}

طاولة مستديرة: الذكاء الاصطناعي ومستقبل الكتابة (1-2)

جيمس سوروويكي 20 يوليه 2026
ترجمات طاولة مستديرة: الذكاء الاصطناعي ومستقبل الكتابة (1-2)
من اليمين: دانييل كيلمان وميغان أورورك وأياد أختار

ترجمة وتحرير: أسامة إسبر

نظمت جامعة ييل في الثامن من نيسان
أبريل الماضي حوار طاولة مستديرة جمع الصحافي والمحرر البارز في مجلة "ييل ريفيو" جيمس سوروويكي مع ثلاثة من أبرز الكتّاب الأميركيين الذين انخرطوا إبداعيًا في استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي: أياد أختار، ودانييل كيلمان، وميغان أورورك.
وقد تناول الحوار الذكاء الاصطناعي ومستقبل الكتابة الأدبية والعلوم الإنسانية، وتطرّق إلى التداعيات الاجتماعية لعصر النماذج اللغوية الكبرى، والتغيّرات التي تطرأ على إدراكنا وعملياتنا الذهنية، والتحولات في مفاهيمنا عن طبيعة اللغة نفسها.
هنا ترجمة الجزء الأول من الحوار:

جيمس سوروويكي
: كنت أود البدء بسؤال كبير حقًا، لكن ميغان رأت بأن هذا قد لا يكون مدخلًا محبّذًا لمناقشة الموضوع. بناءً على ذلك، قررتُ أن أتدرّج في حديثي قليلًا: هل يمكن لكلّ منكم أن يصف علاقته مع الذكاء الاصطناعي حاليًا؟

ميغان أورورك: ليس هذا سؤالًا سهلًا على الإطلاق.

دانييل كيلمان: إنه سؤال رائع، لكن الإجابة عليه ليست سهلة، والسبب هو أن العلاقة مع الذكاء الاصطناعي غير مستقرة، أو ثابتة، وما زالت في طور استكشاف ماهيته، وما هو قادر على فعله. ربما كان الذكاء الاصطناعي مفيدًا جدًا ومذهلًا على نحو استثنائي، لكنني أعتقد أن معظمنا يتفق على أنه شديد الخطورة أيضًا. من الصعب جدًا أن تكون لديك علاقة داخلية مستقرة مع شيء مثله.

ميغان أورورك: هذا ما كنت سأشير إليه. إن علاقتي بالذكاء الاصطناعي تنبع من استخدامي له بوصفـي ناقدة ثقافية. فأنا أستخدمه كي أكتب عنه، ثم أجد نفسي، على نحو غير متوقع، مجردة من سلاحي أمامه، بل أجده مفيدًا في بعض الأحيان فأقول لنفسي: إن علاقتي به علاقة نقدية قائمة على المسافة والحياد، لكنها ليست كذلك تمامًا. وما يلفتُ نظري، في أثناء استخدام الذكاء الاصطناعي، هو مدى السرعة التي نُضفي بها عليه صفات بشرية، ومدى قابليتنا للتأثر بقوة اللغة المكتوبة بصيغة المتكلم.

أياد أختار: في عام 2021، ألقيتُ محاضرة ضمن سلسلة محاضرات "فيليب روث" في مدينة نيوارك، تحدثتُ فيها عما أسميتهُ "التقارب المنتقى/ Selected Affinity"، وهذا تعبير يلعبُ على فكرة "التقارب الاختياري/ Elective Affinity". ازداد إحساسي بأن إدراكنا وعملياتنا الذهنية أصبحت في خدمة عمليات مؤتمتة. وأعتقد أنني كنت أشعر، منذ عام 2018 تقريبًا، بوجود شيء مراوغ ومنظَّم في آنٍ معًا، كما لو أن أنماط اللغة والسلوك أصبحت أكثر ثباتًا وتصلبًا، وكأنها، إن جاز التعبير، بدأت تعثر لنفسها على مسارات مرتبة ومحددة سلفًا.
ذكّرني الأمر إلى حد ما بما حدث حين بلغ الإنترنت مرحلة النضج، إذ لاحظتُ حينها اختلافًا في طبيعة الروايات، وصارت عملية البحث واسعة النطاق، لكنها بدت بطريقةٍ ما أكثر خواءً بقليلٍ مقارنةً بروايات ما قبل عصر الإنترنت، وكأن نتائج البحث تفتقر إلى الشعور بأنها نابعةٌ من تجربةٍ حياتيةٍ حقيقيةٍ ومعيشة.  وشعرتُ بأن هنالك نوعًا من الاختزال، أو غياب العمق والتعقيد، مصحوبًا بميل إلى التنظيم والتوحيد والقولبة. لم يكن ذلك مجرد تغير سطحي، بل كان تحولًا أعمق تبدّى في طبيعة تفاعلاتنا الإنسانية نفسها، وفي النسيج الذي يشكّل علاقاتنا وحديثنا وثقافتنا. وتمكن ملاحظته في التلفزيون والسينما والنشر، وفي نوعية الأعمال التي تُنتج، وفي الكيفية التي تُستخدم فيها الخيارات الدرامية والبنائية. وكان هنالك التزامٌ واضحٌ بمنطقٍ يفرض نمطًا مختلفًا من الانتباه. وعند النظر إلى الماضي، ندرك أن الأمر كان يتعلق بالتجميع، وبما نُطْلق عليه جميعًا اليوم "الاختيار الخوارزمي": أي تلك المنظومة القائمة على المراقبة والتقنيات المؤثرة في السلوك، التي تتخذ القرارات نيابةً عنا، إنها "التقاربات المختارة". لم تكن لدينا آنذاك مصطلحات مناسبة لوصف ذلك، لكنه كان واقعًا يحدث بالفعل. وردًا على سؤالك يا جيم، يمكنني القول إن النماذج اللغوية الكبرى تتيح لنا فرصة هائلة للكشف عما يدور خلف الكواليس ورؤية هذه العملية وهي قيد التنفيذ، وهي عملية رافقتنا منذ فترة، وأصبحت ركيزة أساسية في حياتنا جميعًا.


جيمس سوروويكي: ما العلاقة بين أدوات الإدراك الآلي عمومًا (الخوارزميات وما شابهها)، وبين النماذج اللغوية الكبرى على وجه الخصوص؟ كيف تشبه تجربة التعامل مع نموذج لغوي كبير تجربة استخدام خرائط غوغل، وكيف تختلف عنها؟

دانييل كيلمان: إن ما تفعله جميع الثورات والاكتشافات العلمية المهمة هو أنها تُعلّمنا شيئًا عن أنفسنا. أوضح فرويد هذه النقطة في حديثه المعروف عن الجراح، أو الطعنات النفسية، وأعني إدراك أن الأرض ليست مركز الكون، وأننا ننحدر من القردة، وأننا لسنا حتى سادة عقولنا. ومن ناحية أخرى، لدينا الثورات التقنية والاكتشافات العلمية العظيمة التي هي نتاج عظيم للعقل البشري، مثل اكتشاف المحرك البخاري، والطائرة، والحواسيب الأولى.
حدثت اليوم إحدى أعظم الثورات العلمية في التاريخ، لكنها في الوقت نفسه وجهت ضربة قاسية لكبريائنا، أشبه باكتشاف أن الأرض ليست مركز الكون، أو أن الإنسان ينحدر من القردة. نحن نعيش هاتين الحقيقتين في آنٍ واحد. أما الأشخاص الذين يطوّرون الذكاء الاصطناعي ــ ولست متأكدًا حتى من أن كلمة "يطوّرون"، أو "يبرمجون" هي الأدق ــ فلا أظن أنهم مهيؤون فلسفيًا لاستيعاب حجم الإنجاز الذي حققوه، وما ينطوي عليه من دلالات. ولذلك فأنا أنتظر من الفلاسفة أن يقدموا لنا ما يساعدنا على فهم هذه اللحظة، والتعامل معها.
في غضون ذلك، يدفعني الذكاء الاصطناعي إلى إعادة التفكير في تفاصيل حياتي اليومية، ذلك أنني بدأتُ أشعر، لا سيما في المواقف العادية التي لا أوليها اهتمامًا خاصًا، كأنني نموذج لغوي ضخم يقوم بتركيب الجُمَل. والجدير بالذكر أن جيفري هينتون، أحد مبتكري الذكاء الاصطناعي التوليدي، قدّم إجابة رائعة حول الموضوع: في مقابلة عندما قال له أحدهم عن النماذج اللغوية الكبرى: "لكنها لا تفكر، بل تتنبأ بالكلمة التالية فحسب"، رد عليه قائلًا: "ومن أين تأتي أنتَ بالكلمة التالية التي تتفوه بها؟". منذ ذلك الحين، بدأت أتساءل كيف أجد الكلمة التالية في أثناء الكتابة. كشف الذكاء الاصطناعي عن أمرٍ مثير للاهتمام: قد تكون اللغة قادرة على إنتاج مزيد من اللغة من تلقاء نفسها. يقول كثيرون إن الذكاء الاصطناعي لا يُفكّر، أو يفهم، حقًا، وإنما يُخمّن الكلمة التالية بناءً على أنماط مُحدّدة. ولكن كلما تعمّقنا في استخدام الذكاء الاصطناعي ازدادت صعوبة تصديق أن هذا التفسير يُقدّم جوابًا شافيًا.

ميغان أورورك: نشر جدعون لويس كراوس مؤخرًا مقالًا في مجلة "ذا نيويوركر" استعرض فيه بتعمق تفاصيل عمل شركة أنثروبيك وتطويرها لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود". صرّح أحد المؤسسين المشاركين بأنهم يشعرون بالدهشة إزاء كثير مما يحدث، وشبّه فهمنا لهذه التكنولوجيا بفهم الأخوين رايت للطيران، مشيرًا إلى أننا رغم ذلك الفهم الأولي والبسيط بنينا أسطولًا من طائرات بوينغ 747، وأدخلناه إلى مفاصل حيوية في شتى أرجاء مجتمعنا.




بهذا المعنى، أعتقد أنها تكنولوجيا تطيح بالإنسان عن مركزه بالمعنى الكوبرنيكي الذي أشار إليه دانييل. لكن يجب أن نكون شديدي الحذر من اللغة التي نستخدمها لوصفها. عرفنا من قبل تقنيات كثيرة غيّرت جذريًا الطرق التي ننظّم بها مجتمعاتنا. لكن، وكما قالت الأستاذة في معهد الدراسات المتقدمة ألوندرا ولسون: إن الذكاء الاصطناعي أصبح موضوعًا لبحثنا وأداةً نستخدمها في هذا البحث في آن. ما أشارت إليه هو أن نقاشنا الجماعي حول الذكاء الاصطناعي تعثّر وتوقّف قبل أن تُتاح له فرصة التبلور الكامل.

أياد أختار: لاحظتُ من خلال تفاعلي مع هـذه التكنولوجيا أنها تُحسّن وتُضعف في آنٍ واحد قدرتي على استخدام اللغة. وكما هي الحال مع الآيفون، تُغيّر التكنولوجيا طريقة تفكيري، وأجد نفسي مضطرًا إلى بذل جهدٍ أكبر للحفاظ على حدة ذهني. وهذا يعني التزامًا أكبر بقراءة الأدب، خاصةً أدب عصر النهضة الإنكليزي، الذي يتمتع بغنى لغوي مدهش، وأخص بالذكر إدموند سبنسر، وشكسبير. وأجد نفسي أقضي وقتًا أطول بكثير في صقل مهاراتي اللغوية، حتى مع رؤيتي لها تتلاشى. باختصار، كان عليّ مضاعفة جهودي. ومن الأمور المُشجّعة بالنسبة لي هو كيف يُوضّح الذكاء الاصطناعي بشكلٍ متزايد الفرق بين الآلة وما نحن عليه. وستُصبح النقاشات حول الذات، وما قد نُسمّيه أو لا نُسمّيه "الروح"، أكثر أهمية. وفي ما يتعلق بالعلوم الإنسانية، أعتقد أنه سيزداد الطلب على خريجي الأدب الإنكليزي. إن القدرة على استخدام اللغة بشكل ترابطي وغني ودقيق ستكون ميزة استراتيجية لم تعد علوم الحاسوب تتمتع بها.



جيمس سوروويكي: يبدو أنك صاحب أطول علاقة مع الذكاء الاصطناعي بين جميع المشاركين في هذه الجلسة يا دانييل.  لقد بدأتَ العمل به منذ عام 2020، أليس كذلك؟

دانييل كيلمان: في مطلع عام 2020، دُعيت للمشاركة في تجربة، فسافرتُ إلى سان فرانسيسكو، حيث أتيحت لي فرصة استخدام خوارزمية حاولتُ كتابة نص أدبي بواسطتها. في ذلك الوقت، لم يكن أحدٌ من خارج أوساط التكنولوجيا قادرًا على الوصول إلى النماذج اللغوية الكبرى (LLMs) . لم تكن النتيجة جيدة، بل مثيرة للسخرية إذا ما قورنت بمعايير اليوم، لكنها كانت مذهلة للغاية آنذاك عند مقارنتها بما كنا نعرفه حينها. لم أتمكن من كتابة قصة قصيرة جيدة، بل لم أستطع حتى كتابة قصة متوسطة المستوى. كانت آلية العمل تقوم على إدخالي لجملة لتقوم الخوارزمية بإضافة جملة أخرى، ثم أُدخل أنا جملة تالية. استمرت العملية نحو صفحتين، أو ثلاث صفحات، قبل أن تبدأ الخوارزمية بالتوقف، أو تكرار نفسها، ورغم ذلك ظل الأمر مدهشًا، واستخدمتها لفترة كوسيلة للتسلية وإبهار الآخرين في المناسبات الاجتماعية. ثم، في أوائل عام 2021، ألقيتُ محاضرة في ألمانيا حول هذه التجربة نُشرت لاحقًا في كتيب صغير له غلاف جميل. واليوم أرى أن الشيء الوحيد المثير للاهتمام في ذلك الكتيب الصغير هو أنه يبدو كما لو أنه ينتمي إلى الماضي. حدث منذ ذلك الحين كثير جدًا على مستوى التقدم التقني، إلى درجة أنني طلبتُ من الناشر سحب الكتاب من التداول ففعل ذلك.

جيمس سوروويكي: ما الموقف الذي ينبغي على المرء أن يتخذه من الذكاء الاصطناعي؟

ميغان أورورك: لا أرغب في تبني نهجٍ يُمْلي القواعد، أو يفرض أحكامًا مسبقة. بصفتي ناقدة ثقافية، ألاحظ أننا نميل ــ وقد دأبنا على ذلك منذ البداية ــ  إلى الوقوع في فخ الثنائيات، وفرض التصورات الجاهزة عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي، ويتأرجح الخطاب النقدي حوله منذ بدايات تبلور فكرته في الأوساط الأكاديمية بين رؤى تشاؤمية سوداوية، وأخرى مثالية طوباوية.

جيمس سوروويكي: أعتقد أن القلق هو ما يشعر بها الباحثون في العلوم الإنسانية والكتّاب تجاه الذكاء الاصطناعي. فهل هذا القلق مبرر؟ أم أنه مجرد شيء ينبغي أن نتعلم التعايش معه؟

ميغان أورورك: لا أستطيع الإجابة على سؤالك هذا، لكنني أستطيع البدء بتصنيف جوانب تجربة استخدام هذه التكنولوجيا، وتوضيح أسباب ذلك القلق المصاحب لها. إنها تكنولوجيا جديدة من شأنها أن تطيح ببعض ما نعتز به أشد الاعتزاز، مثل تلك المساحة الآمنة للتركيز العميق والمستمر، وجوانب تتصل بمكنونات الروح والقدرة على التعبير الفردي. أنا أؤمن باللغة بوصفها فنًا، وفضاءً للتفكير لا تحكمه الصفقات، أو تسيطر عليه الشركات، وبوصفها فضاءً يسمح بالغموض والمقاومة والصعوبة والتعقيد، لكن الذكاء الاصطناعي يهدد هذه الطبيعة، فهو بمثابة أداة لمضاعفة الإنتاجية في عالمٍ يتمحور أصلًا حول الإفراط في الإنتاج. وحين أتصفّح الإنترنت اليوم أجد لغة مصطنعة تخلو من الحيوية، وهذا أمرٌ يهدد جانبًا أراه مهمًا. ورغم ذلك، أرى أنه من السهل جدًا الاكتفاء بهذا الحد؛ إذ يتعين علينا أيضًا النظر في جوانب أخرى: ما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي أيضًا؟ وما هي أنواع الأبحاث التي يسهّلها؟ ما الفرص التي يقدمها والمجالات التي يمكن أن يفتتحها، حتى في الوقت الذي يجردنا فيه من جوانب أخرى؟ وكيف يستخدم العلماء الذكاء الاصطناعي لتحسين تشخيص الأمراض والحالات الطبية لدى فئات عانت تاريخيًا من الوصم الاجتماعي، أو التهميش، أو سوء الفهم؟ ثم يبرز تساؤل آخر: كيف يغيّر هذا علاقتنا بالحكومة بوصفنا مواطنين، لا سيما في ما يتعلق باحتمالات المراقبة والحروب التي تعتمد بالدرجة الأولى على الذكاء الاصطناعي؟

جيمس سوروويكي: ألّفْتَ مسرحيةً تناولتْ هذا الموضوع، أي ما يعنيه استخدام الذكاء الاصطناعي، ولماذا قد يلجأ إليه الكاتب، وما إذا كان يختلف حقًا عن ذلك النوع من الاستحواذ و"ابتلاع" النصوص السابقة الذي تنطوي عليه عملية الكتابة.

أياد أختار: لقد استعار شكسبير سبعين في المائة تقريبًا من كلمات مسرحية "الملك لير" من مسرحية أقدم تحمل عنوان "القصة الحقيقية لحياة الملك لير".

جيمس سوروويكي: صحيح. هل يمكن أن تحدثنا قليلًا عن تجربتك في كتابة مسرحيتك "ماكنيل"، التي تتحدث فيها عن روائي يصارع الذكاء الاصطناعي، وعُرضت لأول مرة في الولايات المتحدة عام 2024؟ أخبرنا لماذا كتبتها، وما الذي تعلّمْتهُ منها، وما الذي ينبغي لنا أن نستخلصه منها، وكيف كانت ردود الفعل عليها؟

أياد أختار: ساورني قلق بشأن ما يطرأ على الوعي الأدبي، وكيف يقع بشكل متزايد تحت هيمنة نوع من "التفكير الهوياتي" المتأثر بالتكنولوجيا، وهذا أمر شعرتُ بأنه يتعارض مع القيم الجوهرية للقراءة المتعمقة، مثل التركيز المتواصل والقدرة على تقبّل الآراء المختلفة. علاوة على ذلك، وفي عالم يتضاءل فيه عدد من يقرؤون بعمق وتتلاشى فيه مكانة المؤلف، لِمَ لا نُجهز تمامًا على تلك الصورة للمؤلف التي يرغب الجميع أصلًا في القضاء عليها: صورة الرجل الأبيض العجوز؟ دفعني التفكير بالأمر إلى كتابة مسرحية عن "عملاق أدبي" يدمّر مسيرته المهنية بيده في عصرٍ باتت فيه روبوتات الدردشة قادرةً على تأليف الكتب. تبلورت فكرة المسرحية نتيجة انخراطٍ عميق وتفاعلٍ مستمر مع النماذج اللغوية الكبرى على مدار ستة أو سبعة أشهر تقريبًا. بالنسبة للبعض، كان الوقت مبكرًا جدًا لتصور وجود أي رابط بين هذه النماذج وبين عملياتنا الإبداعية والمعرفية. أثارت المسرحية حفيظة النقاد في نيويورك، وكان الاستقبال في أوروبا أكثر حفاوة بكثير. ورغم الانتقادات اللاذعة للمسرحية على صفحات مجلات ومواقع النقد المسرحي في نيويورك، فقد حققت رقمًا قياسيًا في مبيعات التذاكر بمركز لينكولن متجاوزةً التوقعات بمبلغ 500 ألف دولار. وجذبت المسرحية أعدادًا غفيرة من الشبان، وهي تُعرض حاليًا في مختلف أنحاء العالم.




هنالك أيضًا من عارض المسرحية بدافع من الاستياء، ففي صباح يوم العرض الأول نشرت مجلة "ذا أتلانتيك" مقابلة أجراها معي الصحافي جيف غولدبرغ تحدثتُ فيها عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تأليف المسرحية. قلتُ إنني كتبتُ خاتمة المسرحية مستعينًا بالذكاء الاصطناعي؛ واستغرقت وقتًا طويلًا في محاولة معرفة كيفية جعل البرنامج يكتب خاتمة ذلك الخطاب. أظن أن الغضب نبع من حقيقة أنني ككاتب أعلنتُ الأمر بصراحة، كأنني غير مدرك لسياق ما أفعله. وأصدقك القول إنني رأيتُ ردود الفعل تلك بمثابة إثبات لصحة موقفي، وكانت هذه هي المرة الأولى في مسيرتي المهنية التي يمنحني فيها هذا النوع من الغضب النقدي شعورًا بالقوة والثقة.

(يتبع)

[المصدر: مجلة "ذا ييل ريفيو"، 8 حزيران/ يونيو 2026]

هوامش:

أياد أختار:
روائي وكاتب مسرحي، حائز على جائزة بوليتزر، من كتبه المعروفة رواية "السطوع".
دانييل كيلمان: روائي وكاتب مسرحي، من أعماله المشهورة روايات "قياس العالم"، "تيل"، و"المخرج"، بالإضافة إلى المسلسل التلفزيوني "كافكا".
ميغان أورورك: مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا وفقًا لقائمة "نيويورك تايمز"، "المملكة غير المرئية: إعادة تصور المرض المزمن"، وكتاب "الوداع الطويل"، بالإضافة إلى ثلاث مجموعات شعرية. حازت على زمالة "غوغنهايم"، وزمالة "رادكليف"، وجائزة "وايتينغ" للأعمال غير الروائية؛ تقيم في نيو هيفن، حيث تدرّس في جامعة ييل، وتشغل منصب المحرر التنفيذي لمجلة "ذا ييل ريفيو"/ The Yale Review.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.