}

"أنظر: البوسطجي قادم": السينما حين تصبح قصيدة مشعّة بالأُلْفة

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 18 يوليه 2026
تغطيات "أنظر: البوسطجي قادم": السينما حين تصبح قصيدة مشعّة بالأُلْفة
بوستر الفيلم
بروحه السينمائية الرشيقة، ورسائله، وانحيازاته، وأرض مشاهده، يشكّل الفيلم الروائي التركي "أنظر: البوسطجي [أو ساعي البريد] قادم" (2026)، (تأليف وإخراج: يوكسيل أكسو)، نموذجًا عذبًا من نماذج "العصر الذهبي" للدراما التركية، تلك التي بدأت إرهاصاتها بالصعود والتألّق مع مطلع الألفية الثالثة، ليس على صعيد الشاشة الفضية فقط، ولكن على صعيد الدراما التلفزيونية التي استوطنت بيوتنا بأعمالها المُدبلجة محققةً نجاحات لافتة اقتصاديًا وثقافيًا وسياحيًا وعلى صعيد حُسن تسويق تركيا. وحين نصف ما شهدته تركيا من تطوّر على صعيد الصناعة الدرامية تلفزيونيًا وسينمائيًا بـ"العصر الذهبي" فلأن هذين الحقليْن الفنيين البصريين الأدائيين باتا من أهم أذرع قوّة تركيا "الناعمة"، ولأن هذا الإنتاج الدرامي الضخم عاد (على صعيد الدراما التلفزيونية فقط) بأرباح هائلة على الدولة التركية قُدِّرت بـ350 مليون دولار، متوازيًا مع أرباحٍ سينمائيةٍ متدفّقة، وليمثّل قطاعا التلفاز والسينما مجاليْن للاستثمار المربح، وإذا بتركيا تتبوّأ المرتبة الثانية عالميًا في تصدير المسلسلات، مستفيدة من إدارة تتحلّى برؤية اقتصادية واعية لأهمية القطاعين؛ جمعت (تلك الإدارة أقصد) ما بين الحفاظ على الهوية، وترويج قيم الدولة وسياستها، مع نشر صورة رائعة عن تركيا الحضارة والنهضة والسياحة، مترافقًا كل هذا، مع محتوى فنيٍّ راق بعيدٍ عن الإسفاف والابتذال، وترويج أنماط الحياة الغربية.

معزوفة الشريط
فيلم "أنظر: البوسطجي قادم" (واسمه بالتركي: Bak Postacı Geliyor، وبالإنكليزي: Look, the mailman is coming)، تجلّى بمجملهِ بوصفه معزوفةً متدفقةَ الفرح، عذبة التفاصيل، رشيقة المعالجة الإخراجية، تآلفت مشاهده لتجمعنا جميعنا مهما اختلفت مرجعياتنا، أو تباينت أصولنا، أو تنوّعت منابتنا، أو تعدّدت مشاربنا، حول حدوتة لا يختلف حولها أحد: مجرّد قصة حب بين ساعي بريد وابنة أحد أعيان البلدة ممن يحصلون في حالتهم على لقب بيك في زمن أهمية هذه الألقاب داخل أنسجة الوعي التركي في خمسينيات القرن الماضي. ولكن المخرج والمؤلف في الوقت نفسه، ولأنه يروي لنا قصة والدته ووالده بحق وحقيق، لا يكتفي بالقصة من دون فكاهة الروح القروية الساكنة في عروق الأرض هناك، ومن دون تناول شكل علاقات الناس البسطاء المحبين المتعاونين في تلك القرية الوادعة في الريف التركي شرقي الأناضول، لا بل يفعل ذلك كلّه متّكئًا على ممثل محبوب عند من يتابعونه (النجم التركي أوزان أكبابا في دور عثمان) أجاد بشكلٍ أخّاذ هضم دور ساعي البريد في قرية تنتظر كلّها هذا الساعي وما قد يحمله في دفء حقيبته الجلدية داخل مغلفات الرسائل الساكنة، من أخبار وأفراح ومسرّات وطمأنينة، وهضم ضرورة أن يجمع في أدائه بين طفوليةٍ تلتقي حولها القرية كلّها، وبين وجهات مشاعره وتطلعاته وأحلامه الصغيرة. الروح الموسيقية للشريط أعلنت عن نفسها منذ المشهد الأول الذي يغني فيه أطفال مدرسة ابتدائية (أولاد وبنات) أغنية تهلّل بساعي البريد وتشكره وتعبّر عن مكانته: "أنظر... أنظر... ساعي البريد قادم ويلقي التحية... الجميع ينظرون إليه، ويتساءلون... شكرًا... شكرًا... ساعي البريد لقد جلبت لنا أخبارًا مفرحةً جدًا...". وإذا بلحن هذه الأغنية الطفولية البسيطة وموسيقاها يصبحان لازمة ترافق معظم مشاهد الفيلم وأوقات السيناريو فيه، حتى أنها صاحبت بعض لحظات الحوار (تحته بصوت أخفض منه). عمومًا، أجاد جيهون تشيليكتِن، مؤلف موسيقى فيلميْ "المعجزة" (2015) و"بين العائلة" (2017) الحائز على عديد الجوائز، في خياراته الموسيقية للفيلم، فإذا بموسيقاه تتجلى بوصفها جزءًا لا يتجزأ من روحه العذبة النابضة، ومن رسائله السهلة الممتنعة الوديعة.




لا يكتفي عثمان بإيصال الرسائل بل يكتب لأهل بلدته ممن يطلبون منه ذلك؛ بعضهم يطلبها ليس بسبب أميّته بل بسبب أن عثمان قد تجلّى في الحدوتة مالكًا بعض قدرات توليف الجمل وصناعة التأثير في حروفها، بعض العواجيز يكتب لهم عثمان لأنهم لا يقرأون ولا يكتبون. في هذا السياق تحمل مشاهد كتابة الرسائل قدرًا مشعًا من الظرافة وروحانية الناس في البيئة المحيطة بهم؛ يجلسون حواليه يراقبون كتابته لتلك الرسائل، عجوز يرشها بالعطر (الكولونيا) مدفوعة الأجر (50 قرشًا فقط لا غير)، صاحب المقهى يراها مناسبة لشربهم الشاي فلا رسائل من دون شرب الشاي. يعترض أحد طالبي الرسائل على تشبيه معشوقته بزهرة القرنفل المتداولة والشائعة جدًا، ويرى أن التشبيه المتناقل من شخص لآخر قد يمس كرامة خصوصية علاقته بمحبوبته، فيطلب تغيير الزهرة من القرنفل إلى البابونج، وإذا بعثمان سهل المعشر دافئ التواصل مع أبناء قريته الذين يرى فيهم أسرته وأهله، وهو الوحيد الذي بلا أسرة ولا أهل ولا أشقاء ولا شقيقات، إذا به يشيد بالتشبيه الجديد ويشرع بإعادة كتابة الرسالة على أساس أنها كزهرة البابونج. في إطار هذه الكوميديا البعيدة عن الابتذال، أو الإسفاف، تكرّ مشاهد الفيلم وتتواصل أحداثه؛ رفيق عثمان في شقة إقامته معارض (ربما شاعر أو قاص) منفيٌّ من ديار بكر، لا يعرف عثمان لماذا هو معارض، ولا ماذا هي المعارضة، ولا يعرف لماذا نفوه من ديار بكر، لكنه يتعامل معه بوصفه أخًا أكبر يمدّه بنصائح الحب العميق، وبقصائد ناظم حكمت وغيره.

تجلّى الفيلم بمجملهِ بوصفه معزوفةً متدفقةَ الفرح، عذبة التفاصيل، رشيقة المعالجة الإخراجية


لدى هذا المعارض المثقف مذياع سريٌّ يواصل الاستماع إلى الأخبار التي يبثها، والأشعار التي ينحاز لها دون غيرها، ومرّة سمع منه تقريرًا عن القاص التركي سعيد فائق عباسي يانيق (1906-1954)، وبما يعكس رغبة يوكسيل أكسو (كاتبًا ومخرجًا) في أن يشكّل شريطه الجميل حزمةً دسمةً من تناول ذلك الزمان بأجوائه ومعارضته وقضاياه القومية مشمولة ببعدها الكرديّ، ولكن قبل كل شيء بروح الألفة التي كانت تسود القرى، وتحكم علاقات الريف، وآمالهم الحيوية المتفائلة كأنها الزهر الذي يعاند الصخر. هناءة الناس وخلو مسائلهم من التعقيدات والحسابات... العجوز الذي يريد أن يبعث رسالة لابنه نصرت ويبلغه فيها سلامات وتحيات كل فرد في العائلة ومن الجيران والأصحاب على أساس أن السلام أمانة، الحازوقة التي أصابت عثمان وهو في الحافلة القروية الحمراء الصغيرة لأن معشوقته معه في الحافلة نفسها... ضحكها وصديقتها عليه وعلى حازوقته، عثمان وهو يستعير كتب الشعر ويختار بعض الأبيات بعينها ويضع خطوطًا تحتها... إلى أن اكتشفت معشوقته أنه هو، لا غيره، من يكتب إليها من وحي ما يقرأه من أشعار: "النار تحرق المكان الذي تقع فيه... لا تلمس الغصن الذي ينبت فيه الورد... دع لغاتك الأربع، الكثير من الطيور تغرّد ولم يأت صيت البلبل"، كل هذا وغيره مما أراد الكاتب/ المخرج أن يصل بدفقهِ كلِّه، ومعانيه أحلاها. أما الشعر، أو الحوار الذي يرتقي إلى الشعرية في أعمق تجلياتها، فقد شكّل رافعًا مهمًا من روافع الشريط: "إذا وقعت في العشق يومًا... فحتمًا سوف تكوى بنيرانه... العاشق أعمى كالمجنون... لا يعرف في أي فصل نحن... العالم في كف وخيالاته في كف... هي شعلة وهو كالفراشة يحوم حولها... يحوم حولها عمرًا بأكمله... لمن ينزوي في ركن حزين... لمن ينقطع عن الطعام والشراب...




لمن يحرم نعمة النوم... الفراق هو الاسم الآخر للموت... القبلة خلف شجرة البرقوق". أو في الحوار الذي دار بين عثمان ورفيق إقامته المثقف المنفيّ عندما لم يفعل عثمان ما يفعله كل يوم ويقتحم عليه غرفته مفزعًا له وهو الذي يتوقّع مداهمة العسس في أي وقت، وبعد أن استشعر الرفيق حيرة ساعي البريد وإحساسه بالخذلان أنه لن يظفر بمحبوبته، قال له: "الحب ليس اللقاء بل الوصال... الحب في جوهره هو طريق ورحلة... وهو صعب يا هذا... لقد خلطتَ بين الوقوع في الحب وبين التملّك... لو تحقق كل ما نريده فورًا لأصبحت الحياة مملّة... عذاب الحياة يكمن في الاحتمالات... في احتمالية الوصول لأهدافنا بالجهد والمثابرة... أكثر قصيدة أحبها هي قصيدة ناظم حكمت ’طاهر وزهرة’... إنها قصيدة ممنوعة... خذ منها العبرة: ’ليس العيب في أن تكون طاهرًا... ولا أن تكون زهرة... وحتى الموت بسبب الحب ليس عيبًا... كل ما في الأمر هو القُدرة على أن تكون طاهرًا وزهرة... مثلًا خلال القتال خلف المتاريس... مثلًا أثناء الذهاب لاكتشاف القطب الشمالي... مثلًا أثناء تجربة مصل في عروقك، هل يكون الموت عيبًا؟ ليس العيب في أن تكون طاهرًا... ولا أن تكون زهرة... وحتى الموت بسبب الحب ليس عيبًا’...". أو حتى في الشعرية التي حملتها حروف رسالة محبوبته (دينيز باروت في دور جوليزار) بعد يأسها من إقدامه وتقدمه لطلبها، أو حتى في اختطافها: "لا المريض ينتظر الصباح... ولا القبر ينتظر الميت الطازج... ولا حتى الشيطان ينتظر خطيئة بقدر ما انتظرتك... لقد فات الأوان... لا أريدك أن تأتي... لقد وجدتك في غيابك... اترك ظلّك في أوهامي... لا تأت بعد الآن، فما الفائدة".

لوحة دافئة
ساعي البريد المغلوب على أمره... الوحيد من غير عائلة... الذي ينتظره الناس وينتظرون ما يحمله من رسائل وأخبار وحكايات... الذي لا يستطيع البوح بحبه لابنة أحد أعيان البلدة شوكت بيك... لكنه في المقابل وجد عزاءه بحب أهل البلدة له الذين وقفوا معه وساندوه وحين اختير للمشاركة في سباق المشي الخاص بسعاة البريد... بسبب أن المرشح الأساسي من بلدته انكسرت قدمه ولا يستطيع المشاركة... آزروه وهذا جلب له الدبس وذاك الزبيب ودجاجات فلان باضت أخيرًا وأحضر له بيضها والحلاق وعده أن حلاقة الفوز على حسابه... وصديق له أحضر له جرّة جبن... وصاحب المقهى وعد أنّ المشاريب على حسابه باستثناء العرق والنبيذ فهو على حساب من يطلبه... فرحوا به وغنّوا له "أيها البطل أنت فخرنا"... دمعت عيناه وقال لهم أنتم أهلي... وبلدتي هي أسرتي. يُشكّل مختلف ما تقدم لوحة دافئة أتقنت الكاميرا التقاط تفاصيلها وتسليط الضوء على مجسّات نبضها. حتى حمار القرية الذي صرفته القائمقامية لعثمان حين أطاح بدراجته الهوائية التي ارتبط شراؤه لها بالنحس، فقد تجلى في سياقات الفيلم بوصفه جزءًا من معزوفته وأجوائه الريفية الساحرة. أما (واتساب) ذلك الزمان فقد تكفلت به نساء القرية يتناقلن الأخبار من شرفة إلى شرفة، ومن شارع إلى آخر، وهو ما فعلنه حين رتبن جميعهن أمر هروب العاشقيْن... أو لنترك هذه اللحظات المفعمة بالدهشة لمن يرغب في متابعة الفيلم.
لا يشبه فيلم ساعي البريد التركي هذا فيلم "البوسطجي" (1968) المصري في شيء، فالثاني أنتج بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، تناوب خلال مشاهده الكاتب يحيى حقي والمخرج حسين كمال على تعرية أحوال الصعيد المصري، ورصد تحولات المدينة السائرة نحو الضياع، في حين جاءت النسخة التركية من سعاة البريد، في زمن تركي يواصل الصعود، ورصّ مداميك التنمية بالرغم من كل المعيقات الداخلية والخارجية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.