجئ)، وصولًا إلى القرن الرابع الميلادي.
يحدد جون ما ستة "مُوجِّهات" تاريخية ميزت "البوليس" من البداية تقريبًا: المؤسساتية، والمثالية، والمصالح، وهي ما يدعوه "الحسنات"؛ والعنف، وسلطة النخبة، والإقصاء، وهي ما يدعوه "السيئات". وبينما كانت مدن "البوليس" تُمثَّل في الأساس بمجموعة من المواطنين واسم مكان، فإنها كانت تحكم نفسها بنفسها، ولذلك وُجدِت كدول تتمتع بالاستقلال الذاتي (Autonomia). وبالتالي، كانت تحتاج إلى مؤسسات، وهي ما يعني به جون ما في الغالب (وعلى نحو محدود أكثر مما يجب) المنظمات السياسية. كان من الممكن التعرّف على مدن "البوليس" من خلال مثال أعلى مشترك، أي الصالح العام الذي تحققه "سياسات الفضيلة" التي تمارسها النخب على وجه الخصوص. وقد جرى موازنة مصالح هذه النخب مع مصالح عامة المواطنين من خلال نظام حمل اسم "Euergetism" (الإحسان العام، حيث يقوم الأثرياء والنخب طواعية بتوزيع جزء من ثرواتهم الخاصة على المجتمع). ويضم هذا النظام مساهمات لتجميل الأماكن العامة، وهو ما أعاد توزيع الموارد، وحدّ من قدرة النخب على تحويل رأس المال المالي إلى رأسمال اجتماعي.
| |
| إن عمل جون ما المذهل، "البوليس"، يذكّرنا بالسبب الذي يجعل الذكريات الدقيقة حول عالم "البوليس" الإغريقي المؤسِّس قادرةً على تغذية مؤسساتنا الديمقراطية مرة أخرى |
وازنت هذه الحسنات -أو طغت عليها، وفقًا لقراءات نقدية لتأريخ "البوليس"-"السيئات". وتشير السيئات - العنف، وسلطة النخبة، والإقصاء- إلى الصراع الحتمي الذي ينشأ في العالم الاجتماعي. لقد كانت "إدارة التوترات"، كما يؤكد جون ما، سمة جوهرية لـ"البوليس"؛ واقع كانت "ترتبط به ارتباطًا ديالكتيكيًا"- "يسبق ممارسة السياسة المدنية، ويشكّل أساسها، ويتدفق منها".
لكن، ما الذي حافظ على تماسك مجتمعات "البوليس" القديمة هذه؟ هذا سؤال مهم بالنسبة إلى جون ما، بما أنه يسوق الحجج مرارًا وتكرارًا لصالح أهمية السياق الاجتماعي لـ"البوليس"، لا بوصفه مجرد خلفية للأنشطة السياسية، بل، على نحو تجديدي، بوصفه عاملًا مُحدِّدًا في حد ذاته. إحدى السمات الموحِّدة هي المثالية، أي القناعات المتعلقة بالدساتير والمبادئ الكامنة وراءها. والحالة الأكثر شهرة هي الديمقراطية الأثينية التي طور أرسطو لها، كما هو معروف، أساسًا فلسفيًا في كتابه "السياسة".
قد توحي تجربتنا الخاصة مع الصراع الاجتماعي والثقافي أن المثالية عاجزة عن الحفاظ على تماسك المجتمعات وحشد الجماعات أثناء صراعاتها. لكن، يستكشف جون ما عدة عوامل للتماسك: مفهوم الصالح العام، والقيود المحدَّدة ديمقراطيًا التي تحدّ من سلطة النخبة على الجماهير، والالتزام بـِ "مشروع مشترك مُنبِّل" (يضفي النبالة) ألهم ظهور عمل سياسي على الطراز الآرندتي (نسبة إلى حنة آرندت)، وما إلى ذلك.
الجدير بالملاحظة في الإطار النظري عند جون ما هو غياب إميل دوركايم عنه، وهو الذي شرح تحليلُه عن "الفوران الجمعي" كيف تتماسك الجماعات بواسطة "الكثافة الاجتماعية والأخلاقية"؛ مفهوم توسع مؤخرًا ليصبح "الطاقة العاطفية". يندمج هذا المتغير في نظريات اجتماعية كبرى (نظريات ماركس، وفيبر، وغوفمان، على سبيل المثال)، ليظهِر كيف بوسعنا تحديد "ديناميكيات" مجتمع ما، وليس بنيته أو أفكاره فحسب. وفقًا لِراندال كولينز، تصف الطاقة العاطفية "عاطفة قوية مستقرة، تدوم لفترة من الزمن"، ما يوفر الأساس للثقة، والعزم، والمبادرة، والقدرة على السيطرة على التفاعلات. فعندما تنجح طقوس التفاعل، يصبح أفراد الجماعة متناغمين واحدهم مع الآخر، ويصبح بوسع "الشحنة" العاطفية، لا سيما إذا أُديمت بفعل رموز مشتركة، أن تنتقل إلى التفاعلات المتتالية في السلسلة.
في المراسيم وغيرها من النقوش الكتابية السياسية والمدنية في العالم القديم، بدأ المؤرخون يدركون أن عدة عواطف مثل الخوف، والفخر، والحماس كان يُعبَّر عنها لتوليد تضامن يحافظ على تماسك الجماعات في مكان ما (إسبرطة، على سبيل المثال) وتحت اسم مشترك (الإسبرطيون). وموقع هذه النصوص، المنحوتة في الصخر أو المثبتة على معبد أو بناء مدني، أصبح رمزًا يعيد شحن الطاقة العاطفية لدى العامة- أو على الأقل لدى المواطنين الأحرار (من يتمتعون بالحقوق السياسية).
لنتمعن مجددًا في المرسوم المتعلق بالماعز في هيراكليا. النص، وهو نقش اكتُشف في أواخر القرن التاسع عشر، يستنزل اللعنات على كل من يربي الماعز، ويؤكد على سيطرة الشعب من أجل ضمان سلامة كل من المواطنين والسكان. وهذا النقش، المعروض في "مقام أم الآلهة"، كان يذكّر المارة بسلطة الديموس (الشعب). ونظرًا لاندماجه مع المؤسسات والطقوس الدينية، فقد كان على الأرجح يثير الخوف من مخالفته. بكلمات أخرى، لقد شحنَ النقشُ طاقةَ المواطنين العاطفية وأعاد شحنها. وبقدر ما كانت النخب تسعى وراء الإثراء الخاص عبر تربية الماعز بدلًا من خدمة الصالح العام، فإن المرسوم المحفور كان من شأنه استنزاف الطاقة العاطفية من النخب، ليوازن السلطة من أجل الصراع الديمقراطي القادم، وذلك من خلال إعادة الشحن العاطفي للفضائل المدنية على حساب الرذائل الأنانية: باختصار، إنه ما أسماه جون ما "مأساة النخب" التي شرعنت مشاع الماعز.
بالتالي، نظرية سلاسل التفاعل الطقسي تعمّق الديناميكيات السياسية لمدن "البوليس" وتوسّعها، مظهِرةً الأهمية الكبيرة للأخلاق الشخصية، حتى في الأنظمة الأوليغارشية (حكم الأقلية) مثل مدن "البوليس" الثيسالية أو إسبرطة. كذلك، إذا أخذنا مثالًا آخر، فإن قصيدة تنسب إلى الشاعر الرثائي تيرتايوس الذي عاش في منتصف القرن السابع قد جذّرت دستور إسبرطة في نبوءة من أبولو، وأمرت الملوك والشيوخ أن يتحدثوا بشرف ويتصرفوا بعدل. وبينما كان شباب النخبة يتعلمون هذه القصيدة ويلقونها في المدرسة، ومن ثم يتذكرونها لاحقًا في سن الرشد، فإنهم كانوا يتشكلون و"يُشحنون"، إذا جاز التعبير، كأعضاء في الطبقة الحاكمة.
إن الرؤى التي نحصل عليها غالبًا من المصادر القديمة هي تلك التي تعود إلى النخب المتعلمة التي كان بوسعها، حتى في حالة مدن "البوليس" الديمقراطية، أن تحظى بسلطة كبيرة. لكن، نقاشات جون ما حول النخب يمكن أن تصبح أكثر تنويرًا إذا لم تستند إلى الأبحاث المتعلقة بالسلطة ووضعِ النخب للأجندات فحسب، بل استندت كذلك إلى التطورات الحديثة في نظرية النخبة. فقد افترض الباحثون وجود ثلاثة أنواع من النخب على الأقل - السياسية، والاقتصادية، والثقافية أو نخب المكانة- يفرضون جزاءات مختلفة: القوة، والسلع والخدمات، وتعبيرات الاستحسان والاستهجان.
لا يفكك جون ما النخب تحليليًا. ونخب المكانة القدماء، أولئك الذين كانوا يمتلكون سلطة ثقافية أو دينية، معروفون جيدًا - لنأخذ مثلًا سقراط أو سوفوكليس أو تيرتايوس أو الأولمبيون في قصائد بيندار، أو حتى أرسطو الذي يؤطر توصيف جون ما إلى حد كبير. وضمن كل نوع من أنواع النخب، يخلق الخصوم توترات: بين أساليب الإنتاج القديمة والحديثة لدى النخب الاقتصادية؛ بين المحاربين وشاغلي المناصب العامة والمهاجمين والخونة والغزاة؛ وبين الكهنة والشخصيات الثقافية والأنبياء والزهّاد.
لقد تعززت الروابط بين النخب السياسية وغير النخب المحترمين من خلال، مثلًا، إقصاء غير المواطنين كالعبيد والميتيك (الأجانب الذين كانوا ينتمون إلى "بوليس" أخرى)، ما يعني أن ذلك الإقصاء لم يكن مجرد "جانب مظلم" لـ"البوليس"، كما يدعوه جون ما. بالأحرى، الرابطة بين النخب وغير النخب المحترمين التي ازدادت قوة بفعل إقصاء غير النخب غير المحترمين شكّلت أساسًا جوهريًا لاستقرار "البوليس". كذلك، ناقش المتخصص في الكلاسيكيات روبرت سوباك قائلًا: "إن التنوع في الطبقات الاقتصادية، والأعمار، والمهن، والأماكن السكنية الذي اتسم به أولئك الذين ساهموا في الديمقراطية الأثينية لم يكن عثرة يجب تداركها، بل سمة ضرورية وقوية لتطبيق النظام ونجاحه". وهذه النقطة يمكن أن تنطبق جيدًا على مدن "البوليس" الديمقراطية الأخرى. وبناء على ذلك، اتسم إنتاج المعرفة المتعلقة بـ"البوليس" ونشرها بـِ"طابع اجتماعي ضروري لها... أُنتِج في 'المساحات الحرة' للأنشطة الجماعية، تلك التي سكنها سكان أثينا المتنوعون ذوو الثقافات المختلطة"، وهو ما يتوافق تمامًا مع توصيف جون ما لثقافة "البوليس" على أنها ثقافة جماعاتية.
| |
| يستشهد جون ما مرارًا بكتاب "السياسة" لأرسطو، لكن منظوره أوسع بكثير من منظور أرسطو، إذ إنه يستفيد من أدلة المؤرخ الحديث ومناهجه، ومن مسح تاريخي طموح |
إن تنويع أنواع النخب من شأنه كذلك أن يحدد مضامين التنافس الذي يشير إليه جون ما على نحو متكرر. فبينما تقدم خطب ديموسثينيس دليلًا على التنافس والصراع، فإن مناسبةَ تأليفها تشير إلى غياب العنف. علاوة على ذلك، المسرحيات، والفلسفات، والقصائد التي استُخدمت في المهرجانات، والمناظرات، والمسابقات تشير إلى منافذ بديلة للدوافع التنافسية كان يمكن لها لولا ذلك أن تنتج عنفًا مزعزِعًا للاستقرار. كما أن اتباع مقاربة متمايزة تحليليًا تجاه النخب يمكن أيضًا أن يجعل تعقيد النخب المتغير أكثرَ وضوحًا في سياقات أخرى، مثل مدينة إديسا المتحدثة بالسريانية.
لا تلتقط دراسة جون ما السجلَ المادي لمدن "البوليس" فحسب، بل تفترض كذلك وجود سجل روحي لصورها الباعثة على الحياة حول "الحياة الجيدة" و"المجتمع الجيد" التي تغلغلت في "الهيلينيكون" ("كل ما هو إغريقي"). "لقد عززت ’البوليس’ الاستثمار والإنفاق من قبل مواطنين آمنين وموثوقين، تحركهم مشاعر الشراكة، والانتماء، وقيمة الذات". والصورة الكلية التي يقدمها جون ما - حول تماسك نموذج "البوليس" واستمراريته- تجعله حساسًا تجاه الأدلة، حتى تلك التي تعود إلى ما قبل 900 قبل الميلاد، والتي تشير إلى "أنثروبولوجيا سياسية معينة، تتسم بغياب التراتبيات عميقة الجذور، وضعف النخب، وانتشار المطالبات المتعددة بالسلطة والتقدير".
مع ذلك، نادرًا ما يذكر جون ما " البايديا"، أو مؤسسات ومحتويات نقل ذلك العالم الروحي الخاص بـ"البوليس". وهو سيتفق بالتأكيد مع فكرة أن تشكيل المواطنين الفاضلين كان أمرًا محوريًا لـ"البوليس" ومؤسساتها، وشعبها، ونخبها. كما أن تشكيل المواطنين، من خلال سياسات الفضيلة، يسلط الضوء أيضًا على الطريقة التي استمرت بها "البوليس" في بيزنطة وما بعدها، عبر العصور الوسطى، وعصر النهضة، وصولًا إلى العصر الحديث.
يهدي جون ما كتابه إلى الراحل السير فيرغوس ميلار، المشرف على أطروحته لنيل الدكتوراه في أكسفورد، وأحد ممتحنيّ الأكاديميين لاحقًا. وقد أسِف ميلار من أن "المواطنة الأكاديمية والديمقراطية الأكاديمية ماتتا تمامًا. فكل [باحث/ة] بات ينشغل بعمله أو عملها الخاص من دون التفكير في القضايا المشتركة...". إن عمل جون ما المذهل، "البوليس"، يذكّرنا بالسبب الذي يجعل الذكريات الدقيقة حول عالم "البوليس" الإغريقي المؤسِّس قادرةً على تغذية مؤسساتنا الديمقراطية مرة أخرى.
(*) ريان إس. أولسون: مدير مشارك في "ندوة الثقافة والتشكيل"، وأستاذ أبحاث وزميل أقدم في "معهد الدراسات المتقدمة في الثقافة" في جامعة فيرجينيا. وهو مؤلف كتاب: "التراجيديا، والسلطة، والخداع: شعرية الرسائل المضمنة عند يوسيفوس" (2010).
رابط النص الأصلي:
https://hedgehogreview.com/issues/lessons-of-babel/articles/of-goats-and-ancient-politics


تحميل المقال التالي...