}

استعادة "أنا أتهم" إميل زولا: من المخوّل بتوجيه الاتهام؟

سوسن جميل حسن سوسن جميل حسن 16 يوليه 2026
تغطيات استعادة "أنا أتهم" إميل زولا: من المخوّل بتوجيه الاتهام؟
فلنبحث عن المتهم الحقيقي بقضايا كثيرة ساهمت بتدمير بُنانا
في عام 2025، تم إعلان يوم 12 يوليو/ تموز، رسميًا، يومًا لإحياء ذكرى إعادة تأهيل القبطان ألفريد دريفوس من قبل رئيس الجمهورية الفرنسية. هذه القضية التي أثارت الكثير من الجدل لأكثر من قرن كامل، وما زالت حاضرة في النقاشات والدراسات والنقد، تُستدعى باستمرار إلى اللحظة الراهنة، وتفتح باب الأسئلة ولا سيما عن موقف المثقف من القضايا العامة، أو التي تمس قيمًا يُفترض أن تكون إنسانية في الدرجة الأولى، تلزم السلطات السياسية من جهة، والنخب الثقافية والمجتمعية من جهة ثانية، بأن تكون حارسة لها.

خلال اثني عشر عامًا، من 1894 إلى 1906، انقسمت فرنسا إلى معسكرين: "الدريفوسيون" المدافعون عن الجمهورية والعلمانية، و"المناهضون لدريفوس" المعارضون بشدة للبرلمان والمتحيزون ضد اليهود أو المعادون للساميّة.

في الواقع لا يمكن إغفال السياق التاريخي لأي حدث يقع، هذا السياق الذي يمكن أن يتكرّر بصيغ أخرى فتنجم عنه أحداث مشابهة. في قضية دريفوس كان السياق قابلًا للاشتعال، إذ توافرت ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية جعلت من القضية مثيرة ومهمة بشكل عام، بل وقضية رأي عام انقسم في إثرها المجتمع الفرنسي، خاصة أن الصحافة لعبت دورًا كبيرًا في جعلها حاضرة في الوعي الجماعي، الصحافة التي كانت قد منحتها القوانين منذ عام 1881 حرية كبيرة، وفسحت المجال للناس كي يعبروا عن آرائهم.

قضية دريفوس

في عام 1894، تم اتهام ضابط فرنسي يُدعى ألفريد دريفوس، وهو ضابط مدفعية من عائلة يهودية ألزاسية، بالتجسس لصالح ألمانيا. أدين في محاكمة جرت في جو من السرية، بجريمة الخيانة العظمى، وحكم عليه بالنفي مدى الحياة إلى سجن في جزيرة الشيطان في غويانا، مع الأشغال الشاقة. لكن سرعان ما ظهرت شكوك حول إدانته. في سبتمبر/ أيلول 1899، في نهاية محاكمة ثانية أُدين فيها دريفوس مجددًا، مع ظروف مخففة، تم تخفيض الحكم إلى عشر سنوات. بعد عشرة أيام، وقّع الرئيس إميل لوبت العفو الرئاسي الذي أطلق سراح المتهم. ومع ذلك، لم يُعلن عن إعادة تأهيل دريفوس إلا في تموز/ يوليو 1906 من قبل محكمة النقض.

يرى كثير من المتخصصين أن هذه القضية كانت مؤامرة أكثر من كونها خطأ قضائيًا، مرتكزة على وثائق مزورة أعدها ضباط كبار واستخدموها في سياق التجسس، ضمن إطار اجتماعي ملائم للغاية من معاداة السامية وكراهية ألمانيا بعد ضم الألزاس- اللورين (ألزاس-موزيل) في عام 1871، وتنامي الشعور القومي لدى الفرنسيين. علاوة على ذلك كانت هناك أزمات متتابعة ما زالت تفعل فعلها في حياة الشعب الفرنسي والدولة الفرنسية، خاصة الحرب الفرنسية-الألمانية (1870-1871) التي حدثت بعدها "كومونة باريس"، وهي انتفاضة شعبية تم قمعها بطريقة عنيفة ودموية، كذلك معاهدة فرانكفورت (10 مايو/ أيار 1871)، التي أرهقت فرنسا بتغريمها بدفع تعويض حرب بلغ رقمًا باهظًا (5 مليارات فرنك ذهبي، أي حوالي 20% من الدخل القومي المقدر في تلك الفترة)، وتسليم الإلزاس وموزيل للإمبراطورية الألمانية. ويمكن القول إن ما يسمى حقبة بيل إبوك la Belle Époque (1894-1914) في فرنسا، شهد نوعًا من القلق الجماعي على خلفية تكريس أفكار عن وجود أعداء خارجيين وداخليين يتربصون بالأمة الفرنسية، والأخطر بالنسبة إلى المجتمع كانت فكرة الأعداء الداخليين، إذ تدفع السياسة باتجاه الأفكار الشعبوية والبحث عن شريحة من الشعب تجعلها "كبش فداء".

وقد لقيت القضية في البداية صدى محدودًا، قبل أن تؤدي تبرئة الجاني الحقيقي في عام 1898 ونشر مقالة لإميل زولا، "أنا أتّهم…!"، إلى سلسلة من الأزمات السياسية والاجتماعية.

"أنا أتّهم"

في الثالث عشر من يناير/ كانون الثاني 1898 نشر إميل زولا، الذي كان أديبًا مشهورًا حينها، مقالة نشرت في الصفحة الأولى لجريدة "لورور" L'Aurore...، تحت هذا العنوان، وهي خطاب مفتوح موجه إلى رئيس الجمهورية الفرنسية فيليكس فور، سلّط فيها الضوء على ما اعتبره فضائح، خاصة بعد تبرئة قائد يُدعى إستيرهازي، كان قد وجهت إليه التهمة بأنه "المجرم" الحقيقي في هذه القضية، بعد أن اكتشف ذلك العقيد بيككار Picquart، رئيس جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، في عام 1896، وأن اتهام دريفوس كان ظلمًا.

يُقال إن الصحيفة التي كان يُباع منها ثلاثون ألف نسخة حينها، بيع ثلاثمئة ألف نسخة من عدد المقالة. كانت الصحافة تغذي القضية، وفي الوقت نفسه تساهم تغطية هذه القضية بالمقابل في زيادة المبيعات في حركة متبادلة لا تتوقف.

لقد تركت مقالة إميل زولا "أنا أتهم" أثرًا كبيرًا في الرأي العام، فقد تم تنظيم حملة عرائض من قبل الصحافة المؤيدة لدريفوس. وكانت هذه أول حملة من نوعها، شاركت فيها شخصيات مهمة وبارزة، ففي اليوم التالي، في 14 يناير/ كانون الثاني 1898، جمعت صحيفة "لورور" 3000 توقيع لأشخاص مشهود لهم، مثل مارسيل بروست وغيره، اصطلح على تسميته "بيان المثقفين"، هذا البيان الذي نشر في الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، لم يتأخر الرد عليه في المقابل، فقد نشرت "لو جورنال" في الأول من فبراير/ شباط اللاحق ردًّا لموريس باريه، المصنف كمثقف يميني قومي دان فيه هذا البيان.

تركت مقالة إميل زولا "أنا أتهم" أثرًا كبيرًا في الرأي العام


ما يهمّ هذه المقالة في استحضارها "قرينة" تاريخية لواقعنا اليوم، خاصة في سورية التي تشهد أزمات واضطرابات اجتماعية وسياسية واقتصادية في سياق أوسع، عالمي، ليس خصوصية قضية دريفوس، إنما الأثر العظيم الذي أحدثته في المجال العام، واستنهاضها النخب، خاصة الثقافية، ثم حثها على أن يكون لها موقف، ليس بالضرورة مناصر لدريفوس، إنما أن يكون لها موقف من قضية تعدّ في عمق المجتمع والدولة، إضافة إلى دور الصحافة، تأثرها وتأثيرها في الوقت نفسه.

قبل كل شيء يحق السؤال: هل هناك إنتلجينسيا "نخبة ثقافية" سورية؟ لم يتحول مصطلح "مثقف" في فرنسا إلى اسم يشير إلى مجموعة اجتماعية إلا في وقت لاحق، بعد أن كان صفة. وفي خضم قضية دريفوس، أصبح هذا المصطلح معروفًا لدى الجمهور من خلال بيان المثقفين الذي نشر في صحيفة "الأورور" في 14 يناير/ كانون الثاني 1898: وردّ موريس باريه في "لو جورنال" في 1 شباط/ فبراير بمقالة بعنوان "احتجاج المثقفين".

تاريخيًا، كان مصطلح المثقفين (أو الإنتلجينسيا) يشير إلى مجموعة من المثقفين الروس الذين، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أصبحوا واعين بمشاكل روسيا القيصرية وناضلوا من أجل الإصلاحات السياسية والاجتماعية، أما في الاتحاد السوفياتي، فكان يُطلق على الطبقة الاجتماعية التي كان أعضاؤها حاصلين على شهادات دراسات عليا أو تقنية ويشغلون مهنًا غير يدوية اسم "المثقفين".

بشكل عام فإن المصطلح أصبح شائع الاستخدام للدلالة على هذه النخبة الثقافية في أي مجتمع، لكل شعب نخبه، ولكل نخبة مواقفها وتجاربها وآراؤها ومرتكزاتها الأخلاقية والمعرفية والأيديولوجية وغيرها، فهل نجرؤ على القول إن في سورية هذه الطائفة؟ سوريةا التي تعيش اليوم تحت حمم البركان الطائفي والعنصري؟

لقد كشفت الحرب الممتدة على مدى عقد ونصف العقد، واقعًا متهتكًا كان مطمورًا تحت قشرة من الاستقرار الوهمي، ولم تكن الحال غير استنقاع عوضًا عن الاستقرار، هذا التهتك لم يوفر حتى المثقفين، فقد تبين أن شريحة مهمة منهم كانوا مستقطبين، إن كان سياسيًا أم عقائديًا أم دينيًا أم طائفيًا ومذهبيًا، ولقد طاولتهم الحرب الدموية العبثية كغيرهم، فارتد قسم منهم إلى مرتكزات ماضوية تعلي من شأن الروابط الضيقة على حساب الروابط الاجتماعية المبنية لتكون أسس بناء الدول الحديثة، والمجتمعات القائمة على المبادئ الإنسانية.

يحفل الواقع السوري، ليس منذ اليوم، إنما منذ عقود، بقضايا كبيرة، وأحداث مهمة، من شأنها أن تحرّك العقول والضمائر، وتستفز الأفكار "التنويرية"، التي من المفترض أن يجتمع المثقفون حولها، لكن الواقع أنهم فشلوا في هذا الاجتماع، وصار كل واحد لديه ما يشبه "أنا أتهم" إنما يصوغ اتهامه ويوجهه إلى الدريئة الخطأ، إلى ما يضعف العيش المشترك في دولة لها مقومات البقاء، ومجتمع يستطيع النهوض، فنرى مناشير الاتهام تؤجج النوازع التعصبية، وتعلي من خطاب الكراهية، عوضًا عن تحريك العقول وإزالة الغشاوة عن البصر والبصيرة. استفحل تشرذم المثقفين في سنوات "الثورة" في سياق ما أطلق عليه مصطلح "الربيع العربي"، فوجدناهم منقسمين، شغلتْهم، إلا لدى مجموعة كانت ضعيفة التأثير، المواقف السياسية والجدل القائم بين مشروعية الانتفاض المسلح والتدخل الدولي أمام عنف الأنظمة وقمعها، ومشروعية هذا القمع العنيف من قبل الأنظمة بحجة حماية البلاد والعباد، عن القضايا الأساسية التي يحتاج إليها الشعب من أجل استقراره وقدرته على النهوض ببلاده ودفعها في ركب مسيرة البشرية، فانزلقوا، بوعي أو من دون وعي، إلى هذا الاستقطاب المدجج بالعقائد والأيديولوجيا، فالتحق المثقف بالسياسي، امتلأ بعقيدة الحرب، وتركت قضايا المجتمع والشعب إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وما زال البركان يبصق حممه فوق شعوبنا.

إن كان للصحافة دور كبير في التأثير على الوعي الجمعي والرأي العام في أثناء قضية دريفوس وسياقها، مثلما كان لهذه القضية فعلها أيضًا في الصحافة، ودورها في التأسيس للصحافة "الاستقصائية" كما تشير الدراسات، فإنه لم يكن لهذا الأمر أن يتحقق لولا وجود مناخ عام، ووعي شعبي جاء خلاصة قرون من العمل الفكري والتنويري والصراع بين سلطات وأنظمة حكم كانت قائمة وكان للدين سطوة بالغة عليها، أدى إلى غرس مفاهيم ضامنة لتماسك الشعوب والدول بأنماطها الحديثة، مفاهيم كالديمقراطية والعدالة والمساواة وحرية التعبير والرأي والمعتقد، وغيرها،  فإن الصحافة اليوم، لم تعد تقتصر على أشكالها ومفاهيمها الكلاسيكية، بل تعدتها إلى مساحات واسعة، وصار حجم التضليل والمعلومات الكاذبة يفوق التصور، مدعومًا بما يقدم الذكاء الاصطناعي من خدمات تمكّن هذا التضليل، وصارت الصحافة، أو الإعلام بشكل عام، من أخطر الأسلحة التي تدمر العقول وتشوّش الوعي وتعكّر الضمائر، ونحن في هذه البلدان لا نعرف إلا استهلاك منتجات الثورة الرقمية وأجهزتها الذكية ومواقعها المتاحة، واستخدامها في تأجيج عداواتنا البينية، ومرّة أخرى ينزلق المثقف إلى ذلك المستنقع، وتبدع الصحافة الصفراء، والسوداء والملونة بكل ألوان التضليل، في إضرام النيران كلما خبت، والنفخ على الجمرات قبل أن يخبو وهجها الحارق. كل هذا مدفوع بإرادات سياسية وأنظمة شمولية قمعية، سياسية واجتماعية ودينية، بينما يعمل المثقف، في غالبية النخب، على تدبيج مقالات الاتهام وتوسيعها حتى صارت مجلدات.

هل يئسنا من إمكانية الوصول إلى يوم، تحيّي فيه السلطة السياسية المثقفين الذي خاضوا المعركة الأكبر للنهوض بشعوبنا؟ بعد قرن على إعادة تأهيل الضابط دريفوس، في 22 يوليو/ تموز 2006، استعاد الرئيس الفرنسي جاك شيراك قضيته، وسلط الضوء على الصحافة التي أصبحت لاعبًا مهمًا في لعبة "الديمقراطية" وتحصينها، وعلى المثقفين، إذ قال: "الصحافة التي استطاعت أن تتبنى دور المعارضة، وهو دور لا غنى عنه في الديمقراطية. نخب الجمهورية، الأساتذة، العلماء، الكتاب، أولئك الذين منذ ذلك الحين يُطلق عليهم اسم "المثقفين"، مارسوا للمرة الأولى هذا الدور الأخلاقي الذي سيترك بصمته على القرن".

"أنا أتّهم"... فلنبحث عن المتهم الحقيقي، في قضايا كثيرة ساهمت في تدمير بُنانا كلها، فندينه ونحاكمه، ونعزله كي نحمي ما بقي من مساحات لم تيبس في ضمائرنا وعقولنا.

اليوم، في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تذكرنا قضية دريفوس بكمية المعلومات التي يمكن أن تقوي الديمقراطية (الغائبة كمفهوم وممارسة عن الوعي العام، أو مغيّبة بدفع سياسي وديني)، لكنها تغذي التلاعب أيضًا ما يؤُثر على الحقيقة، ويزيد في حجم التضليل.

نحن نعيش في عصر الثورة الرقمية، وميدان السباق مع الذكاء الاصطناعي، والإنترنت بمنصاته التي لا تُعد، والحرية المفتوحة حدّ الاستباحة أمام الجميع، والمنابر الإعلامية المتكاثرة كالفطر، ما يجعل من المثقفين أيضًا غرقى مرّة أخرى في بحور من المعلومات التي تربك التفكير أيضًا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.